Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 113
«إن كان عليّ أن أؤدّي دور القائد، فبوسعكم جميعاً أن تتبعوني إلى الخارج لنرى إن كان ثمّة المزيد منهم هناك، ثمّ نذهب لنُلقي نظرةً أقرب على ذلك المجنون الذي استدعانا إلى هنا قبل أن يعثر عليه أحدٌ غيرنا»، تذمّر آل وهو يمضي مسرعاً نحو الباب الأماميّ.
«حالاً، أيّها السيّد القائد*!» أجابت ويكووكِت وهي تتبعه.
«أيّها السيّد القائد، يا سيّدي»، صحّح بوته بابتسامةٍ عريضةٍ إلى حدٍّ كاد آل معه أن يسمعها.
تجاهل آل ذلك، واندفع إلى الخارج يبحث عن مزيدٍ من الغوبلن. فلمح واحداً على الفور. كان قد ضُبط متلبّساً بمحاولة نهب عربتهم، وتناثر جزءٌ من الحمولة على مقربة. ونهق الحمار فَخْذة جزعاً حين رأى آل عائداً. كان على كتف الحمار وقائمته الأماميّة جرحٌ طويل، وكان الدم غزيراً، غير أنّ كثيراً منه بدا دمَ الغوبلن. فمع أنّه ظلّ متشبّثاً بعنادٍ بحزام إحدى الحقائب التي حاول جرّها بعيداً، فإنّه لم يكن حقّاً لا يزال متلبّساً بالنهب، إذ كان ميّتاً بلا ريب. وكان ساطور اللحم الذي أفلته ملقىً في التراب قرب البقايا التي طُرِّيَت حتّى الموت بحوافر الحمار، وبفعاليّةٍ تفوق كثيراً ما كانت مِطرقة تطرية اللحم المسروقة المدسوسة في حزام الغوبلن لتبلغه يوماً.
تأمّل غرَنتِل المشهد، وهمهم مرّةً واحدةً استحساناً. وأسرع بوته وويكووكِت لمساعدة حمارهما الجريح، فلم يشعر آل بذنبٍ كبيرٍ وهو يتوقّف ليتفحّص المشهد ويتأكّد من أنّ شيئاً لم يُفقَد، ولا سيّما حقيبته هو، بما فيها من دفتر الملاحظات السحريّة ولوازمه. فما كان بوسعه بالضبط أن يذهب إلى دكّان الساحر العتيق فيشتري نسخةً أخرى من أبحاثه الخاصّة. وبدا أنّ الغوبلن قد انتزع حقيبة ويكووكِت، ربّما لمجرّد أنّها أصغر وأيسر على غوبلن أن يحملها. أمّا الحقائب الثلاث الأخرى فكانت على الأرض قريباً، إمّا رماها الغوبلن جانباً وإمّا سقطت بينما كان حمارهم يتعارك معه. فالتقطها آل وأعادها إلى العربة، فيما كان بوته يعتني بجرح فَخْذة، وويكووكِت تُغدق على الحمار المديح لشجاعته.
«لقد صرتَ واحداً منّا حقّاً الآن يا فَخْذة! أنت حمارُ حربٍ جبّارٌ قاتلُ غوبلن، أليس كذلك! هيه! علينا أن نجلب لك درعاً من نوعٍ ما! هيه، آل، إنّهم يصنعون دروعاً للخيول، صحيح؟»
«يُسمّى الباردِنغ، أي تِجفاف الخيل، لكن نعم»، أجاب آل، محاولاً أن يتخيّل حمارهم الصغير مغطّى بصفائح معدنيّةٍ متقنة الزخرفة. «قد يكون باهظ الثمن جدّاً وثقيلاً، ولا أظنّه سيحبّ ارتداءه طويلاً.»
«باردِنغ؟» كرّرت ويكووكِت بارتياب. «كنتُ أظنّه لحمايته، لا ليصير هو...»
«لا أدري لماذا يُسمّى كذلك، لكن لا علاقة له البتّة بالمُنشِدين»، قاطعها آل بسرعة، منزعجاً من أنّ ذهنه قد أصابته الآن عدوى صورةٍ متخيَّلةٍ لحمارهم وعلى ظهره عودٌ مربوط، يخبّ هنا وهناك محاولاً إغواء كلّ شيء. «التِّجفاف الكامل لن يكون عمليّاً على الأرجح، لكنّي واثقٌ من أنّنا سنجد من يصنع له شيئاً. لكن أوّلاً، هل هو بخير؟ أيستطيع المشي؟ أظنّ أنّ علينا أن نسرع في العودة إلى حيث وصلنا قبل أن يبدأ الناس بالخروج بحثاً عنّا.»
«يبدو أنّ إصابة فَخْذة كانت جرحاً مؤلماً، لكنّه ليس عميقاً ولا مهدِّداً لحياته»، أجاب بوته وهو يعقد طرف الضماد البسيط الذي لفّوه حول ساق الحمار وكتفه وعنقه ليغطّي الجرح. «لا أنصح بالركض الشاقّ، لكنّي أظنّه سيكون قادراً على جرّ عربتنا بخطوٍ معقولٍ ما لم يُرهَق.»
«جيّد، لننطلق. لم أسمع أحداً يتحرّك في الداخل بعد، فلعلّ لدينا بضع دقائق قبل أن يجازف الناس بالخروج ليروا إن كان الغوبلن قد رحلوا»، ألحّ آل متّجهاً عائداً نحو الإسطبل دون أن ينتظر ردّاً. «والآن وقد سنحت لنا لحظة، فلديّ أسئلة. غرَنتِل، مَن كان ذلك الرجل؟»
«مُنادي الصيد»، أجاب غرَنتِل.
«وما مُنادي الصيد؟»
«ينادي للصيد.»
تأوّه آل وفرك جبينه.
«أنت أيضاً لا تفهم حقّاً ما حدث، أليس كذلك؟»
«لا. ربّما أمور الشامان*.»
«كان يكلّمك كما يتكلّم الغُنول، صحيح؟ ماذا كان يقول؟»
«اصطادوا الغوبلن، لأنّهم اعترضوا الطريق. ثمّ كنتم أنتم هنا، فأراد قتل الغرباء.»
«للحظةٍ»، قال آل بحذر، «ظننتُ أنّك قد تفعل.»
«فعلتُ.»
«لم أفهم منه الكثير، لكن بدا أنّه غاضبٌ من الغوبلن لأنّهم عرقلوا أمراً آخر كان ينوي فعله»، أضافت ويكووكِت. «ولم يكن يتوقّع البتّة أن يظهر أحدٌ ليس على هيئة غُنول. هل رأيتَ تعبير وجهه؟ كان مضحكاً جدّاً!»
«ومنذ متى تتكلّمين الغُنوليّة؟»
«لا أظنّ أنّ أحداً يتكلّم الغُنوليّة حقّاً»، شرحت ويكووكِت. «أظنّها أقرب إلى أداءٍ فنّيّ، أتفهم؟ فيها بعض الأصوات التي تشبه الكلمات، لكنّ كثيراً منها لغة جسدٍ ونبرةٌ للتواصل. أنت الذكيّ بيننا، ألم تكتشف ذلك بعد؟»
«كنتُ مشغول البال قليلاً بأمورٍ أخرى في الأسابيع الأخيرة، كما لعلّكِ لاحظتِ.»
وبالنظر إلى الوراء، كان قد عرف ذلك من قبل. فقد قرأ ما يشبهه في أطروحة ميليسا، وبدأ يدرك كم صار يفهم من كلام غرَنتِل غير المنطوق. وشعر آل بشيءٍ من الارتياح حين أدرك أنّه لن يحتاج إلى البحث عن وسيلةٍ يُجبر بها غرَنتِل على الجلوس ساكناً في جلساتٍ مطوّلةٍ من ما الكلمة الغُنوليّة لـ... لوضع معجم.
وعادت الخيول في الإسطبل إلى نخيرها وضربها الأرضَ بحوافرها في حظائرها هياجاً، حين عادت رِفقة الغُنول.
«هلّا كففتم عن هذا؟ لسنا هنا لنأكلكم!» تذمّر آل في وجهها بانزعاجٍ وهم يمرّون بأبواب الإسطبل المفتوحة. ولم يُبدِ ذلك، ولا نفخةُ غرَنتِل المنزعجة، أيّ أثرٍ في تهدئتها.
أمّا الرجل الذي سمّاه غرَنتِل مُنادي الصيد، فكان مطروحاً على الأرض حيث ألقاه غرَنتِل قرب زاوية الإسطبل. كانت قطعةٌ عريضةٌ من اللحم مقتلَعةً بالعضّ من عنق الرجل وكتفه بشكلٍ جليّ، كاشفةً عن شظايا فقراتٍ مكسورة، ومزيدٍ من الدم يتسرّب إلى ثيابه.
«أفترض أنّ أحداً منكم لم يرَه من قبل؟» سأل آل وهو يقلب الجثّة على ظهرها بدفعةٍ من حذائه.
«مهلاً، لقد رأيتُ هذا الرجل من قبل!» أعلنت ويكووكِت.
«حقّاً؟ أين؟»
«عند المنعطف هنا تماماً، قبل قليل! أراد أن يقتلنا!»
وابتسمت ردّاً على نظرة آل الغاضبة.
«لكن قبل ذلك؟» سأل آل.
«لا، لا فكرة لديّ عمّن يكون. أتريدني أن أرى إن كان يحمل شيئاً قد يفيد؟»
«حسناً، أنا لا أريد أن ألمس تلك الفوضى الدامية إن لم أُضطرّ إلى ذلك، فشكراً لتطوّعكِ. أريد أن أتفحّص تلك الدائرة التي صنعها قبل أن يعثر علينا أحد، بينما تقومين أنتِ بذلك.»
وخطا آل حول زاوية الإسطبل بينما شمّرت ويكووكِت عن ساعديها بلهفة.
كان العراك القصير العنيف قد لطّخ أجزاءً كبيرةً من النقش الذي رُسم بالدم واللحم والعظم حيث وصلوا، وداسها وركلها جانباً، لكنّ الجزء الذي ظلّ واضحاً أظهر كتابةً بذلك الخطّ الجحيميّ نفسه الذي وجدوه في حِصن وولفكِن. لم يكن آل متيقّناً إن كان صنعُه من أشلاء الغوبلن أمراً مهمّاً أم مجرّد اختيارٍ جماليٍّ من الرجل المجنون، لكنّ الهيئة العامّة للنقش ذكّرته في بعض أجزائها بالسحر الذي تعلّمه من دراسة آم دي أوسفيلته زاخِن أوند دي فيندِه داتسفيشِن، إذ بدت الأشكال والأنماط كأنّها تكاد تشقّ الواقع شقّاً. درس آل العلامات بعض الوقت، لكنّه لم يظفر منها بمزيدٍ من البصيرة قبل أن يشتّت انتباهَه صوتُ لعق. فمال برأسه حول زاوية الإسطبل لينظر، فاشمأزّ حين رأى ويكووكِت ترفع يديها الملطّختين بالدم ليلعقهما غُنولٌ حتّى تنظفا.
«ما الذي تفعلينه؟»
«ماذا، أكنتَ تريدني أن أمسح الدم على ثيابي الجميلة كلّها؟» سألت وهي تومئ إلى ما ترتديه، كأنّه لم يكن مرشوشاً بدم الغوبلن أصلاً.
رفع آل يديه مستسلماً، ورمق السماء بنظرة توسّلٍ نصف جادّة.
«حسناً، حسناً، هل وجدتِ شيئاً؟»
«ليس الكثير، لكنّه كان محمَّلاً جيّداً!» أجابت ويكووكِت وهي تخشخش بفخرٍ صُرّةَ نقودٍ جلديّةً في يدٍ ملطّخةٍ بلعاب الغُنول. «لم أفتحها لأعدّ ما فيها بعد، لكنّها ثقيلة! وهو يلبس كذلك بعض الخواتم الفضّيّة البسيطة في أصابعه.»
«إن كنتِ قد فرغتِ من استعمال غُنولنا بوصفه أقذر أداةٍ للنظافة متاحة، فقد أردتُ أن أرى إن كان يستطيع فهم شيءٍ من هذه الكتابة الباقية هنا.»
وضحكت ويكووكِت ضحكةً جشعةً وهي تفتح صُرّة النقود، بينما أشار آل إلى غرَنتِل أن يأتي لينظر في الرموز التي ظلّت مقروءة.
«جزءٌ من اسم»، فسّر الغُنول.
«لكنّك لا تستطيع أن تخبرني اسمَ مَن هو؟»
«لا.»
«أيبدو مألوفاً على الأقلّ؟»
«لا. جزءٌ من اسم فقط.»
«أيشبه هذا في شيء؟» قاطعتهما ويكووكِت. «كانت مطويّةً في صُرّة النقود مع المال.»
ورفعت ورقةً مبسوطة. كان المخطَّط المرسوم عليها مصنوعاً من خطوطٍ قصيرةٍ مخدوشةٍ بما رجا آل أن يكون مجرّد حبرٍ بنّيٍّ داكن. وبدا الرسم الخشن لآل كأنّه نُسخ على عجلٍ من شيءٍ رآه الرسّام دون أن يفهمه تماماً، إذ كانت فيه مواضع كثيرة تُظهر فيها الخدوش القصيرة، التي يُرجى ألّا تكون دماً جافّاً، آثارَ محاولاتٍ للتصحيح بغية بلوغ النقش النهائيّ. وقد بدا فعلاً مطابقاً لما بقي ظاهراً من الدائرة السحريّة التي يبدو أنّ لها يداً في جلبهم إلى هنا.
«جدّة»، قال غرَنتِل مشيراً إلى الخطّ الجحيميّ المُدمَج في النقش حول الجزء الخارجيّ من الدائرة.
«أهذا اسم أمّ أمّك؟» سأل آل مندهشاً. فلم يتلقَّ ردّاً سوى إمالةٍ حائرةٍ للرأس. «أنت تقصد الجدّة بمعناها حقّاً، صحيح؟ لا تقول إنّ هذا الاسم يُلفَظ جدّة؟»
«العمّة ميليسا* جعلتني أتعلّم عن... شَجَ... رة... النَّسَب. لم أفهم، لكنّ هذا سَ-لَ-ف. قالت العمّة ميليسا إنّ هذا مثل الجدّة عند الغُنول. هذا اسم الجدّة، أمور الشامان، ونداءٌ للجدّة والجِراء كي يأتوا.»
تفحّص آل الرسم عن كثب. فلأنّه مجرّد رسمٍ بسيط، افتقر إلى الدقائق التي كانت ستكون فيه لو كان سجلّاً لائقاً في ملاحظات أبحاث ساحرٍ، مكتوباً بالأحبار الخيميائيّة المناسبة لهذا الغرض، لكنّ الأشكال بدت فعلاً توحي بـشقٍّ في حدود الواقع، مع اتّجاهيّةٍ ميتافيزيقيّة ربّما عنت أنّه مُصوَّبٌ إلى مكانٍ ما أو يبحث عن شيءٍ ما.
«إنّها... دائرة استحضارٍ تستدعي شيطان الغُنول ليستحضر الغُنول، ربّما؟» خمّن آل، ناظراً إلى غرَنتِل طلباً للتأكيد.
«لا أعرف. أمور الشامان.»
«ليت لديّ مزيداً من الوقت لدراسة هذا، لكن علينا أن نسرع ونقرّر ما نفعل بالرجل الميّت وبما بقي من دائرة استحضاره. قد يكون أيسر علينا جميعاً أن نتخلّص من الدليل بطريقةٍ ما ونرحل من هنا، بدلاً من أن نحاول تفسير السبب الذي جعل شيئاً يبدو كطقسٍ لاستحضار الشياطين يجلبنا نحن إلى هنا.»
«لا يمكننا أن نرحل هكذا قبل أن نعرف رأي الناس هنا في الأبطال الذين ظهروا ظهوراً غامضاً فأنقذوهم من الغوبلن!» اعترضت ويكووكِت.
«هؤلاء الناس نجوا للتوّ من هجومٍ للغوبلن. لم أرَ أيّ ضحايا سوى بعض الإصابات التي لحقت باثنين من حرّاس أحد النزلاء، فلعلّ أحداً لم يمت، لكنّي لا أظنّ أنّ ظهور غُنولٍ مباشرةً بعد ذلك سيُحسّن حالهم!» أصرّ آل. «وأيضاً»، أضاف، «إن كانوا مختبئين في غرفهم، فلن يرغبوا في إخباركِ بشيءٍ على أيّ حال.»
فكّرت ويكووكِت في ذلك مليّاً.
«أظنّك محقّاً»، أقرّت أخيراً.
«حسناً، إذن، أنسحب الجثّة بعيداً وندفنها، أم نحرقها، أم نجازف بتركها هنا كي نبتعد أكثر، ونفترض أنّ أحداً لن يربطها بنا؟»
«لا، لا، مهلاً»، قاطعته ويكووكِت. «لا تتعجّل! أظنّ أنّ لديّ حلّاً وسطاً جيّداً!»
* السيّد القائد: مخاطبةٌ مازحة تنادي بها ويكووكِت آل بصفته قائد الرفقة.
* الشامان: لقبٌ يطلقه غرَنتِل على ساحر العشيرة وصاحب الطقوس، أي القائد الروحيّ.
* العمّة ميليسا: لقبُ قرابةٍ ودّيّ لميليسا، على غرار «العمّ بوب» في المسرد.
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion
Join the discussionانضمّ إلى النقاش
Sign in to comment and upvote.سجّل الدخول للتعليق والتصويت.