Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 114
«أتعلم، يرى العلماء أنّ الغنوم ينحدرون من الجِنّ الذين مكثوا في العالم الفاني أطول ممّا ينبغي،» علّق آل.
«وقد سمعتُ هذا أنا أيضاً،» وافقه بوته، «وإن كنتُ أتساءل عمّا أتى به إلى خاطرك في هذه الساعة.»
«أتساءل في الغالب عن نوع السحر الكامن المؤثّر في العقول الذي ورثته ويكووكِت، لأنّني أرفض أن أصدّق أنّني وافقتُ على كلّ هذا دون قوًى خارقةٍ تُغشّي عقلي.»
أفلت آل سروال الجثّة شبه العارية، وترك ساقها تسقط إلى الأرض مرتخية.
«هيه يا آل، ينبغي أن نفحص الرجل بحثاً عن الوشوم!» قال ذلك وهو يحاكي صوت ويكووكِت ساخراً بمرارة. «بالنسبة إلى شخصٍ شديد الحماسة لفعل الأشياء البطوليّة، يبدو تجريد الموتى من ثيابهم اقتراحاً بعيداً كلّ البعد عن البطولة.»
«لعلّ هذا ما جعل اقتراحها يتضمّن ذهابها إلى مكانٍ آخر بينما تنشغل أنت بهذا التحقيق المُهين للكرامة،» قال بوته وهما ينظران إلى الجسد المُعرّى. «إنّه اقتراحٌ معقول، إذ ليس من النادر أن يُوسَم المرء سرّاً رمزاً للولاء، أو للانتماء إلى جماعةٍ ما.»
أيّاً كان هذا الرجل الميّت في حياته، فقد بدا جسده النحيل أقلّ صلاحيةً للقتال أو لأيّ نشاطٍ خطِر منه للجلوس على أريكةٍ بوجهٍ ضَجِر بينما يتولّى الخدم كلّ ما يتطلّب جهداً. كان بشريّاً طبيعيّاً على قدر ما استطاع آل أن يتبيّن، ولم يُعثَر على أيّ وشومٍ أو علاماتٍ مقصودةٍ أخرى. غير أنّ الندوب كانت كثيرةً على نحوٍ مدهش، أغلبها على الذراعين واليدين، وعددٌ آخر على جسده وساقيه. بل كان ثمّة ندبةٌ تعبر أعلى رأسه، خفّف من وضوحها بعض الشيء تمشيطُ الشعر لإخفائها. وقدّر آل أنّ الرجل كان أكبر منه بقليلٍ فحسب، لعلّه في نحو ربع قرنٍ من العمر.
«لستُ متأكّداً من ذلك، فقد بدت دائماً متلهّفةً إلى سَلْب الجثث، وهذا ليس بطوليّاً تماماً هو الآخر.»
«أظنّ أنّها ربّما كانت أشدّ لهفةً إلى معرفة ما قد تسترقه من أحاديث نزلاء المكان الذي طردنا منه الغوبلن. وأنا واثقٌ أنّ لغز مكاننا وما جرى يهمّها، فضلاً عمّا قد يقولونه عنّا بالطبع.»
«ما زلتُ غير مرتاحٍ لهذا كثيراً. ففي المرّة الأخيرة التي وافقنا فيها على أن تذهب للتجسّس وحدها، كادت أن يأكلها هذا...»
تلفّت آل بحثاً عن الغُنول الذي كان على وشك أن يشير إليه. فتأوّه وهو يتفحّص الفُرجة الصغيرة في غابة الصنوبر حيث اختبؤوا. فإلى جانب آل وبوته والرجل الميّت الغامض، لم يكن هناك سوى الحمار فَخْذة مع عربتهم، ينظر خلفه في الاتّجاه الذي غادرت فيه ويكووكِت قبل دقائق.
«إلى أين ذهب هذه المرّة؟!»
راقبت ويكووكِت من طرف الغابة الأقرب إلى مؤخّرة النُّزُل، منتظرةً لحظةً مناسبةً للاقتراب. كان ثلاثة أشخاصٍ يلتصقون ببعضهم وهم يدورون حول المبنى بوجلٍ بحثاً عن أيّ أخطارٍ خضراء صغيرةٍ متربّصة. أحدهم يحمل فانوساً، والآخران يحملان الساطور ومطرقة تطرية اللحم اللذين حاول أحد الغوبلن الفرار بهما قبل أن يدوسه فَخْذة حتّى الموت. كان حامل المطرقة هو الرجل في منتصف العمر الذي كان متعلّقاً بأسفل الباب الأرضيّ، وتعرّفت في حامل الساطور على الشخص الذي تحدّثت إليه قليلاً. ولحسن الحظّ بدوا جميعاً سالمين، وإن ظلّوا خائفين وهم يتحادثون بنبراتٍ ظنّوها خافتة.
«أظنّهم رحلوا حقّاً، رأيتَ كلّ القتلى في المِخزَن وفي الطابق العلويّ، ثمّ ذاك الذي في الواجهة. لا بدّ أنّ السيّدة الغنوميّة ورفاقها تخلّصوا منهم جميعاً.»
«الغوبلن ربّما، ولكن ماذا عن الغُنول؟ لا بدّ أنّ إخافة الغُنول أصعب بكثيرٍ من إخافة الغوبلن!»
«يا سيدريك، قلنا لك من قبل، تلك السيّدة الغنوميّة قالت إنّ صديقها الضخم هو كلّ ما أفزعك، وعلى الأرجح يسمّون أنفسهم رِفقة الغُنول لأنّ ذلك الضخم مخيفٌ وبارعٌ في القتال. لا أحد غيرك يظنّ أنّه رأى غُنولاً حقيقيّين.»
«تلك المرأة الشيطانة المجنونة قالت إنّها سمعت واحداً!»
«حقّاً يا سيدريك! لا يجوز لك أن تسمّيها هكذا بعد الآن، خصوصاً وهم ضيوف! ثمّ إنّها قالت أيضاً إنّ الغوبلن فجّروا بابها. لستُ متأكّدةً أنّ بوسعك تصديق كلّ ما تقوله.»
«أهكذا إذن؟ حسناً، إن كان الأمر كذلك، فلماذا وافقتِ على ألّا تجعليها تدفع ثمن الباب؟»
«لأنّها هي وافقت على ألّا تلومنا على الغوبلن! إنّ تجارتنا هنا رابحة، وآخر ما نحتاج إليه أناسٌ غاضبون يخبرون الجميع أنّ المبيت في نُزُل الكفّارة الذهبيّة لم يعد آمناً بسبب غارات الغوبلن! هذا نزيلٌ أقلّ علينا أن نحاول إقناعه بألّا يشرع في تحذير الناس منّا!»
«الأحرى أن نقدّم فطوراً عظيماً للغاية هذا الصباح. إنّها لمعجزةٌ أنّنا لم نجد أيّ نزلاء موتى أو محتضرين.»
«وماذا عن ذلك الفتى سميث، أو أيّاً كان اسمه الحقيقيّ؟ غرفته كانت ممزّقةً تماماً ولا نعرف ما الذي حلّ به.»
«لقد دفع لنا سلفاً، فإلى غير رجعة. لم أرَه من قبل، فليس زبوناً دائماً، وذلك الغريب الهزيل مخيفٌ بعض الشيء، فعدم العثور عليه يعني أنّني لن أضطرّ إلى محادثته ثانيةً. على الأرجح هو بخير، فلم نجد أيّ دماءٍ إلّا حيث المرأة الشيطانة...»
«سيدريك!»
«...قالت إنّ الغوبلن فجّر النافذة. أكاد أجزم أنّ ذاك هو الغوبلن الذي تتحدّث عنه هناك. وهناك. وهناك...،» قال سيدريك، مشيراً إلى قطعةٍ كبيرةٍ وعدّة قطعٍ صغيرةٍ على الأرض قرب زاوية المبنى.
خفتت أصواتهم وهم يدورون حول الزاوية، يتكهّنون بما عساهم يُعدّونه لوجبة الصباح ممّا قد يعوّض كدر الليلة. كانت ويكووكِت متحفّزةً للاقتراب أكثر حين لاحظت وصول غرَنتِل. لم يكن غرَنتِل نفسه ظاهراً، لكنّ صمت الصراصير القريبة كان علامةً خفيّة. ابتسمت ابتسامةً عريضة وهمهمت بهدوءٍ لتُعلمه أنّها انتبهت، فجاءتها همهمةٌ مجيبةٌ من بعض الشجيرات القريبة. ثمّ اندفعت نحو الجدار الخلفيّ للنُّزُل. لم يكن غرَنتِل يتحرّك بخفّتها، لكنّها لم تكن واثقةً أنّها كانت ستنتبه إلى تتبّعه لها لولا علمها بوجوده. ربضا تحت نافذة المطبخ التي يخرج منها أكثر الضوء، فأمسكت ويكووكِت بحافّة العتبة وجذبت نفسها لتختلس النظر إلى الداخل. كانت امرأةٌ مسنّةٌ رأتها ويكووكِت في القَبْو تتلهّى بقلقٍ حول قِدر الحساء، ترفع بصرها بين حينٍ وآخر وتتلفّت لتتأكّد أنّ لا شيء يتسلّل إليها. فأفلتت ويكووكِت نفسها بهدوءٍ إلى الأرض والتصقت بالجدار حين جالت نظرة المرأة نحو النافذة. وخفت الضوء القادم من الداخل حين جاءت المرأة إلى النافذة لتنظر نحو الغابة. ثمّ صأصأت حين فاجأها صوت.
«أترين شيئاً؟» سأل صوت سيدريك.
«لا، لا. إنّها الأعصاب فقط،» أجابت المرأة. «ظننتُ للحظةٍ أنّني رأيتُ واحداً آخر، لكن لا شيء هناك.»
«على الأرجح أكلهم الغُنول.»
«سيدريك!»
«أقول لكِ إنّني رأيتُ واحداً! هناك في المِخزَن تماماً! كاد يقضم رأسي!»
«كلّ ما رأيناه هو تلك المرأة الغنوميّة الشجاعة التي أنقذتنا، فكيف يكون هناك غُنولٌ في الأعلى معها؟»
«لقد قتلت أولئك الغوبلن، فلعلّها قتلته هو الآخر.»
ولم يسمع الزوجان المتجادلان في الداخل شخرة ويكووكِت الخافتة من الضحك المكبوت.
«كنّا سنلاحظ غُنولاً ميّتاً يا سيدريك.»
«لعلّ هو مَن قتلها هي!»
«ولم نجد غنوماً ميّتة كذلك يا سيدريك.»
«إنّهم يأكلون الناس! على الأرجح أكلها!»
«يا سيدريك، لقد كانت ليلةً رهيبة، وأوهامك الجامحة...»
«أعرف ما رأيت! إن لم يكن الغُنول قد أكلوهم، فلماذا ليست غنومتكِ هذه وأصدقاؤها المزعومون هنا الآن يطالبون بمكافأةٍ ما؟ لا يهمّ، أخرجي أنتِ المقالي، وسأجرّ أولئك الغوبلن الموتى خارج المِخزَن وأنزل إلى القَبْو لأجلب اللحم المُقدَّد الفاخر وبراندي الفطور الذي كنّا ندّخره. لن يكون لأيّ من هذا قيمةٌ إن توقّف الزبائن عن المجيء.»
عادت النافذة تسطع حين ابتعدت المرأة. فجذبت ويكووكِت نفسها ثانيةً لنظرةٍ خاطفة، ورأت سيدريك والمرأة يتعانقان عناقاً قصيراً قبل أن ينتقلا إلى غرفة إعداد الطعام المجاورة. فنزلت ويكووكِت إلى الأرض من جديد ورفعت بصرها نحو زاوية المبنى حيث النافذة المحطّمة في الطابق الثاني. لفتت انتباه غرَنتِل، وبشيءٍ من الإشارات والأصوات الحيوانيّة الخافتة نجحت في أن تقترح عليه البقاء مختبئاً حيث هو ليكون رقيباً بينما تتسلّق هي لتلقي نظرة. وأخبرتها همهمته المجيبة أنّه وافق على الأقلّ على ما ظنّ هو أنّها تعنيه.
هذا يكفي، فكّرت ويكووكِت وهي تفكّ خُطّاف التسلّق الصغير و«حبله» المصنوع من غزلٍ ملوّن من داخل كُمّها الأيسر. التصقت بالجدار وهي تتحرّك، متوقّفةً عند كلّ نافذةٍ في الطابق الأرضيّ لتتفقّد الداخل خلسة. رأت المرأة تعيد المائدة إلى وضعها وتلتقط الأشياء التي انسكبت على الأرض. وكان سيدريك يجرّ غوبلن ميّتاً خارج المِخزَن عائداً به نحو الغرفة التي فيها قِدر الحساء. فقهقهت ويكووكِت بهدوءٍ وهي تتساءل إن كان حساء الغوبلن سيكون طيّباً، ورجّحت أنّه لن يكون، لكنّ الفكرة كانت عبثيّةً على نحوٍ مُبهج.
أمّا النافذة الأخيرة في الطابق الأرضيّ فكشفت عن رفوفٍ من القدور والمقالي والصحون. لم يكن في الغرفة أحدٌ في تلك اللحظة، فابتعدت ويكووكِت عن الجدار متجنّبةً أشلاء الغوبلن وشظايا الزجاج، وقذفت خُطّافها إلى النافذة المحطّمة في الطابق الثاني. صعدت بسرعة، ساحبةً الحبل خلفها، حتّى لا يراه أحدٌ إن صادف أن نظر إلى الخارج. تطلّب الأمر شيئاً من البراعة لتجنّب شظايا الزجاج المكسور التي ما زالت في إطار النافذة، لكنّ ويكووكِت ما لبثت بعد لحظاتٍ أن وقفت في غرفة الضيوف المُنتهَكة.
كان باب الغرفة قد أُغلق من جديد وبدا سليماً. وكانت شظايا الزجاج المكسور في إطار النافذة والجدار المحيط بها مرقّطةً ببُقَعٍ كالسُّخام وثقوبٍ صغيرة، ولا تزال في الهواء رائحةٌ خيميائيّةٌ دخانيّةٌ عالقة. أمّا القشّ الذي كان محشوّاً في الحشيّة فبعضه مبعثرٌ على الأرض وبعضه لا يزال متدلّياً من الشقوق فيها. وقد عُبث بوسائد الريش على النحو نفسه، فاختلط زغب الإوزّ بالقشّ على الأرض. وكان السرير نفسه قد سُحب بعيداً عن الجدار، تاركاً قصريّةً مكسورةً على الأرض حيث كان السرير. وانكسرت إحدى قوائم المنضدة الليليّة التي استلقت على جانبها على الأرض. وكانت المدفأة باردة، وفيها كومةٌ من الحطب الطازج لا تزال تنتظر دون أن تحترق.
دسّت ويكووكِت خُطّافها وحبل الغزل في كُمّها ثانيةً، وحرّرت سيفها الرفيع من غمده الخشبيّ على ظهرها. أمسكته متأهّبةً وهي تمضي بصمتٍ لتتنصّت عند الباب. ولمّا لم تسمع ما يثير القلق، رفعت المزلاج بهدوءٍ لتختلس النظر إلى الرواق خارجاً. كانت النيران الخافتة من مدفأةٍ في آخر الرواق تمنح ضوءاً يكفي لرؤية لطخات الدم بوضوح حيث جُرّت أجسادٌ صغيرةٌ نحو الطرف البعيد من الرواق، حيث افترضت ويكووكِت أنّ الدرج هناك. وتردّد من مكانٍ ما في الطابق السفليّ صدى أصوات أثاثٍ يُعاد إلى مكانه. وعلى الجدار المقابل للغرفة التي كانت فيها ويكووكِت، كان في الجدار وفي الباب الثالث على طول الرواق شظايا خشبٍ كبيرةٌ مغروسة، والمزيد من علامات السُّخام.
إن كانت هذه أحدث حيل آل بأصابع النار السحريّة، فأنا مُعجَبة!
أغلقت ويكووكِت الباب ببطءٍ ثانيةً وعادت إلى تفحّص الغرفة المُنتهَكة. وخزت إطار السرير والحشيّة والمنضدة الليليّة والحطب في المدفأة برأس سيفها الرفيع الحادّ، وخاب أملها قليلاً، وإن لم تتفاجأ، حين لم يتبيّن أنّ أيّاً منها وحشٌ متنكّر. ولا كانت البطانيّات كذلك، فقد بسطتها ونفضتها ولم تجد شيئاً مغطّى بها أو عالقاً فيها.
أيّاً كان مَن نزل هنا، فإمّا أنّه كان يسافر بمتاعٍ خفيف، وإمّا أنّه لم يكن يملك إلّا أشياء صغيرةً بما يكفي ليفرّ بها الغوبلن، خمّنت ويكووكِت.
انتزعتها من تحقيقها صرخةٌ في الخارج وصوت بابٍ يُصفَق، فهرعت إلى النافذة.
خفّف القدر المُرضي من العنف الذي استُهلّ به اليوم من حدّة النزعات، وأتاح لغرَنتِل أن يستمتع بحملة الاستطلاع هذه بصبرٍ أكبر. فقد بدا أنّ بقيّة عشيرته يعاملون غير الغوبلن هنا معاملة العشيرة، وكانت رائحة المكان طيّبةً من الطعام والشراب، فهذه بلا ريبٍ غارةُ لَعِبٍ للتسلية والتمرين، لا مذبحةٌ حقيقيّةٌ وشيكة. كانت غارات اللَّعِب ممتعة، لكنّ التركيز فيها كان عسيراً حين تشتدّ النزعات إلى التمزيق والتحطيم والعضّ فتشتّت الذهن.
ربض الغُنول منخفضاً لصق الجدار، بعيداً عن النافذة وبجوار الباب الخلفيّ حيث لن تلمحه فريستهم المُتظاهَر بها بسهولةٍ حتّى يفوت الأوان. انتظر بصبرٍ بمقاييس الغُنول، مُصغياً إلى صوت أحدهم وهو يجرّ شيئاً مراراً إلى الغرفة التي خلف الباب، ثمّ يبتعد، ثمّ يعود ليجرّ شيئاً آخر. وكانت أصوات الاستعداد لصنع الطعام تأتي من الداخل كذلك، إذ كان أحدهم يُعدّ أسلحة صنع الطعام. فبدأ لعاب غرَنتِل يسيل لمجرّد الفكرة.
سمع غرَنتِل أنّة جهد، ثمّ جاءت خطواتٌ ثقيلةٌ إلى الباب. انفتح الباب إلى الداخل، وخرج سيدريك مترنّحاً وعلى كتفه غوبلن ميّت. رماه أبعد ما استطاع عنه على الأرض في الخارج، ثمّ استدار ليعود إلى الداخل من أجل التالي.
فصرخ حين وجد نفسه وجهاً لوجهٍ أمام غُنولٍ يسيل لعابه جوعاً، وقد ثبّت عليه الوهج الكهرمانيّ لعينيه، وأنيابه تلمع في الضوء الآتي من الباب المفتوح. فركض عائداً إلى الداخل ليصفق الباب ويوصده بالمزلاج.
مسكينٌ سيدريك، فكّرت ويكووكِت وهي تقهقه، إذ عرفت صاحب الصرخة. حان وقت الرحيل!
ولم تتأخّر إلّا لحظةً أخرى لتتجنّب شظايا الزجاج المكسور، ثمّ نزلت ويكووكِت من النافذة إلى الأرض وأومأت إلى غرَنتِل أن يتبعها وهي تسرع عائدةً مباشرةً نحو الحظيرة التي انطلقا منها، بدل التوجّه إلى الغابة في الحال، كي لا يراهما أحدٌ ينظر من نوافذ المطبخ.
«ماذا فعلت؟» سألت غرَنتِل وهما يمرقان بمؤخّرة الحظيرة حيث العشب الملطّخ بالدم؛ فقد شوّها تماماً بقايا النقش الذي رسمه الرجل المجنون قبل أن ينسحبا إلى غابة الصنوبر القريبة طلباً للستر.
«نظرتُ إليهم،» أجاب غرَنتِل.
«سيظلّ يهذي عن الغُنول زمناً طويلاً الآن! لعلّ آل وبوته سمعا تلك الصرخة من هناك!» قالت ويكووكِت ضاحكة. «آمل ألّا يغضب آل منّا كثيراً.»
تعثّرت خطوات غرَنتِل، فتوقّفت ويكووكِت هي الأخرى لتنظر خلفها. ولم تتمالك نفسها من الضحك ثانيةً حين أدركت لماذا كان جاثماً ينظر أمامه متأمّلاً.
«لن يفعل بنا شيئاً، لا تقلق!» قالت. كان آل محقّاً، رؤية وحشٍ شيطانيٍّ عملاقٍ يتصرّف كأنّه خائفٌ منه أمرٌ عبثيٌّ حقّاً! «علينا فقط أن نتأكّد أنّه في مزاجٍ طيّب. آه، خطرت لي فكرة! أتعرف ما الذي سيكون مضحكاً حقّاً؟»
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion
Join the discussionانضمّ إلى النقاش
Sign in to comment and upvote.سجّل الدخول للتعليق والتصويت.