Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 115
كان مفترسٌ رهيبٌ يتربّص في الغابة. وبين فكّيه تتدلّى جثّة فريسته متراخيةً. وانسلّ خارجاً من بين الأشجار في هدوءٍ نحو طريدته التالية.
أطلق آل تنهيدةً طويلةً تنهيدةَ مَن طال صبره.
«ظريفٌ جدّاً»، قال، ولم يبدُ عليه أدنى استمتاع.
ضحكت جثّة ويكووكِت المتراخية ورفعت بصرها إلى رأس الغُنول الذي كان يحملها من ياقتها بين أسنانه. «أرأيت؟» قالت، «قلتُ لك إنّه سيكون ظريفاً!»
«كنتُ أتهكّم»، أوضح آل.
«أعرف، وكان ذلك ظريفاً أيضاً!»
«لم تقتلي أحداً وأنتِ غائبة، أليس كذلك؟»
«لا، إلّا إذا توقّف قلبه من الفزع، فهذه ثاني مرّةٍ الليلة يُفاجئ فيها غُنولٌ ذلك المسكين! وأنا شبه متأكّدةٍ من أنّه بخير، فقد كان لا يزال يصرخ بحيويّةٍ لا بأس بها حين غادرنا. والآن، هل على ذلك الميت وشمٌ يغطّي جسده كلّه، يحمل لعنةً رهيبةً تُفسد روحه وأورثته شهوةً مجنونةً لا سبيل إلى كبحها للبيض المقليّ بالزبدة؟»
«...لا. من أين تأتين بهذه الأشياء؟»
نقرت ويكووكِت جانب رأسها. «كلّها هنا! إذن، أيّ وشمٍ عليه فعلاً؟»
«ليس عليه أيّ وشم.»
«حقّاً؟ هل فتّشتَ في كلّ مكان؟»
«نعم»، أصرّ آل وفي صوته مسحةٌ من الاشمئزاز. «لم يكن هناك الكثير ممّا يُعثَر عليه سوى ثيابٍ تالفة، وهي بالمناسبة كريهة الرائحة، وبُقَعٍ كثيرةٍ من الدم، وندوبٍ أكثر بكثيرٍ ممّا كنتُ أتوقّع. وماذا عنكِ؟ هل أفلحتِ في معرفة شيءٍ مفيدٍ وأنتِ منشغلةٌ بإثارة المتاعب، كأن تعرفي إلى أين جُرِرنا، وكم سيستغرقنا الرجوع إلى حيث كنّا نحاول الذهاب؟»
«فعلنا! يبدو أنّنا منعنا أيّ أحدٍ من الموت هنا... حسناً، أيّ أحدٍ آخر»، أجابت ويكووكِت وهي تومئ إلى الميت شبه العاري الملقى على الأرض، «كان القائمون على النُّزُل هنا يُنظّفون ويستعدّون للصباح، فسمعناهم يتحدّثون. أتذكر ذلك المكان الذي أوصى به الحارس حين غادرنا؟ نحن فيه!»
«هذا... مناسبٌ على نحوٍ غير متوقَّع»، قال آل، «وهذا مقلقٌ بما فيه الكفاية، لكنّي كنتُ سأقلق أكثر لو بدا أنّه كان ينتظر ظهورنا نحن بالذات. لقد بدا مصعوقاً لرؤيتنا.»
«قد يظنّ المرء أنّ وجودنا في الزمان والمكان اللذين نخضع فيهما لمفاعيل الاستحضار»، اقترح بوته، «ليس إلّا جزءاً من الخطط الإلهيّة.»
«بالتأكيد، لكن ألا تؤمن بأنّ كلّ شيء جزءٌ من الخطط الإلهيّة؟» ردّ آل.
«لا، ليس كلّ شيء. ثمّة متّسعٌ لخيارات الأرواح الحرّة، ربّما كي لا يكون العالم متوقَّعاً إلى حدٍّ يُضجر الآلهة.»
«أسمعتَ ذلك يا آل؟» أضافت ويكووكِت، وهي لا تزال متدلّيةً من قميصها بين فكَّي غرَنتِل، «أنا عمليّاً تسليةٌ مقدّسة!»
«أشعر أنّنا ربّما نفقد التركيز على المشكلة الأكثر إلحاحاً»، تذمّر آل، «يبدو أنّ هذا الرجل أجرى تعويذة استحضارٍ شيطانيّةً من نوعٍ ما، فظهرنا نحن. حاول أن يجعلنا نُقتَل قتلةً شنيعة، فقتلناه نحن قتلةً شنيعةً بدلاً من ذلك، والآن لدينا رجلُ استحضارٍ شيطانيّ ميتٌ عارٍ، عليه إصاباتٌ جديدةٌ بشعةٌ وندوبٌ قديمةٌ في كلّ مكان، وقضمةٌ كبيرةٌ منتزَعةٌ من عنقه، بينما واحدٌ منّا على الأقلّ يبدو بوضوحٍ شديدٍ من صنف المسوخ الوحشيّة التي تقوم بالعضّ! والآن يظنّ الناس هنا على الأرجح أنّنا عشيرةٌ من الغُنول الغُزاة تتربّص بهم بعدما فرغوا لتوّهم من هجومٍ للغوبلن، وإن خرج أحدٌ إلى هنا يتحرّى فستكون هناك أسئلةٌ محرجةٌ، وربّما مُدينةٌ لنا! إذن، ماذا سنفعل بهذه الجثّة؟»
«نـ... »، بدأ غرَنتِل يقول، فاتحاً فكّيه ليتكلّم، فسقطت ويكووكِت على الأرض. وقُوطِع عند المقطع الأوّل نفسه.
«لن نأكل ما تبقّى منه!» أصرّ آل. نفخ غرَنتِل، لكنّه كفّ.
«حسناً، إنّما أمازحك. لا تقلق يا آل، سنساعدك على إيجاد حلٍّ ما!» وعدت ويكووكِت. ومدّت يدها خلف عنقها تتحسّس ياقة قميصها. «آه، وبالمناسبة، بطريقةٍ ما يبدو أنّ قميصي صار فيه ثقب، هل يمكنك إصلاحه؟ من فضلك؟»
أخذ آل نفَساً عميقاً، وحبسه لحظات، ثمّ زفره ببطء.
«لا بأس، لنسمع أفكاركم»، قال. وتقدّم خطوةً وانحنى ليُعيد قماش ياقة قميص ويكووكِت ملتحماً بالسحر. ونظرت ويكووكِت إلى الرجل الميت الغامض.
«لا وشوم، لكن ندوبٌ كثيرةٌ على يديه وذراعيه، وبعضها على ساقيه وجسده. وفي أصابعه تلك الخواتم الفضّيّة، لكن لا علامات عليها هي أيضاً، مجرّد خدوشٍ قليلة لأنّه لا يُلمّعها. وكان معه ذلك الكيس من النقود فيه مئةٌ وسبعٌ وثمانون قطعةً ذهبيّة، ومئتان وثلاثٌ وخمسون قطعةً فضّيّة، وثماني قطعٍ نحاسيّة، وثلاثة خواتم فضّيّةٍ أخرى، وتلك الورقة التي عليها الرسم السحريّ»، تذكّرت ويكووكِت بصوتٍ مسموع، «آه، وذانك الخنجران اللذان لم يبدُ أنّهما زوجٌ متطابق، وثيابه. هل وجدتَ شيئاً آخر؟»
«لا شيء»، أجاب آل، وهو يشدّ ياقة القميص شدّاً خفيفاً ليتأكّد من أنّها أُصلحت كما ينبغي. «لكنّه بدا أصلب بكثيرٍ ممّا كنتُ أتوقّع من مظهره. لا أظنّ أنّه كانت له فرصةٌ تُذكَر أمامنا جميعاً، لا سيّما حين فاجأه غرَنتِل بالانقلاب عليه، لكنّه قاوم أكثر بكثيرٍ ممّا كان ينبغي أن يقدر عليه. بل الآن وقد تطرّقنا إلى الأمر، فإنّ خنجرَيه غريبان قليلاً أيضاً.»
ذهب آل إلى كومة ثياب الرجل على الأرض بجانب الجثّة، والتقط الخنجرين من حيث كانا موضوعين فوقها. وناولهما لويكووكِت.
«هل يبدوان لكِ غريبين؟» سأل. فتفحّصتهما ويكووكِت عن قرب، تقلّبهما بين يديها.
«المعدن يبدو غريباً. خشنٌ وليس باللون الذي كنتُ أتوقّعه تماماً. هيه، أهذه فضّة؟»
«أظنّ ذلك»، أكّد آل، «لستُ متأكّداً، لكنّها تبدو فضّةً طُليَ بها سطح الخنجرين بعمليّةٍ خيميائيّة. ستكون طبقةً رقيقةً تبلى سريعاً جدّاً. ربّما كان يحمل كلّ تلك الفضّة ناوياً أن يأخذها إلى خيميائيٍّ ليُجدّد الطلاء الفضّيّ في وقتٍ ما؟»
«الفضّة شيءٌ يخصّ المُستذئبين، أليس كذلك؟ أتظنّ أنّه كان صيّاد مستذئبين من نوعٍ ما؟ آه! ربّما يعمل لدى مصّاص دماء، يطارد مستذئباً منافساً انتقاماً منه لأنّه حاول إغواء حبيبته الزومبي!»
«هذا يبدو مستبعداً ومقرفاً نوعاً ما. ثمّ إنّه لو كان صيّاد مستذئبين من نوعٍ ما، فلا يبدو أنّه كان سيعيش طويلاً، ولماذا، وكيف، يستحضر مَن يصطاد المستذئبين غُنولاً؟»
«ربّما هم متنافسون بالفطرة! تعرف، يتقاتلون على مَن يحظى بأكل ألذّ الناس! هل تعرف شيئاً عن المستذئبين يا غرَنتِل؟»
تفكّر الغُنول مليّاً.
«لا يعرفون ما هم»، قال أخيراً.
«هذا... قد يكون صحيحاً»، أقرّ آل، غير متيقّنٍ أكانت الملاحظة عميقةً على نحوٍ غير متوقَّع أم مجرّد سوء فهم. «ومع ذلك، لا يبدو هذا الرجل ممّن يستطيعون قتال مستذئبٍ دون أن يُمزَّقوا إرباً، بل أكثر ممّا هو ممزَّقٌ أصلاً بكلّ هذه الندوب.»
وشارك بوته بملاحظاته هو أيضاً.
«بحسب خبرتي مُعالِجاً، أعتقد أنّ الندوب التي نراها حدثت مراراً على امتداد فترةٍ من الزمن، لا نتيجةَ حادثةٍ واحدة. بعضها يبدو عمره سنةً أو سنتين على الأقلّ. وكثرتها على الذراعين واليدين قد تدلّ على إصاباتٍ دفاعيّة، ما لم تكن له عادةُ إدخال ذراعيه في قفص وحشٍ برّيّ. لستُ خيّاطاً، لكن يبدو لي أنّ التلف في ثياب الرجل حديث، وأحسب أنّها كانت سليمةً في معظمها حتّى وجد نفسه يقاتل الغوبلن الليلة، ثمّ الغُنول بطبيعة الحال.»
«وقد تكون تلك ثيابه الوحيدة أيضاً»، أضافت ويكووكِت، «حين كنّا نستطلع الأمور، دخلتُ الغرفة التي أظنّه كان يستأجرها. سمعنا صاحبَي النُّزُل يتحدّثان، وبدا أنّه نزل على الأرجح باسمٍ مزيّف. ربّما دخل الغوبلن وسرقوا كلّ شيء، لكن لا يبدو أنّه كان لديه شيءٌ هناك: لا ثياب احتياطيّة، ولا أمتعة، ولا صندوقٌ مغطّى بالرموز يحوي عظام قاتلٍ قديم. الأثاث فحسب، وقد نُهب كلّه.»
«ورائحتها تدلّ على أنّها ثيابه الوحيدة أيضاً»، تذمّر آل. «أمرٌ غريبٌ نوعاً ما لمن يحمل كلّ هذا المال. وحذاؤه بدا جديداً إلى حدٍّ ما، ومتقَن الصنع.»
«ألم تجد شيئاً آخر مخبّأً في ثيابه فاتني؟ لا بدّ أن يكون هناك شيءٌ آخر إن كان قد جلبنا إلى هنا بالسحر، صحيح؟ كان سيحتاج إلى كتابٍ ضخمٍ من أشياء السحر الغريبة لو كان ساحراً من نوعٍ ما، أليس كذلك؟»
«لو كان دارساً لفنّ السِّحر لتوقّعتُ ذلك، نعم.»
«هل أنت متأكّد أنّك فتّشتَ في كلّ مكان؟ سمعتُ أنّ المجرمين الذين يخشون القبض عليهم يخبّئون الأشياء أحياناً بحشرها في...»
«لن أفتّش إلى هذا الحدّ»، قال آل بحزم، «لكن إن أردتِ أنتِ ذلك فلن أمنعك. وإن كنتُ أشكّ في أنّه يخبّئ ملاحظات أبحاثه في فنّ السِّحر داخل جسده. لو كان ساحراً حقيقيّاً، فإنّ مقدار الدراسة والممارسة اللذين يحتاجهما ليقدر على استحضار الناس قسراً عبر مسافاتٍ طويلة كبيرٌ جدّاً، وملاحظات أبحاثه ستكون... حسناً، لن تتّسع. أفترض أنّه ربّما اضطُرّ إلى الفرار من مكانٍ ما على عجلةٍ لم تُمهله ليجمع كتاب تعاويذ قبل رحيله، لكن لو كان الأمر كذلك فلماذا يحمل كلّ هذا المال؟ لو كان لديه وقتٌ ليلتقط كومةً من المال، لظننتَ أنّ الساحر سيُبقي أهمّ أبحاثه جاهزةً ليلتقطها بالسرعة نفسها. أعرف أنّني أنا سأفعل. كلّ ما كان معه ذلك الرسم، وقد بدا شيئاً خُطّ على عجل، لا تشكيلاً سحريّاً لائقاً.»
«فكيف إذن جلبنا إلى هنا بالسحر؟»
«حسناً، لو كان ساحراً فعلاً، فمن الممكن أنّ تعويذة الاستحضار شيءٌ كان قد تمرّن عليه قبل أن يضطرّ إلى الرحيل. فما إن تمرّ بالتأمّلات التي تجعل ذهنك يتمسّك بمفاهيم عملٍ سحريٍّ بعينه، حتّى تميل إلى البقاء فيه مدّةً ما دمتَ لا تحاول التمرّن على شيءٍ مختلفٍ جدّاً. وأفترض أنّه من الممكن أيضاً أن يكون من أولئك الناس الذين لديهم موهبةٌ فطريّةٌ ما في السحر، لكن هذا يبدو أمراً محدّداً على نحوٍ غريبٍ ليكون للمرء فيه موهبةٌ سحريّةٌ فطريّة.»
تململ آل في انزعاجٍ وهو يواصل.
«وثمّة احتمالٌ أيضاً أن يكون أحدٌ ما أو شيءٌ ما قد منحه هذا السحر.»
«آه! الآن بدأنا نصل إلى شيء! عَبَدة الشياطين الذين يقتلهم ما استحضروه أمرٌ كلاسيكيّ!»
«إن كان هذا ما يجري هنا، وقد صرنا نحن الآن متورّطين فيه بسبب سحر الاستحضار هذا، فلستُ مرتاحاً إطلاقاً لفكرة أنّنا قد نكون موضع اهتمامٍ مباشرٍ من شيطان. لا سيّما شيطانٍ قويٍّ بما يكفي ليكون لديه سحرٌ يهبه، وقد يكون مسؤولاً مباشرةً عن الغُنول، وقد يكون مهتمّاً بنا نحن خاصّةً بسبب ذلك.»
«أوه، قد نلتقي جدّة غرَنتِل! كلّ الأجداد يحبّون أحفادهم، ربّما نحظى بالحليب والكعك لأنّنا نعتني به جيّداً! أو بالدماء والأرواح، أو أيّاً كان ما يعطيه الأجداد الشياطين لأحفادهم.»
تلفّت غرَنتِل حوله في قلقٍ عند سماع الزمجرة الأنينيّة المخنوقة من الإحباط التي أطلقها آل.
«أرجوكِ لا تمزحي حتّى بشأن ذلك»، توسّل آل، «لدينا ما يكفي من الأمور المرهقة العاجلة التي علينا التعامل معها أصلاً. الشياطين لا تفعل أشياء لطيفة في الحقيقة. لا أظنّ أنّ شيطان العنف الوحشيّ سيربّت على رؤوسنا ويشكرنا، مهما أحسنّا معاملة غُنولنا.»
فكّر آل في هذا لحظة.
«صحيح؟» سأل أخيراً، مُلتفتاً إلى غرَنتِل.
«لا أعرف. لم ألتقِها قطّ»، أجاب الغُنول.
«حسناً، صحيح، أظنّ أنّنا نبتعد عن المشكلة الأكثر إلحاحاً مرّةً أخرى»، قال آل، مشيراً بكلتا يديه بانفعالٍ نحو عابد الشياطين المُحتمَل الميت. «أظنّ أنّ علينا التحرّك قبل أن يجدنا أحد، فماذا سنفعل بالجثّة؟»
وحدج غرَنتِل بنظرةٍ ليثنيه عن أيّ اقتراحٍ محتمَلٍ بأكل لحوم البشر.
«كم يلزمك من الوقت لتتعلّم كيف تحوّله إلى زومبي فنأخذه معنا ميّتنا الأليف؟» سألت ويكووكِت.
«لن أفعل ذلك حتّى لو استطعت. سِحر إحياء الموتى لا بدّ أنّه خطيرٌ على الأقلّ بقدر سحر الشياطين على أيّ حال. يمكننا أن نتركه هنا فحسب، لكن حينئذٍ سيجده بسهولةٍ أيّ أحدٍ يأتي باحثاً. ويمكننا أن نقضي بعض الوقت في محاولة حفر قبرٍ له، لكن ذلك سيستغرق منّا على الأرجح وقتاً أطول ممّا ينبغي، لا سيّما إن كانت الأرض لا تزال نصف متجمّدة.»
«يمكنك أن تحرقه حتّى يصير رماداً بالنار السحريّة!» اقترحت ويكووكِت.
«تقصدين أن نُظهر بوضوحٍ أنّنا نحاول إتلاف الأدلّة بترك عظامٍ متفحّمةٍ عليها آثار عضّ؟»
ضحكت ويكووكِت. «أظنّك تقلق أكثر ممّا تحتاج يا آل!»
«لعلّ اقتراح ويكووكِت هو الأفضل»، عرض بوته، فارتاع آل.
«مستحيلٌ أن أستطيع اكتشاف سحر تحريك الجثث فوراً حتّى لو كنتُ راغباً، وإنّي مندهشٌ جدّاً أن أسمع هذا الاقتراح من رجلٍ مقدّس.»
«لا، لا، ليس ذلك الجزء، إنّما أعني فحسب الجزء من اقتراحها القائل بأن نأخذه معنا. إن كنتَ قلقاً من إثارة الشبهات، فلعلّ الأفضل أن نسلّمه إلى السلطات مع تفسيرٍ صادق. أو، على الأقلّ، بقدر ما ترتاح إلى قوله من الحقيقة. لقد كان قتلنا إيّاه دفاعاً مشروعاً عن أنفسنا في وجه شخصٍ عنيفٍ مريب. ونظراً إلى تخميناتنا بشأن طبيعته وأصوله، فليس من المستحيل أن يكون مطلوباً لدى أعوان القانون.»
«هذا يعني أنّه قد تكون هناك مكافأة!» أضافت ويكووكِت بجشعٍ مبتهج.
«آه، مرحباً يا حرّاس مدينة السور الجنوبي! نودّ أن نُدخل وحشاً شيطانيّاً سفّاحاً إلى المدينة إن لم يكن لديكم مانع. ثمّ إنّنا صنعنا هذا الميت المتعفّن، فهل ستعطوننا مالاً مقابله؟» قال آل متهكّماً. لم يكن يتوقّع أن تجد ويكووكِت ذلك مضحكاً إلى هذا الحدّ، فنظر في قلقٍ عبر الغابة في اتّجاه النُّزُل، يكاد يتوقّع أن يسمع أصوات أهل المكان حاملي المشاعل والمذاري قادمين ليتحرّوا عن الضحك. وبعد لحظات، صار المرح مُعدياً فلان، وراح يضحك معها.
«أظنّ أنّ ذلك كان ظريفاً قليلاً»، أقرّ.
«لا تبخس نفسك حقّها، إنّك تتحسّن في هذا!» ضحكت ويكووكِت.
«ليس عن قصد، وأكره نوعاً ما أنّ هذه تبدو حتّى الآن الفكرة الأكثر عمليّة. ومع ذلك لا تروقني فكرة حمل ميتٍ متعفّنٍ معنا طوال اليوم»، قال آل. ثمّ تنهّد وفرك جبينه. «أظنّ أنّ علينا المضيّ وتحميله على العربة، يبدو أنّنا لن نتوصّل إلى فكرةٍ أفضل هنا. وأفترض أنّ بوسعنا دائماً أن نجد مكاناً آخر نتخلّص فيه منه في الطريق إن غيّرنا رأينا.»
«إن وافقتَ إذن، فسأستدعي سُلطة الألوهيّة وأؤدّي الطقوس اللائقة على المتوفّى. فنُعفى حينئذٍ من التعفّن على الأقلّ، ولعلّ عنايتنا بمعاملة الموتى تنعكس علينا حسناً حين نقدّمه إلى الحرّاس.»
«همم، لم يخطر ذلك لي»، أقرّ آل. «إنّها فكرةٌ جيّدة، تفضّل.»
وبينما كان بوته يرتّب الرجل الميت في وضعيّةٍ أكثر تقليديّةً لجثّةٍ مُهيّأة، يُلبسها ثيابها من جديد ويقلبها على ظهرها والساقان ممدودتان والذراعان متقاطعتان فوق الصدر، فكّر آل فيما إذا كان عليه أن يحاول تنظيف ثياب الرجل المشبعة بالدم والفائحة برائحة العرق بالسحر أوّلاً. وقرّر على مضضٍ ألّا يفعل، حرصاً على ألّا يبدو كأنّه يحاول إتلاف الأدلّة. وبدت صلاة بوته الطقسيّة على الجثّة طلباً رسميّاً مُسهَباً بأن يكون للجثّة دورٌ مستمرٌّ تؤدّيه في الخُطَط الإلهيّة التي لا تُوصَف. وعمل آل وويكووكِت على إفساح مكانٍ في العربة بينما الصلاة مستمرّة.
«الألوهيّة توافق على أنّه لا يزال ذا نفع»، أعلن بوته حين انتهت الصلاة. وبدت جثّة الرجل المخبول العنيف، وربّما عابد الشياطين، هادئةً مطمئنّةً على نحوٍ لا يتّسق مع حاله بعد التهيئة الطقسيّة. كانت شاحبةً باردةً متيبّسةً بالفعل، ممّا سهّل على آل قليلاً ترتيبها على العربة بمساعدة غرَنتِل. ولم يعد الدم يقطر من جراح الجثّة كذلك. بل حتّى الثياب لم تعد تبدو بذلك القدر من النتانة.
«و... لن يتعفّن إذن؟» سأل آل.
«إن شاءت الألوهيّة، فستمضي أيّامٌ كثيرةٌ قبل أن يصير ذلك مدعاةً للقلق من جديد»، طمأنه بوته.
فكّ آل لفافة الفِراش خاصّته وغطّى بها الجثّة.
«يمكننا على الأقلّ أن نتجنّب عرض رجلٍ ميتٍ ونحن نسافر»، أوضح. ورفع بصره، فتبيّن الأثر الخافت للفجر المقترب عبر الأشجار. «الشمال في ذلك الاتّجاه، وأظنّ أنّ الطريق ينبغي أن يكون هناك. لنخرج من هنا قبل أن يكون هناك ضوءٌ كافٍ ليلاحظنا الناس فيطرحوا الأسئلة أو يوجّهوا الاتّهامات.»
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion
Join the discussionانضمّ إلى النقاش
Sign in to comment and upvote.سجّل الدخول للتعليق والتصويت.