Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 24
أُحضِر وعاءان من المطبخ هذه المرّة. وبينما غاص وجهُ غرَنتِل في أحدهما، غرَف الآخرون ما في الوعاء الثاني إلى صحونهم وشرعوا في الأكل. وفيما هم يتزوّدون بالطعام، حملوا القرويّين المجتمعين على شرح الموقف بتفصيلٍ أوفى.
كان أوّلُ اختفاءٍ قبل شهرٍ تقريباً. فقد خرج أحدُ القرويّين للصيد ولم يعُد قطّ. وعثرت جماعةٌ خرجت للبحث عنه في اليوم التالي على قوسٍ مكسورةٍ وسهامٍ متناثرةٍ حول رقعةٍ من الأدغال ملطّخةٍ بالدماء ممزّقة. وحسبوا يومَها أن المسكين ربّما اعترض خطأً بين شِبل دبٍّ وأمّه. فعقد سائرُ الصيّادين العزمَ على مزيدٍ من الحذر، لكن بعد أيامٍ قلائل وقع اختفاءٌ آخر. ومنذئذٍ لم يخرج الصيّادون وحداناً قطّ.
لم يوقف ذلك الاختفاءات، لكن نجا أحدُهم. وصف كيف بُوغِت رفيقُه في الصيد في لحظةٍ صادف فيها الناجي أنه ينظر إلى الجهة الأخرى. ولم يكن ما التقطه من لمحاتٍ خاطفةٍ والمهاجمُ يفرّ سوى وحشٍ ضخم، أكبرَ من دبٍّ، سريعٍ قويّ، ذي فروٍ رماديٍّ داكنٍ أجرب. سبقه الوحشُ في العَدْو حين حاول اللحاقَ به وهو يجرّ ضحيّته بعيداً. وانتهى الصيّادُ آخرَ الأمر إلى العثور على بقايا رفيقه المفقود، وقد مُزّقت أطرافُه وجسدُه كأنّما نهشه وحشٌ ضارٍ جائع. كان قفصُ الصدر في الجثّة قد مُزّق، وانتشرت الأحشاءُ على الأرض. وكان القلبُ مفقوداً. توقّف الصيدُ حيناً بعد هذا، لأسبابٍ بيّنة. فمنح ذلك القريةَ أكثرَ من أسبوعٍ دون اختفاءاتٍ أخرى، إلى أن هاجم الوحشُ هوراس.
«حين اكتشفنا أن الوحش لا يحبّ الظلام، قرّرت واحدةٌ من أعند صيّادينا أن تجرّب حظّها في الصيد بعد الغسَق. خرجت وعادت سالمةً في الليالي الثلاث الماضية. من البيّن أن الصيد في الظلام عسيرٌ بعضَ الشيء، لكنها تدبّرت أمرها فنصبت بعض الفِخاخ وأحضرت بعض الأرانب البارحة،» قالت روز، وعلى وجهها القلق. «أرجو أن تكون بخير. كانت تعود أبكرَ في المرّات الأخيرة. لم أرَها بعدُ الليلة.»
«إن كان الوحشُ لا يحبّ أن يكون في العراء في الظلام، فلا بدّ أنه يختبئ في مكانٍ ما،» تأمّل آل. «أين عساه يذهب حيث لا يسود الظلامُ ليلاً؟»
وتبيّن أن هذا لغزٌ حقيقيّ. فقد صارت القريةُ شديدةَ التيقّظ في إطفاء أيّ أضواءٍ غير مستعمَلة وإبعاد الأنوار عن الغابة، فلم يكن ينبغي أن يوجد في القرية نفسها موضعٌ يمكن أن يختبئ فيه. وكان أقربُ التجمّعات السكّانيّة إليها البلّوطَ الفضّيَّ على مسيرة يومٍ شمالاً، وبذرةَ اللفت على مثل تلك المسافة تقريباً جنوباً. وبدا الوحشُ سريعاً جداً، لكن بدا من المستبعَد أن يقضي جزءاً كبيراً من ساعات النهار راكضاً بلا انقطاعٍ من أيٍّ من ذينك المكانين إلى مأوى الدجاج ليصطاد القرويّين، ثم يركض عائداً قبل حلول الظلام. ثم إنه لو كان مختبئاً في البلّوط الفضّيّ لَلاحظ أحدٌ حتماً اختفاءَ الناس. أما بذرةُ اللفت، فقبل نحو أسبوعين أخضع أحدُ أهل مأوى الدجاج نفسَه لـ«إتاوة» قُطّاع الطُّرُق ليبلغ البلّوطَ الفضّيَّ طلباً للعون، فصادف هناك في اليوم نفسه شخصاً من بذرة اللفت جاء يرفع بدوره نداءً للنجدة في أمرٍ آخر. ولم يتبادلا كثيرَ حديث، إذ يبدو أن أهل بذرة اللفت غيرُ محبوبين لأسبابٍ غامضة، لكن بدا أن بذرة اللفت لم تكن هي الأخرى فريسةَ وحشٍ يلتهمها.
«هل من مكانٍ في الغابة نفسها قد يكون فيه أحد؟» تكهّن آل بصوتٍ مسموع.
«أوه! كناسكٍ عجوزٍ مجنونٍ يُخالط قوى ما وراء الطبيعة من كوخٍ مخبوءٍ في أعماق الغابة!» عرضت ويكووكِت.
«كنت أفكّر في شيءٍ أقربَ إلى مخيّم حطّابين، أو مخيّم صيد. همم... أو مخيّم قُطّاع طُرُق؟ والآن إذ أفكّر في الأمر، ألم يبدُوا، لا أدري، لا مبالين إلى حدٍّ غريبٍ بوجود غرَنتِل هناك؟ أتظنّون أنهم تعاملوا مع وحشٍ من نوعٍ ما من قبل؟»
تأمّل بوته، مستعرضاً ذكرياته عن اللقاء. وأخيراً هزّ رأسه.
«لا أظنّ ذلك،» قال أخيراً. «بدا لي أن في عيونهم جميعاً لمحةَ خوف، لكن لم يكن أحدٌ ليعترف بها لأن ذلك يُظهره ضعيفاً أمام الآخرين. وقد ركّز جُلُّهم انتباهَهم على غرَنتِل بوصفه الخطرَ الأكبر. وأحسب أن زعيمهم كان أشدَّ حرصاً على أن يبدو مسيطراً على أخطر الحاضرين بأسرعِ ما يمكن. كانت مخادعةً، لا موقفاً مألوفاً.»
«أظنّ ذلك،» قال آل متشكّكاً. «ومع ذلك، يبدو أن هذا هو الخيطُ الوحيد الذي توصّلنا إليه حتى الآن.»
تنهّد. «لا أريد حقّاً أن أعود إلى هناك الليلة.»
صدر صليلٌ حين سقطت ملعقةُ غرَنتِل ووقف منتصباً بكامل قامته، يرقب الباب المؤدّي إلى الخارج. دارت أذناه وشمّ الهواء.
مدّ آل يده إلى صولجانه.
«الوحش؟ أنحن في خطر؟» سأل.
«لا،» أجاب غرَنتِل، وهو يعود إلى القُرفصاء بهدوءٍ ويمدّ يده إلى الوعاء الذي غرَف منه الآخرون بيضهم. «يبدو أحدٌ مصابٌ بشدّة. أشمّ دماً كثيراً. يموت قريباً غالباً.»
وشرع يلعق الوعاء لاهياً.
وما إن توجّه بوته نحو الباب، يتبعه سريعاً آل وويكووكِت، حتى سُمع صوتُ ارتطامٍ خافتٍ من الخارج، أعقبه صوتُ جرّ. وبينما مدّ بوته يده إلى المِقبض ليفتح الباب، صفَق شيءٌ صفقةً واهنةً على الجهة الخارجيّة. ونادى صوتٌ مجهَدٌ بهدوء.
«...وجدتُه... النجدة... النجدة...»
«غيرترود!؟!» صاحت روز، تقفز فوق المِنضدة بينما فتح بوته الباب.
كانت غيرترود ممدّدةً أمام الباب على بطنها. وكان من العجب أن الصيّادةَ لا تزال تتنفّس، فضلاً عن أنها لا تزال تحاول عمياءَ أن تصفع الباب المفتوح الآن بيدها اليمنى. أما ذراعها اليسرى فكانت مسطّحةً إلى جنبها الأيسر. وبدت شظايا من ترقوةٍ مكسورةٍ ناتئةً من موضعٍ اقتُلعت منه كتلةٌ من اللحم والعضل بحجم القبضة. وامتدّت آثارُ مخالبَ طويلةٌ على الجانب الأيسر من ظهرها. ورشح منها دمٌ طازج، يتخثّر ببطءٍ عند كلّ جرح. مالت رأسُها إلى اليمين، وعيناها مفتوحتان لكنهما لا تُبصران بحدقتين ضيّقتين كرأس الدبّوس. وإذ صارت غيرَ واعيةٍ بما حولها، ظلّت تحاول الكلام بين أنفاسٍ سطحيّةٍ متسارعة.
«الحِصن القديم... وجدتُه... النجدة...»
غيرَ عابئٍ بالحشد المتجمّع، ركع بوته. ووضع براحته اليمنى برفقٍ على بشرة صُدغ غيرترود النَّديّة.
«كوني في سلام،» قال بوته بابتسامةٍ هادئة. «لقد وصلنا في اللحظة التي تدعو الحاجةُ إلينا فيها تماماً.»
تمتم بدعاءٍ خافت، فانتشر من يده وهجٌ دافئٌ غمر جسدَ غيرترود كلَّه. وللحظةٍ عمِي الحشدُ المُحدِّق. وشهقت غيرترود.
وفي غمضة عين، كفّت الجراحُ عن النزيف. وحلّت رقعةٌ من لحمٍ جديدٍ شاحبٍ محلَّ الكتف المدمَّرة. واستقرّ تنفّسُ غيرترود. وعادت عيناها إلى حالهما الطبيعيّة، وبجهدٍ قلبت نفسها على ظهرها، غيرَ عابئةٍ بصوت الخَضْخَضة الصادر عن الأرض المشبَعة بالدماء.
«ماذا حدث؟ من أنتم؟»
واضطُرّ الجميعُ إلى انتظار هدوء الهُتاف قبل أن يتمكّن بوته من الإجابة.
«يبدو أن الخُطَطَ التي لا تُوصَف تريدُ لكِ الحياة،» أوضح بوته، وما زال يبتسم برفق. «يمكنكِ أن تدعيني بوته. جئتُ ورفاقي للمساعدة. هذا آل، وهذه ويكووكِت، و... حسناً، ثمّة واحدٌ آخر، لكنّي أظنّ أن الأفضل أن تستريحي وتخبرينا بما كنتِ تحاولين قوله قبل أن تلقَيه.»
اعتدلت غيرترود جالسة. «الحِصن القديم! إنه يختبئ في الحِصن القديم على التلّة، جنوبَ القرية!»
«أيُّ حِصنٍ قديم؟» سألت روز.
«تعرفون، ذاك الذي كان لورداً؟... باروناً*؟... آه... لا أذكر اسمه. جابي الضرائب! حِصنُه!»
«أوه؟» سألت روز. وتردّدت غمغمةٌ حائرةٌ بين سائر القرويّين، أعقبتها أصواتُ تذكّرٍ قليلة. «أوه!» قالت روز، واتّسعت عيناها. «لقد نسيتُ تماماً أنه هناك.»
«وأنا كذلك،» قالت غيرترود. «لكنّي ذهبتُ الليلةَ لأتفقّد أشراكي فوجدتُ أن أحداً أخذ كلَّ ما اصطدتُه. فشققتُ طريقي عبر الأدغال بفأسي اليدويّة متتبّعةً أثرَ الأرض المُقلَقة والأغصان المكسورة التي خلّفها الفاعل. وقادني الأثرُ إلى الحِصن مباشرةً. كانت في الداخل أضواء، ولم يُجب أحدٌ حين طرقتُ الباب بعنف، لكنه انفتح فورَ أن دفعتُه. وكان الوحشُ في انتظاري على الجهة الأخرى. أمسك بي وتصارعنا، ولا أذكر تماماً ما جرى. أعلم أنه عضّني وأنّي تمكّنتُ من ضربه بضعَ مرّاتٍ في جنبه بفأسي. وبطريقةٍ ما أفلتُّ وركضتُ نحو الغابة. حسبتُ أنه سيلحق بي، لكنه لم يفعل.»
نظرت بتوتّرٍ جنوباً على امتداد الطريق. لم يتحرّك شيءٌ في ضوء القمر الخافت.
«أيُّ نوعٍ من الأضواء؟» سأل آل فجأة.
قطّبت غيرترود. «ماذا؟»
«في الحِصن، قلتِ إن في الداخل ضوءاً. ممّ كان يصدر ذلك الضوء؟ أكانت هناك مصابيحُ أم مشاعلُ أم شموع؟»
رمقته غيرترود بنظرةٍ ملؤها الحَيرةُ والضِّيق. «كان انتباهي منصبّاً على أمرٍ أكثرَ إلحاحاً. وما أهمّيّة ذلك؟»
«أظنّ أن ما يسأل عنه آل حقّاً،» أوضح بوته، «هو ما إن كان في الحِصن أحدٌ آخر مع الوحش.»
«تماماً! مهما بلغ الوحشُ من الدهاء، لا أظنّه يجول مستبدلاً المشاعلَ ومُشعلاً الشموعَ بنفسه. حتى كثيرٌ من التعاويذ يحتاج إلى تجديدٍ منتظم. فإن كان هناك أحد، فقد لا يكون الوحشُ هو ما ينبغي أن نقلق منه أشدَّ القلق.»
بدا أن هذا أيقظ ذكرى لدى غيرترود. «أنا... أظنّني رأيتُ أحداً بالفعل، لحظةً واحدة. مدّ الوحشُ يده من الباب المنفتح وأمسك بي ليجرّني إلى الداخل. كان ثمّة بابٌ مفتوحٌ في الجهة الأخرى من الرَّدهة حيث تصارعنا. وخُيّل إليّ أنّي رأيتُ أحداً يمرّ مسرعاً في الرِّواق حاملاً شمعداناً. وأذكر أنّي غضبتُ لأن ذلك الشخصَ، أيّاً كان، لم يبدُ أنه يأبه لما يجري أصلاً.»
فكّرت لحظةً أخرى. «أظنّ أنه كانت هناك مشاعل. في حواملَ إلى جانب الباب المؤدّي إلى الرِّواق. وكان لهبُها أحمر.»
تثاءب آل. «عذراً. لم يكن يومنا بهذا السوء الذي كان عليه يومُكِ، لكنه كان يوماً شاقّاً على أيّ حال. سيكون جميلاً لو استطعنا مواجهةَ الوحش قبل شروق الشمس، لكنّنا لسنا في حالٍ تسمح بذلك. سنحتاج إلى قسطٍ من الراحة وبعض الوقت للاستعداد قبل أن ننطلق إلى هذا الحِصن.»
«حسناً،» قالت روز، «هكذا يصير عددُ الخدمات القيّمة التي أسديتموها إلينا اثنتين حتى قبل أن تواجهوا ما هناك في الأعلى. فما دام القِنّ الأكبر قائماً، لن تُضطرّوا بعد اليوم إلى دفع ثمن طعامٍ أو شرابٍ أو مكانٍ للنوم هنا.»
«اثنتان؟» سألت غيرترود.
«لقد تخلّصوا من قُطّاع الطُّرُق في طريقهم إلى هنا!»
«بمفردهم؟ هؤلاء الثلاثة فقط؟»
«أربعة!» أعلنت ويكووكِت بفخر. «قولي، أتحبّين أن تقابلي وحشَنا؟»
* البارون: رتبةُ نبالةٍ دنيا، صاحبُ إقطاعٍ وسيّدُ حِصن.
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion