Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 25
قضَوا ما تبقّى من الليل في راحةٍ محتمَلة، نائمين في غرفة الإيجار المشتركة في القِنّ الأكبر. وكما اتّفقوا مع سائر القرويّين الذين كانوا لا يزالون حاضرين قبل أن يأووا إلى فُرُشهم، أيقظتهم روز عند شروق الشمس بطَرقةٍ على الباب. ملؤوا بطونهم على عجلٍ بالبيض المخفوق الذي بدا بلا نهايةٍ مما قُدّم لهم، ثم خرجوا ليجتمعوا بأهل القرية كافّةً عند بئر القرية. كان القرويّون والرفقة سيبقون معاً في تجمّعٍ دفاعيٍّ طوال ساعات النهار، حتى إذا جاء الوحشُ لم يقدر على أن يعزل أحدَهم ليجعله ضحيّةً له.
«هل أنت واثقٌ أنك لا تستطيع أن تُطلق ناراً سحريّةً من أصابعك عليه أو ما شابه؟» كانت ويكووكِت قد سألت.
«لا، لا أستطيع.» تنهّد آل. لكنه بعدها فكّر. «حسناً، ربما أستطيع. أمهِليني بضع ساعات.»
أحضر أقواسَ النّشّاب التي كانت لقُطّاع الطرق ونِشابَ القوس التي استعادوها، ووجد كومةَ حطبٍ مناسبةً ليتّخذها هدفاً للتدرّب. نبش فوجد قليلاً من الخيط واستخدمه ليربط قطعاً خشبيّةً مُقدَّرةَ الحجم بعنايةٍ في أطراف السهام. وبعد أن سبَّ القوسَ النّشّاب الأولَ لأنه تفكّك حين شدّه، والتقط آخرَ، شرع في التدرّب.
احتاج بضعَ رمياتٍ ليعتاد الثقلَ الزائد في أطراف السهام، لكنّ آل كان قد تدرّب على القوس النّشّاب حتى قبل أن يلتحق بالجيش، ثم نال مزيداً من التمرّس بعد ذلك. أصابت أكثرُ رمياته ما كان يصوّب نحوه. شجّعه بعضُ القرويّين المجتمعين، وطلب واحدٌ أو اثنان أن يجرّبا الأمر. وبعد ساعةٍ أو نحوها، كانت الأقواسُ النّشّابةُ الثلاثةُ الأخرى الصالحةُ للعمل التي صادروها من قُطّاع الطرق كلُّها في أيدي قرويّين قد أضجرهم الفراغ. وأبلى ذوو الخبرة بالصيد بلاءً لا بأس به، بالنسبة لأناسٍ لم يستخدموا واحداً من قبلُ قطّ.
«حسناً، أنا لستُ رسميّاً خبيرةً في السحر من أيّ نوع، لكنّ هذا يبدو لي عكسَ إطلاق النار السحريّة من أصابعك.» تأمّلت ويكووكِت باهتمامٍ فلسفيٍّ مصطنَع.
«ليس بعدُ،» ردّ آل، «لكن لاحقاً حين أستبدل بقطعة الخشب إحدى الحاويات الزجاجيّة المملوءة بزيتٍ مُفرَط الفلوجستون، سأكون كذلك.»
«لكنّ هذا غِشٌّ! هذا ليس سحراً!»
«بل هو سحرٌ!» قال آل. «انظري إليه هكذا: لو لوّحتُ بيديّ بطريقةٍ خاصّةٍ ونطقتُ كلماتٍ سحريّةً فاشتعل هدفي، لَسمّيتِ ذلك سحراً، أليس كذلك؟»
«بالطبع!»
«وماذا لو كنتُ بارعاً بما يكفي حتى إني لا أحتاج إلى نطق الكلمات السحريّة أصلاً؟»
«لكان ذلك أشدَّ سِحريّةً!»
«تماماً! لكن، ماذا لو احتجتُ إلى استخدام عصاً سحريّةٍ بدل أصابعي، أيبقى ذلك سحراً؟»
«نعم، بالطبع...» أجابت ويكووكِت، متسائلةً إلى أين يتّجه هذا الخطُّ من النقاش.
«أيهمُّ ما يكون شكلُ العصا السحرية؟»
«لا؟»
«إذن، ها هي عصاي السحرية،» قال آل رافعاً القوسَ النّشّاب مُقدِّراً ثِقلَه، «وها هي إيماءتي السحريّة.»
شدّ القوسَ النّشّاب من جديد، ووضع سهماً في موضعه، وصوّب، وضغط الزنادَ بينما اعترضت ويكووكِت.
«لكن... أيُّ أحدٍ يستطيع فعل ذلك، هذا ليس سحراً!»
«أقول لكِ إنه سحرٌ!» جادل آل، «إنه نوعٌ بسيطٌ جداً من السحر يسهُل فهمُه جداً، لكنه مع ذلك في جوهره كالسحر الأصعب سواءً بسواء، كقذف البرق أو مَسخِ أحدهم إلى سنجابٍ رهيب. كلُّ الأمر مسألةُ معرفةٍ بالكيفيّة التي تريد أن يتغيّر بها الواقع، ومعرفةٍ بكيف وأين تُوجّه إرادتك لتجعل ذلك يريد أن يحدث. في هذه الحالة، حين أستخدم قوساً نشّاباً، أريد للواقع أن يتغيّر بالقدر الكافي فقط ليتحوّل هدفي إلى هدفٍ مثقوب، وكلُّ ما أحتاجه هو أن أفهم كيف يعمل الواقعُ وكيف تعمل أداتي السحريّة حتى يتحقّق ذلك. وتغييرُه تغييراً طفيفاً لأجعل حاويةً زجاجيّةً من النار الخيميائية تنكسر على الهدف لا يتطلّب إلا قليلاً من الضبط. وذلك هو الدرسُ الذي يُفترض بطلّاب فنّ السِّحر المبتدئين أن يستوعبوه حين جعلونا نتدرّب على القوس النّشّاب ساعاتٍ لا تنتهي قبل أن يسمحوا لنا بالعمل بما تسمّينه أنتِ سحراً حقيقيّاً.»
«لو كان ذلك صحيحاً، لاستطاع أيُّ أحدٍ أن يمارس السحر!»
«بل أقول إن كلَّ أحدٍ يمارس السحرَ بالفعل، في كلّ حين،» لاحظ بوته، الذي كان يراقب ويصغي.
«أقصد السحرَ الحقيقيّ.» تذمّرت ويكووكِت. «إن كان هذا كلَّ ما في الأمر، فلماذا لا يمارس الجميعُ السحرَ الحقيقيّ؟»
«في الغالب لأنك ما إن تبلغ ذلك النوعَ من السحر حتى تصير تفاصيلُ أجزاء الواقع التي تحتاج إلى فهمها والتحكّم فيها، وتعقيداتُها ودقائقُها، شديدةَ الاختلاف عن تجربة أكثر الناس اليوميّة. يتطلّب ذلك كثيراً من الدرس والتمرّن، والعقلَ من النوع المناسب، لبلوغ تلك المرحلة. وأكثرُ الناس ممن هم أذكياءُ بقدرٍ معقولٍ يستطيعون فعلَه رغم ذلك، لكنه قد يستغرق منهم وقتاً طويلاً في دراسةٍ متفرّغةٍ ربما كان صرفُها في تعلّم مهاراتٍ أكثرَ اعتياديّةً أجدى.»
«كم يبلغ الوقتُ الطويل؟» سألت ويكووكِت.
«حسناً، لديّ أنا شخصيّاً بعضُ المزايا. ففي نَسَبي كثيرٌ من الموهوبين سحريّاً، فإن كان ثمّة شيءٌ اسمُه موهبةٌ فطريّةٌ للسحر فالأرجح أني أملكها. ووالِداي كلاهما مُمارسان للسحر، فقد تعرّضتُ لعادات العمل السحريّ طوال حياتي، وأُتيح لي مُنطلَقٌ جيّدٌ لتعليمي في فنّ السِّحر ووفرةٌ من المصادر الأكاديميّة. وقد استغرقني بلوغُ ما أنا عليه نحوَ 8 سنواتٍ مضت، وهو ما أشعر أنه بالكاد يبلغ مستوى الفهم الأساسيّ الذي سأحتاج إلى البناء عليه بمفردي. وربما يضطرّ من لا يملك تلك المزايا إلى الدرس والتمرّن أكثرَ من عقدٍ من الزمن قبل أن يبلغ أخيراً أيَّ مستوىً من، آه، السحر الحقيقيّ إطلاقاً، وعقوداً أخرى ليتقدّم بما يكفي ليبدأ بتعليم نفسه، هذا إن استطاعوا أصلاً الوصولَ إلى المعرفة اللازمة للبدء.»
«حسناً، هذا ليس عدلاً،» تجهّمت ويكووكِت. «هيا، دعني أجرّب أحدَ تلك الأقواس النّشّابة.»
خابَ أملُ غرَنتِل خيبةً شديدةً إذ لم يرغب أيٌّ من أفراد العشيرة الجُدُد في لكمه. وكلّما لقي المزيدَ من أفراد عشيرته الممتدّة، بدَوا له أغربَ. لو كان مخلوقاً أوفرَ حظّاً من الفضول، لوجد في هذا ما يشغل فكرَه كثيراً. لكنه، كما هو، لم يكن إلا قَلِقاً ضجِراً. وفي لحظةٍ انصرف فيها انتباهُ الجميع إلى أحاديثهم أو إلى تدرّبهم على القوس النّشّاب الذي انهمك فيه الآخرون، ابتعد بهدوءٍ ليتشمّم ما حوله.
كانت رائحةُ الدجاج في كلّ مكان. فما من مسكنٍ تقريباً إلا وبجانبه قِنُّ دجاج. سلّى غرَنتِل نفسَه بُرهةً بمحاولة التسلّل خفيةً إلى الدجاج وهو يتجوّل متعرّجاً في أنحاء القرية، ومراقبتِها وهي تتدافع مذعورةً نحو أقنانها كلّما لحظته أخيراً.
نحو الطرف الجنوبيّ من القرية، صادف غرَنتِل أمراً طريفاً: إحدى الدجاجات أرادت القتال. فبينما ركضت الدجاجاتُ تحتمي في القِنّ، اندفع ديكٌ للدفاع عنها. وإذ وثب نحوه يخفق بجناحيه ويمزّق بمخالبه ويُقَرقِر غاضباً، تردّد غرَنتِل. لم يكن واضحاً ما الدجاجُ بالضبط بالنسبة إلى العشيرة. كان يعلم أن العشيرة كثيراً ما تأكلها، لكنّ ذلك لا يعني شيئاً بالضرورة، فالعشيرة التي وُلد فيها أصلاً كانت أحياناً تأكل أفرادَها الآخرين. فلِمَ يُهدَر اللحمُ على أيّ حال؟ ومن ناحيةٍ أخرى، كان أصغرَ بكثيرٍ من أن يؤذيه أو يتحدّاه جدّيّاً. أتُراه كالجِرو؟
مدّ يده ليمسك بالطائر المُشاكِس، لكنّ خفقانه الجامح جعل حركته عصيّةً على التوقّع. وخزَ يده بمِهمازٍ وهو يتفادى مبتعداً. ابتسم غرَنتِل ابتسامةً عريضة. يا لها من لعبةٍ ممتعة!
وحين تمكّن أخيراً من الإمساك بالديك، كانت يدُ غرَنتِل تنزف من عدّة جروحٍ وطعناتٍ سطحيّة. أبى الديكُ أن يستسلم، ينقُر ويركُل غرَنتِل في يأسٍ حتى وهو ممسكٌ به من عنقه. أطلق غرَنتِل ضحكةً نابحةً استحساناً.
قطَع صوتُ ارتطامٍ عالٍ قريبٍ ذلك العنفَ التسلويّ. أسقط غرَنتِل الديكَ وخبّ بهدوءٍ نحو مصدر الصوت. أما الديكُ، وقد رأى دجاجاته قد بلغت الأمانَ جميعاً، فقرّر أنه عاقب غرَنتِل بما يكفي وركض هو الآخرُ إلى القِنّ لينضمّ إليها.
بلغ غرَنتِل زاويةَ الكوخ الذي سمع منه الصوتَ، حين سُمع ارتطامٌ آخرُ على مسافةٍ قريبة. اختلس النظرَ بحذرٍ من وراء الزاوية.
كان بابُ الكوخ قد حُطِّم إلى الداخل. وعلى بُعدٍ يسيرٍ، بدا بابُ كوخٍ ثانٍ مكسوراً هو الآخر. ومن داخل ذلك الكوخ، تناهت أصواتُ أشياءَ تُقذَف بعنفٍ في كلّ اتجاه، وزمجرةٌ مُحبَطة. جثم غرَنتِل على أطرافه الأربعة وزحف بهدوءٍ إلى الأمام. وإذ مرّ بمدخل الكوخ الأقرب، نظر إلى داخله فرأى المكانَ قد نُبِش على عجلٍ: بطانيّاتٌ مُنتزَعةٌ من الفُرُش، وطاولةٌ مقلوبة. وكانت في الهواء رائحةٌ كبريتيّةٌ خافتةٌ غريبةٌ ومألوفةٌ تقريباً في آنٍ معاً.
تابع غرَنتِل نحو الكوخ الآخر، لا يزال منحنياً منخفضاً. تجمّد حين برز الوحشُ وقد بلغ منتصفَ الطريق تقريباً.
لم يكن وصفُ هوراس له بأنه في حجم الحصان مبالغةً كبيرة. كان يمشي على أربعٍ، وكتفاه ووَرِكاه في ارتفاعٍ يبلغ ما كان سيبلغه رأسُ آل. كان يشبه الذئبَ بعضَ الشبه، بالقدر نفسه الذي يشبه به الذئبُ كلبَ الحِضن. كان له أُذنان عريضتان وخَطْمٌ مفرطُ الطول تحشوه أسنانٌ حادّةٌ على نحوٍ غير منتظم. وكانت مخالبه الأماميّة ممطوطةً، كأنّ أحداً بدأ يشدّها ليصنع منها يدين ثم توقّف في منتصف العمليّة. كان يكسوه فراءٌ رماديٌّ داكنٌ متقطّعٌ متناثر، تحته نتوءاتٌ ورَميّةٌ تتلوّى كالعضلات. وبدا ضِعفَ ضخامة غرَنتِل على الأقلّ. كان من الضخامة بحيث اضطُرّ إلى أن ينحني قليلاً وكابَد ليعصر جسده خارجاً من مدخل الكوخ، يُكَشِّر غاضباً وهو يفعل ذلك. رأى غرَنتِل وهو ينتفض متحرّراً. حدّق، ولعلّه صُدِم لرؤية كائنٍ آخرَ غير بشريٍّ هناك.
بقي غرَنتِل ساكناً، يتأمّل سُبُلَ الهرب من الوحش الأكبر. كانت غرائزُه تدفعه إلى حاجةٍ لحماية بقاء عشيرته، ولمّا كان الفردَ الوحيدَ الحاضرَ من العشيرة، فقد عنى ذلك نفسَه. ومع ذلك ابتسم ابتسامةً عريضةً متحمّسة، فإن لم يستطع الهربَ من الوحش، فسيكون على الأقلّ في معركة البقاء كثيرٌ من العنف المُرضي. وسيعرف حالما يندفع الوحشُ نحوه.
لكنه لم يفعل قطّ.
توتّرت مجموعةُ عضلاته المضطربةُ لتنقضّ، لكنها توقّفت. حدّق الوحشُ في يد غرَنتِل اليُمنى المجروحة النازفة لحظةً طويلة، ثم رفع نظره ببطءٍ لينظر غرَنتِل في عينيه. بادله غرَنتِل النظرةَ وحدّق فيه.
تلوّت عضلاتُ وجه الوحش، وبجهدٍ بدا أنه يسبّب له ألماً، أطلق صوتاً. لم يكن الصوتُ يعني شيئاً لغرَنتِل، لكنّ نبرةَ ذلك اللفظ الواحد بدت محاولةً للكلام. أشبهَ أصواتَ جِروٍ غُنوليٍّ لا يزال يحاول تعلّمَ الكلام. وحين كرّر الوحشُ الصوتَ، بدا وكأنه يتوسّل تقريباً. ودون أن يصرف بصره، أمال غرَنتِل رأسَه إلى جانبٍ متسائلاً.
صرف الوحشُ بصره أخيراً، نحو الجنوب على امتداد الطريق، ثم عاد إلى يد غرَنتِل الجريحة، وأخيراً عاد إلى وجه غرَنتِل. ومن جديدٍ، بهدوءٍ، أطلق الوحشُ الصوتَ المؤلمَ نفسَه. ثم تراجع ببطءٍ خطوةً، واستدار، وخبّ نحو الطريق الجنوبيّ. والتفت مرةً أخيرةً وهو يتجاوز طرفَ القرية، ثم انطلق راكضاً.
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion