Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 26
من مكانٍ بعيدٍ في الجنوب، سمع آل ضحكةً نابحةً باتت مألوفة. فأجال بصره حوله في شيءٍ من الذُّعر.
«مهلاً، مهلاً... أين غرَنتِل؟»
لم يبدُ أنّ أحداً يعرف، لا القرويّون ولا ويكووكِت ولا بوته، إن دلّت النظراتُ المستفهمة التي تبادلوها فيما بينهم على شيء.
«ليس ممّن يذوبون في الجموع، فكيف لشخصٍ بهذه الضخامة أن...؟ لا عليك، لا وقت لدينا.»
جمع آل القرويّين على عَجَل، وحملهم على الاصطفاف في حلقةٍ دفاعيّة حول البئر، وأوصاهم أن يُحدثوا جَلَبةً كثيرة إن وقع أيُّ شيء. وإذ فرغ من ذلك، انطلق هو وبوته وويكووكِت في الاتّجاه الذي سمعوا منه نُباح غرَنتِل.
وجدوا فِناءَ دجاجٍ محاطاً بسياجٍ واطئ، خالياً من الدجاج لكنّه مُرشوشٌ بقطرات الدم. وارتفعت نقنقةٌ مضطربةٌ من قُنّ الدجاج حين اقتربوا. وشكّلت بضعُ قطراتٍ أخرى من الدم أثراً قادهم حول واجهة كوخٍ قريب. هناك وجدوا غرَنتِل واقفاً، يرقب الطريق نحو الجنوب في إمعان، غير عابئٍ بالدم الذي ما زال يقطر من يده. فأسرعوا إليه.
«غرَنتِل، ماذا تفعل؟ ماذا حدث؟» سأل آل حين اقتربوا.
«أستكشف.» أجاب غرَنتِل، وهو لا يزال يرقب الجنوب. «أنتم بطيئون. رحل الآن.» وأشار إلى الآثار المتروكة في التراب، كبيرةً تُشبه، لكن لا تُطابق حقّاً، آثارَ دبٍّ أو ذئبٍ أو أسدٍ جبليّ.
«الوَحش؟»
غمغم غرَنتِل موافِقاً.
«هل كنتَ محبوساً في معركةٍ يائسةٍ من أجل البقاء؟» سألت ويكووكِت متحمّسة.
«لا. اكتفى بالنظر إليّ ثم مضى.»
«إذَن، ماذا أصاب يدك؟» سأل آل.
وإذ ذُكِّر بها أخيراً، رفع غرَنتِل يده ونظر إليها. ثم ابتسم ابتسامةً عريضة.
«الدجاجة أرادت أن تتقاتل.»
فحص بوته يدَ غرَنتِل ورأى أنّ الجراح سطحيّة، فعادت الجماعة توّاً نحو بئر القرية، خشيةَ أن يقرّر الوَحش أن يدور حولهم ويهاجم قبل وصولهم. ونادى آل يسأل إن كان الجميع بخير، حتى قبل أن يلوح له القرويّون، فارتاح حين سمع تأكيداتٍ متفرّقةً منهم.
وبينما كان بوته ينظّف يدَ غرَنتِل، حملوه على أن يصف الحادثة بأكملها. وحين أعادوا بناء الموقف بأكبر قدرٍ من التفصيل استطاعوه، برزت أسئلةٌ عدّة.
«أوّلاً، عمّاذا تظنّه كان يبحث؟» تأمّل آل.
«ربما قلادةٌ قديمةٌ ملعونةٌ من أنياب ذئابٍ مرصّعةٍ بالجواهر، سُرقت من قبرٍ منسيّ وخُبّئت تحت سرير أحدهم؟» اقترحت ويكووكِت بمرحٍ مفعمٍ بالأمل.
«من أين تأتين بهذه الأفكار؟» سألها آل.
نقرت رأسها. «كلُّها تتدفّق من هنا. أشدُّ إثارةً على الأرجح ممّا كان يسعى إليه حقّاً، لكنّي متفائلةٌ نوعاً ما.»
«أرجّح أنه كان يبحث عن القرويّين،» قال بوته. «يبدو أنه، وإن كان يميل إلى لحومٍ أخرى، يقصد أهل هذه القرية على وجه الخصوص.»
«هذا منطقيّ. يسرّني أنّنا جمعنا الجميع بعيداً عن أطراف القرية. والآن، قلتَ إنه حاول أن يكلّمك؟»
«أظنّ ذلك. بدا كمن يحاول الكلام.» أجاب غرَنتِل.
«ماذا قال؟»
«لا أدري. لم أفهمه.»
«حسناً، كيف كان وَقعُه؟»
قلّد غرَنتِل الصوتَ الذي أصدره الوَحش. وتمكّنت ويكووكِت بدورها من محاكاة الصوت الذي أصدره غرَنتِل ببراعةٍ لافتة، سوى أنها كانت تفتقر إلى حجم الصوت وعمقه لتضبط طبقته على وجهها الصحيح. أما آل فقد بدا له الصوتُ فعلاً شبيهاً بالكلام، ضجيجاً كأنّ شخصاً يزمجر بكلمةٍ في غضب. لكنّ تلك الكلمة، للأسف، بدت شيئاً مثل «أُريَه» أو «أُويريا»، ولم تعنِ لأيٍّ منهم شيئاً البتّة.
«حسناً، لا أعرف من أيّ لغةٍ قد تكون، إن كانت من لغةٍ أصلاً،» قال آل.
«لعلّه اسم الوَحش؟ أو اسم سيّده؟ أو مكان؟» تأمّل بوته.
«أو اسم شقيقٍ ضائع! آه، عرفتُ، لعلّه اسم حبيبته المفقودة منذ زمنٍ بعيد! أميرةُ وحشٍ فاتنة، اختطفها... اختطفها...،» راحت ويكووكِت تُخمّن بحماسة.
«...اختطفها مربّو الدجاج؟» اقترح آل ببرودٍ رافعاً حاجبه. «أو لعلّهم مربّو دجاجٍ تنانينُ في الخفاء؟» سأل بوته ساخراً.
«الآن أنت تتصرّف بسخافةٍ لا غير،» قال بوته.
فرك آل جبهته في ضِيق. «أجل، هذا صحيح. حسناً، لا يبدو أنّنا سنحلّ أيّاً من الألغاز الآن. أظنّ أنّ أيّ أجوبةٍ موجودةٍ تقبع هناك في الأعلى عند الحِصن. من الأفضل أن نبدأ بالاستعداد على الأرجح.»
وجد آل بُقعةً هادئةً ليجلس فيها مع ملاحظاته في فنّ السِّحر، يتمرّن ويستعدّ للسِّحر الذي رأى أنه قد يحتاج إليه. ووجد بوته بُقعةً قريبةً لتأمّلٍ هادئ. أما ويكووكِت، وإذ لم يكن لديها استعداداتٌ باطنيّةٌ بعينها، فقد جنّدت غرَنتِل للعب «المُطارَدة».
كان من اليسير أن يُفسَّر أنّ اللعبة أشبه بـ«المبارزة»، لكن للصيد لا للقتال، وإن بدا أنّ سبب اضطرار الفائز في كلّ جولةٍ إلى الفرار فجأةً من الخاسر قد حيّره في البداية. فجاءت ويكووكِت بتفسيرٍ مفادُه أنّ «الصيّاد» إنما يتظاهر بسرقة شيءٍ من الفريسة، وهو ما بدا أنّ غرَنتِل فهمه على الفور. وقضيا العصر يتناوبان المطاردة والفرار أحدهما من الآخر في المنطقة حول وسط القرية. وأُسقِط بضعةُ قرويّين بطيئين أكثرَ من اللازم في الطريق، لكن لم يُصَب أحدٌ بأذًى بالغ. وانتهى بهما الأمر إلى تكافؤٍ يكاد يكون تامّاً. فقد كان كلاهما مُراوغاً بطريقته الخاصّة. أما ساقا ويكووكِت القصيرتان فمنعتاها من مجاراة سرعة غرَنتِل في الأرض المكشوفة، لكنّ صِغَر حجمها ورشاقتها منحاها أفضليّةً في المراوغة، أو في الاختباء متى تمكّنت من الغياب عن الأنظار لحظة.
وأخيراً هدأت حِدّتهما مع انحدار الشمس نحو الأفق. فتبادلا لَكمةَ قبضتين تنمّ عن احترامٍ متبادل، وشرِبا من ماء البئر البارد. وبدا أنّ آل وبوته قد أنهيا استعداداتهما الأكثر غيبيّة، وكان آل الآن منهمكاً يربط بعنايةٍ أَمبولتين من زيت مُفرَط الفلوجستون بسهام القوس النّشّاب.
«لستُ على يقينٍ من أنّ ما كنتما تفعلانه آمن،» قال بوته لغرَنتِل وويكووكِت. «احذر، فطبيعةُ تلك المتوحّشةُ التي لا يُتنبّأ بها قد تعرّضك لخطر أذًى عنيف.»
«اهدأ، صِرنا جميعاً عشيرةً الآن! لن يؤذيني!» ردّت ويكووكِت.
«لم يكن كلامي موجَّهاً إليكِ،» ردّ بوته بابتسامةٍ مُسلِّية.
أحضرت روز وغيرترود أطباقاً من حَساء الدجاج للجميع مع اقتراب الغَسَق.
«شكراً لكم مجدّداً على ما فعلتموه لنا من قبل، وعلى ما تنوون فعله لنا الليلة،» قالت روز متردّدةً. فوَكزتها غيرترود، فتابعت روز. «آه... كم سندين لكم لقاءَ كلّ هذا؟» سألت أخيراً.
«آه، حسناً،» تلعثم آل، وقد باغته السؤال وأصابه شيءٌ من الإحراج إذ نسِيَ أن يطرح الموضوع من قبل. «أعني، الطلب ذكر أنّكم لا تملكون الكثير لتدفعوا به، فلم نكن ننتظر كثيراً في الحقيقة، وعلى أيّ حالٍ نحن في بداية الطريق، لذا...»
خفت صوت آل تدريجيّاً إذ رفعت ويكووكِت يدها ورمقته بنظرة استنكار.
«واو، أنت حقّاً لا تُجيد ذلك، أليس كذلك؟» سألت بابتسامةٍ عريضة. ثم وضعت يدها اليمنى على قلبها واتّخذت وضعيّةً مسرحيّةً درامية.
«سيكافئنا ما نكسبه من سُمعةٍ بأفعالنا! ستكافئنا ابتساماتُ كلّ رجلٍ وامرأةٍ وطفلٍ ودجاجةٍ في مأوى الدجاج! بل نحن مَن علينا أن نُكافئ كرمَ ضيافة هذه القرية الطيّبة!» أعلنت ويكووكِت بدراما مناسبة. «مع أنّكِ ذكرتِ أيضاً طعاماً ومكاناً للنوم كلّما مررنا بالقرية،» أضافت بنبرةٍ أقرب إلى المحادثة.
أدار آل عينيه لكنّه لم يملك إلا أن يبتسم قليلاً. «ابتسامةُ كلّ دجاجة؟ لكن، حسناً، أجل، أنتِ أبرعُ منّي في الخُطَب،» قال لويكووكِت. «غير أنها محقّة، نحن في بداية هذا العمل، وسنحتاج إلى بناء سُمعتنا قبل أن يُعرَض علينا ذلك النوع من المهامّ التي يدفع الناس لقاءها الكثير. سنطلب على الأرجح بعض الطعام والمؤن حين ننتهي. وما عدا ذلك، اكتفوا بأن تذكرونا بخيرٍ لأيّ مسافرين قد يمرّون بالقرية.»
«مرّةً أخرى، شكراً لكم،» كرّرت روز.
فركت غيرترود كتفها التي شُفيت بأعجوبة.
«لم تدعوا الوَحش يُجهز عليّ. فلا تدعوه يُجهز على أيٍّ منكم أيضاً،» قالت.
«نحرص على التخطيط في أوقاتٍ كهذه،» طمأنها بوته. «لا تَمُت خطوةٌ أساسيّةٌ دائماً في الخُطَط.»
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion