Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 27
انطلق المغامرون عند غروب الشمس، واعِدين بالعودة حالما يُقضى على الوَحش. تركوا أكثر عتادهم كي يسافروا خفافاً، غير أنّ آل وبوته حملا بعض المُؤَن في حقيبتيهما. حمل كلٌّ منهما نصف ما تبقّى من جُرعات الشفاء، وأخذ آل أقلَّ الأقواس النشّابة تهالكاً من تلك التي غنموها من قُطّاع الطرق، ومعها النُّشّابتان المربوطتان بهما «زيت مُفرَط الفلوجستون». وحمل آل كذلك قوارير الجُرعات الفارغة، وبضعة أشياء متفرّقة كالحبل وأدوات الكتابة، وطبعاً كتاب ملاحظاته في فنّ السِّحر. وحزم بوته أمتعته خفيفةً على النحو ذاته، لكنّه حرص على إحضار مستلزمات الإسعافات الأوّليّة.
بعدما ذُكِّر القرويّون بوجوده، كانت الإرشادات إلى الحِصن بسيطةً سهلةَ الاتّباع: طريقٌ ضيّقٌ يصعد تلّةً يتفرّع عن الطريق الرئيس على مسيرة أقلَّ من ساعةٍ خارج القرية. وذلك الطريق يُفضي مباشرةً إلى واجهة الحِصن.
انسحب القرويّون إمّا إلى بيوتهم المُطفأة وإمّا إلى القِنّ الأكبر، ليتلاصقوا ويشربوا، بل ربّما رفعوا دعاءً أو دعاءين يسألون فيهما إلهةَ البلدة الراعيةَ الصغرى أن تشفع للمغامرين. لم يكن أحدٌ متيقّناً ممّا تستطيع غالينا، إلهةُ الدجاج، أن تفعله أو ما ترضى بفعله، لكنّ الأمل كان قائماً. وحين غادرت الرِّفقةُ البلدة، لم يُحتفَ برحيلها إلا بقوقأةٍ ناعسةٍ من آخر قِنٍّ على الطريق، ونهيقِ حمارٍ وحيدٍ يحرس فناء الدجاج.
كان السير خالياً من الأحداث، عدا تعثُّرات آل في الظلام تحت سماء الليل المُلبَّدة بالغيوم، فقد آثر ألّا يُشعل مشعلاً أو فانوساً تحاشياً لاحتمال أن يجذب الوَحشَ نحو الضوء. ولا شكّ أنّ الجميعَ عداه سيقدرون على رؤية الوَحش إن هو اقترب رغم الظلام.
كان الحِصن قريباً ممّا وصفته غيرترود. ثمّة بابٌ خشبيٌّ مزدوج، لعلّه من البلّوط، مشدودٌ بأطواقٍ حديديّة، يتوسّط الجدار الأماميّ للمبنى، وكان ضوءٌ مائلٌ إلى الحُمرة يتراقص بالكاد يُرى وهو يتسرّب من الفُرجة الضيّقة جدّاً بين المِصراعين، ومن تحتهما. أمّا الحِصن نفسه فمبنًى صغيرٌ متراصٌّ من طابقين، أشبهُ ببُرجٍ مربّعٍ قصيرٍ منه بتحصينٍ كبيرٍ أو قصر. وخطر لآل أنّه ربّما شُيِّد في الأصل بُرجَ مراقبةٍ من نوعٍ ما ثمّ حُوِّل مسكناً لاحقاً. ومن الغريب أنّ النوافذ الوحيدة الظاهرة في البناء بدت عملاً زجاجيّاً ملوّناً إلى يمين الباب، قرب زاوية الحِصن، على قدر ما استطاع آل أن يميّزه عن قربٍ في ذلك الضوء الشحيح. ولم يُرَ أيّ ضوءٍ من خلالها. وتكرّم بوته فوصف كيف كانت تُشكِّل مشهداً كأنّه من كتاب حكايات: قريةٌ، وقلعةٌ صغيرةٌ على تلّة، وشخصٌ في بِزّةٍ من الدرع الصفائحيّ إلى جانب امرأةٍ نحيلةٍ في فستانٍ أنيق، إذ لم يكن آل ليرى التفاصيل في الظلام.
وذكر بوته أيضاً أنّه يرى شُرُفاتٍ على حافة السطح، فلعلّ ثمّة سبيلاً إلى هناك من الداخل.
«أو من الخارج، إن تسلّقتُ.» عرضت ويكووكِت.
«لستُ واثقاً أنّ حبلَكِ سيتحمّل حتّى وزني أنا، فأغلب الظنّ أنّه لن يتحمّل وزن بوته، ومن المؤكّد تقريباً أنّه لن يتحمّل وزن غرَنتِل، فستدخلين وحدَك.»
«وماذا في ذلك؟»
«إذن، لن تتركينا هنا وحدَنا عُرضةً لأن يفترسنا وحشٌ مُروِّع وأنتِ غائبةٌ لا تحمينا، أليس كذلك؟» توسّل آل بنبرةٍ مسرحيّةٍ مبالَغٍ فيها، ثمّ مسح ذقنه كأنّه غارقٌ في التفكير. «ثمّ إنّي، إن كنتُ أذكر الحكايات جيّداً، فحين يكون هناك وحشٌ يقتل الناس، يكون أفضل ما يُفعل أن نتفرّق ونبحث عنه كلٌّ على حدة، أليس كذلك؟»
«اسمع، أنا خبيرة الدراما هنا، فإن بدأتَ تفعلها فسأُضطَرّ إلى تولّي فنّ السِّحر من جديد.»
لكنّ ويكووكِت سلّمت بوجهة نظره، وأعادت خُطّاف التسلّق إلى داخل كُمّها. اجتمع الأربعة عند الباب. استلقى آل على الأرض محاولاً النظر عبر الفُرجة السفلى. حدّق مُغمِضاً عينيه نصفَ إغماضةٍ برهةً، ثمّ نهض بهدوءٍ وألصق أذنه بالباب. وهزّ رأسه.
«لا أكاد أرى شيئاً تحت الباب،» قال بصوتٍ خافت، «لكن لا يبدو أنّ ثمّة ما يتحرّك في الداخل، ولا أسمع شيئاً.»
«دعوني أتحقّق من أمرٍ ما.» اقترحت ويكووكِت. أخرجت قطعةً معدنيّةً رقيقةً مسطّحةً من مكانٍ ما تحت سُترتها. جثت على ركبتيها وأدخلتها ببطءٍ عبر الفُرجة بين المِصراعين من الأسفل، ثمّ حرّكتها صعوداً بحذر. توقّفت لتلتفت إلى الآخرين بنظرةٍ ذاتِ معنًى حين بلغت أقصى ما تطوله يدها، عند نقطةٍ تعلو قليلاً موضعَ سُرّة آل، إلى أن طلب آل من غرَنتِل أن يرفعها.
انزلقت الشريحةُ المعدنيّة بسلاسةٍ حتّى بلغت أعلى الباب.
«لا عارضةَ ولا أسلاك،» أعلنت ويكووكِت.
«أسلاك؟»
«صانعو الفِخاخ يعشقون استخدام الأسلاك. يصعب رصدها قبل فوات الأوان.»
«إذن، لا عوارضَ تُبقيه مغلقاً، وعلى الأرجح لا فِخاخ. قالت غيرترود إنّه انفتح لها من فوره. أنكتفي بدفعه لينفتح ونرى إن هوجِمنا؟»
اتّضح رأي غرَنتِل حين جهّز على الفور تُرسه ومِخبطه. رسم خيطُ الضوء الأحمر المتراقص المتسلّل عبر الفُرجة بين المِصراعين خطّاً ساطعاً على وجهه، كاشفاً عن أسنانٍ حادّةٍ مُشرِّشةٍ في ابتسامةٍ مُتلهِّفة. ولمّا رأى ذلك ويكووكِت وبوته، تأهّبا على النحو ذاته.
«كان ذلك مجرّد سؤالٍ بلاغيّ...،» بدأ آل، ثمّ تنهّد. «ذنبي أنا إذ اقترحتُه أصلاً. حسناً.» استلّ صولجانه، وتراجع خطوةً، وتأهّب.
«حسناً يا غرَنتِل، افتحه برِفق...»
مع زمجرةٍ ارتطم غرَنتِل بكامل جسده بالباب، فدفع المِصراعين إلى الداخل بعنفٍ وهو يندفع إلى البهو. كان في الداخل وحشٌ واحدٌ أقلَّ ممّا كان متوقّعاً. وإذ خابت آماله، شرع غرَنتِل يحطّم أحد الكراسيّ الوثيرة الفاخرة المُهمَلة التي كانت هناك، فأثار سحابةً من الغبار.
انقبض آل من مقدار الضجيج المُثار، وراح يتفحّص الغرفة.
كان ثمّة عدّةُ كراسيَّ كانت يوماً وثيرةً غايةً في الفخامة حول وسط الغرفة، يكسوها الغبار جميعاً، عدا ذلك الذي كان يُضرَب بعنفٍ حتّى صار كومةً من الخشب المُشظّى والوِثارة الممزّقة. وغطّى بِساطٌ صوفيٌّ كان بدوره فاخراً يوماً معظمَ الأرضيّة. وكان يمتدّ في وسطه ممرٌّ يبدو خالياً من الغبار، أمّا الجانب الأقرب إلى الباب الأماميّ فكان مُشبَعاً بدمٍ متجلّط. وتدلّت ثُريّا في وسط السقف، خمدت شموعها منذ أمدٍ بعيد. واستقرّ مشعلٌ ذو لهبٍ مائلٍ إلى الحُمرة يتراقص في مِشكاةٍ على الجانب الأيسر من الباب في الطرف المقابل من الغرفة، وقد بعثرت بلّورات الثُّريّا ضوءه في الأرجاء. وكانت ثمّة مِشكاةٌ فارغةٌ على الجانب الآخر.
انتظر آل حتّى بدا غرَنتِل راضياً عن مقدار الأذى الذي ألحقه بالكرسيّ جزاءَ جُرمِه أنّه لم يكن الوَحش الذي توقّع أن يقاتله، ثمّ أومأ آل للآخرين أن يتبعوه إلى الغرفة. ومن الداخل، استطاع أن يرى باباً إضافيّاً في الجدار إلى اليمين، خمّن أنّه يُفضي إلى الغرفة التي فيها النافذة الزجاجيّة الملوّنة أيّاً كانت. ومن الداخل أيضاً، بدت رايتان متدلّيتان على الجدارين على جانبَي الباب الأماميّ، باهتتين عليهما عفنٌ ظاهر، غير أنّ كلتيهما تحملان في الوسط رقعةً أفتحَ لوناً كأنّ شكلاً ما كان مرسوماً عليهما يوماً. أمّا الفُطر المتفشّي الذي يكسوهما الآن فقد جعلهما غير واضحتين، لكن لعلّهما كانتا يوماً خطّاً خارجيّاً لرأس حيوانٍ من الجانب. واستندت إلى الجدار عارضةٌ خشبيّةٌ ثخينةٌ بدت مُعدّةً لتمتير الباب، وكانت طبقةُ الغبار التي تعلوها شاهداً على طول ما مضى منذ استُخدمت آخر مرّة.
استعرض آل بهدوءٍ ما استطاع رؤيته من قرائنَ في الداخل.
«لنرَ... لم تُستخدَم الغرفة في شيءٍ منذ زمنٍ طويل، لكن كان ثمّة حركةٌ حديثةٌ كثيفةٌ عبر وسط الأرضيّة، فثمّة من يدخل ويخرج من هنا. وهذا هو المشعل الذي ذكرته غيرترود، إلى جوار الباب الذي قالت إنّها رأت أحداً يمرّ راكضاً بجانبه. وبالنظر إلى الغبار على الأرض، لم يذهب أحدٌ إلى غرفة النافذة الزجاجيّة الملوّنة من هنا. هل فاتني شيءٌ آخر؟»
تأمّل بوته. «كان البابُ المؤدّي إلى الخارج مغلقاً، والباب المقابل له مغلقٌ أيضاً. ثمّة على الأقلّ من يملك من رجاحة العقل ما يمنعه من تركهما مفتوحين. ألم تقل غيرترود إنّ الباب الداخليّ كان مفتوحاً؟ ثمّ إنّ المشعل يبدو لي حديثَ العهد.»
«دعوني ألقي نظرة،» قال آل، «مهلاً... غرَنتِل؟ أأنت بخير؟»
كان غرَنتِل قد هدأ وأعاد تعليق مِخبطه في حزامه، لكنّه رمق الكرسيّ المُحطَّم نظرةً أخيرةً عابسة. «آها.»
«أظنّ أنّك على الأرجح صاحبُ أفضل سمعٍ بيننا، فأنصِت عند الباب وحذّرنا إن جاء أحد.»
مع نأمةٍ، هرول الغُنول عابراً الغرفة وألصق جبهته به كي تدور أذناه فتستقرّا على الباب.
تفحّص آل المشعل. عن قربٍ، بدا جليّاً أنّه سحريّ الطبيعة. ذكّره بالشموع الأبديّة التي كانت لديهم في قصر نوتاميمِك، لكنّ هذا مختلف. بدا أنّ «وَقود» المشعل لِفافةٌ من الورق مُلتفّةٌ حول رأسه، وعليها علاماتٌ سحريّةٌ واضحةٌ مكتوبةٌ بطولها، تتّصل بلولبٍ من الرموز المحفورة في خشب المقبض. وكما هو حال الشموع الأبديّة، لم يكن ثمّة احتراقٌ فعليٌّ مصاحبٌ للهب المشعل، الذي لا يُنتج إلا ضوءاً بلا حرارة. وكانت بضعةٌ من الرموز مألوفةً لآل، إذ تذكّر أنّ السَّحَرة كثيراً ما يستخدمونها للدلالة على الحيويّة والصِّلات الروحيّة، وهو ما بدا غريباً في مشعلٍ مُصطنَع. كان يصعب الجزم، لكنّ آل لم يظنّ أنّ في تصميمه شيئاً عدائيّاً يمكن تمييزه، فلعلّه آمنٌ يمكن أخذه للاستضاءة إن احتاجوا إليه.
أمّا المِشكاتان، على النقيض، فكانتا عملاً حديديّاً عاديّاً، باليتين مُنقّرتين بالصدأ من الإهمال. واستشار آل خبيرته.
«ما رأيك يا ويكووكِت؟ أسيحدث شيءٌ سيّئ إن أخذنا المشعل؟»
تسلّقت ظهر غرَنتِل لتُلقي نظرةً أقرب. وارتاح آل إذ لم يبدُ أنّ غرَنتِل يمانع.
«حسناً!» قالت ويكووكِت أخيراً بابتسامةٍ عريضة، «ربّما إن شددتَه فتح باباً سرّيّاً!»
مدّ غرَنتِل يده وأمسك المشعل، فجذبه إلى أسفل ونزع المِشكاة من الجدار.
«لم ينفع.» أعلن.
«إذن، لا، كما ترى، ما لم يكن ثمّة شيءٌ سحريٌّ لا أعلم عنه شيئاً، فهو مجرّد مشعلٍ في مِشكاة. حسناً، كان كذلك.» قالت ويكووكِت وهي تكبح ضحكةً مكتومة.
انقبض آل من الضجيج المفاجئ مرّةً أخرى. «أرجوك قل لي إنّ ذلك لم يجعل أحداً يهرع إلينا.» سأل غرَنتِل، الذي ألصق أذنيه بالباب من جديد. هزّ غرَنتِل رأسه.
«الهدوء يعمّ الداخل،» قال.
«حسناً، جيّد،» قال آل مسترخياً، «أنا من سيدفع الباب لينفتح قليلاً هذه المرّة وأُلقي نظرةً على الداخل قبل أن ندخل. اتّفقنا؟»
ثمّ دفع الباب برِفق. بدا أنّ وزنه وحده هو ما كان يُبقيه مغلقاً، فانفتح بضع بوصاتٍ دون كبير عناء. نظر آل بحذرٍ عبر الفُرجة، فرأى للمرّة الأولى أحد سكّان الحِصن.
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion