Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 29
حدّق آلُ في بذلة الدرع المنكوبة المبتورة الأطراف. فبادلته التحديقَ نقطتا ضوءٍ قِرمِزيٍّ باهتتان خلف شقَّي العينين. تصاعد دخانٌ أحمرُ متوهّجٌ يتلوّى من المفاصل حيث كانت الذراعان والساقان، وترددّ صوتُ همسٍ عالٍ من داخل الخُوذة. لم يفهم آلُ ما تقول، إن كانت تقول شيئاً أصلاً، لكنّ نبرتَها كانت غاضبةً بلا شكّ.
من الرِّواق في الخارج، سُمع صوتُ ارتطامٍ ثقيلٍ أخير، ثم، بعد لحظة، صوتُ قِطعٍ معدنيّةٍ ترتدّ مبتعدةً مسافةً في أسفل الرِّواق. ثم لم يبقَ إلا صوتُ لهاث غرَنتِل المتحمّس، الذي تباطأ وانتهى بأنّةٍ طويلةٍ بطيئةٍ راضية.
«حسناً،» أعلن بوته، «بالنظر إلى الموقف، جرى الأمرُ أفضلَ مما كان يُحتمَل. يبدو أن لا أحدَ منّا أُصيب إصابةً بالغة. لا أسمع شيئاً آخرَ قادماً، وكلُّ ما أراه هو...»
أشار بيده، بينما مرّ الشبحُ الهاربُ حاملاً الشمعدانَ راكضاً أمام الباب مرةً أخرى.
«أظنّ ذلك،» وافق آلُ على مضضٍ، يدلك موضعَ الألم في جبينه بظهر يده. حدّق مُغضِياً في ضِيقٍ نحو بذلة الدرع التي لم تُدمَّر تماماً، بينما تواصلت من الخُوذة همساتٌ مبهمةُ التهديد على نحوٍ كان ليستحيل لو أنها كانت بحاجةٍ إلى التنفّس.
«وأنتِ كذلك، أيتها الخُردةُ عديمةُ النفع،» ردّ آلُ، راكلاً إياها. «تُرى أتقول شيئاً حقاً؟»
«تريدك أن تموت أو ترحل كي تعود إلى النوم،» قال غرَنتِل وهو ينضمّ إليهم.
«أتفهمها؟»
أطلق غرَنتِل غمغمة.
«بأيّ لغةٍ تتكلّم؟»
«لا أدري.»
«تفهمها، لكنك لا تدري بأيّ لغةٍ تتكلّم؟»
غمغمة.
«فهمت، حسناً، اسألها عمّا تحرس.»
نظر غرَنتِل إلى الدرع في الأسفل.
«ماذا تحرسين؟»
«بلغتها هي، من فضلك.»
«لا أقدر. لا أعرفها.»
«لكنك تفهمها؟»
غمغمة.
تنهّد آلُ. «رأسي يؤلمني أكثرَ من أن أحتمل هذا. أودّ نوعاً ما أن أُبقيها لأدرسها، لكني أخشى أن ينتهيَ بها الأمرُ قادرةً على فعل شيءٍ ضدّنا. أنكسرها فحسب ونمضي؟»
داس غرَنتِل على الخُوذة، فسحقها وأطلق ما كان بداخلها من طاقات.
«لا يحبّون أن تكسرهم،» قال بابتسامةٍ خبيثةٍ حادّة الأنياب. «لا يريدون العودة.»
«العودة إلى أين؟» سأل آل.
«لا أدري.»
«...حسناً. وما هذه الغرفة على أيّ حال؟» رفع آلُ المشعلَ السحريَّ أعلى ليتفحّص ما حوله.
بدا أنهم في مُصلّىً صغير. إلى اليسار، كان بابٌ آخرُ إلى الرِّواق مفتوحاً. كان الشبحُ حاملُ الشموع يقوم بجولاته، يتفقّد بذلاتِ الدرع التي لم تعد موجودة. وفي وسط الغرفة ثلاثةُ صفوفٍ من المقاعد الخشبيّة تواجه تمثالاً حجريّاً لامرأةٍ بلا رأس، منتصباً أمام نافذة الزجاج المعشّق إلى اليمين. وحين دقّق النظر، رأى آلُ رأسَ التمثال المفقود، مكسوراً مُلقىً على جنبه على الأرض. ومصادفةً، كان موجَّهاً نحوهم.
«فورتونا،» أخبرهم بوته. «يبدو أن أحدَهم لم يشكر عنايةَ الإلهة.» بدا مفكّراً لحظةً، ثم تابع. «أظنّ أن من التوقير أن نعيد رأسَها على الأقلّ إلى أعلى جسدها.»
بمساعدة غرَنتِل، تمكّن آلُ من رفع الرأس عن الأرض وإعادته إلى التمثال، موازِناً إياه بعنايةٍ على عنق التمثال. كان الكسرُ غيرَ مستوٍ، لكن بدا أن الرأسَ سيستقرّ في مكانه بما يكفي ما دام أحدٌ لا يعبث به. وضع آلُ يديه برفقٍ حول العنق وأدّى حيلةً سحريّةً صغيرة، وحين رفع يديه، لم يكد يُرى أثرُ وَصلٍ حيث كان مكسوراً.
أومأ بوته للتمثال إيماءةَ توقير. جلس آلُ بثِقلٍ على أحد المقاعد ليستريح. فانهار الخشبُ المتعفّن على الفور، مُسقِطاً إياه بقيّةَ المسافة إلى الأرض. قاوم رغبتَه في أن يستجديَ آلهةَ السقف الرحمةَ، فهو لم يكن في الحقيقة رجلاً متديّناً بوجهٍ خاصّ، لكن بدا من قلّة الأدب أن يستجديَ آلهةً أخرى ولو على سبيل المزاح، وهم جالسون، ولو رمزيّاً، أمام إلهةٍ حاضرةٍ مباشرةً. ثم نهض واقفاً على قدميه.
«لنعُد إلى ما كنّا نفعله.»
عادت ويكووكِت إلى الرِّواق. توقّفت حيث توقّفت في المرة السابقة، تتفقّد كلَّ اتجاهٍ لتتأكد أن لا شيءَ قادم، ثم شقّت طريقَها بحذرٍ في الرِّواق. تنحّت جانباً لحظةً لتدع الشبحَ المذعورَ يمرّ راكضاً مرةً أخرى. راقبته وهو يعبُر البابَ المغلقَ إلى يسارها. بدا أن ثمّة بُقعاً قديمةً بنيّةً داكنةً في خشب الأرض بين ذلك الباب وبابٍ آخرَ يقابله عبر الرِّواق. استدارت لتلوّح للآخرين مُعلِمةً إياهم أن الطريق آمن.
«يبدو أنه آمن،» أعلن بوته مُعيناً، لفائدة آلٍ الذي كان يُحدّق مُغضِياً في الرِّواق ولا يقوى على الرؤية إلى مسافةٍ كافيةٍ في ضوء المشعل.
«شكراً. حسناً يا بوته، تقدّم أنت في المسير إذ قد نحتاج إلى دفاعٍ روحيّ، وسأتبعك. أما أنت يا غرَنتِل، فاتبعنا واحرس الخلف...»
قرّر آلُ أن يعيد الصياغة.
«أقصد، كلُّ ما يظنّ أنه قادرٌ على التسلّل إلينا سيذبحه غرَنتِل بلا رحمة.»
ساروا بمحاذاة الجدار كي يستطيع الشبحُ أن يمرّ راكضاً بجانبهم مرةً أخرى دون أن يقترب من أحدٍ أكثرَ من اللازم، واجتمعوا عند الباب الذي يقصده الشبح. تفحّصت ويكووكِت البابَ توقّياً للسلامة، ثم هزّت كتفيها.
«مجرّد بابٍ عاديٍّ على حدّ علمي، لا أثرَ لشيءٍ خطر. أعني، عدا ما جعل هذا المسكينَ قلِقاً إلى هذا الحدّ،» قالت مشيرةً إلى الشبح وهو يندفع مرةً أخرى في الرِّواق وعبر الباب المغلق.
دفع آلُ البابَ فانفتح على مفصّلاتٍ صرّارة. وبينما ينفتح، انكشفت غرفةُ نومٍ بسيطةٌ لخادم، حتى اتّسع الباب بما يكفي ليكشف أيضاً ما تبقّى من الخادم.
كانت البقايا الهيكليّةُ متدثّرةً بأسمالٍ من ثيابٍ ممزّقةٍ تغطّيها بُقعٌ بنيّةٌ داكنةٌ من دمٍ جفّ منذ أمدٍ بعيد. كانت الجمجمةُ متصدّعةً، والعمودُ الفقريُّ مكسوراً، والأضلاعُ قِطعاً. أما عظامُ الذراع واليد اليُسريين فما زالت مُلتفّةً حول شمعدانٍ ذهبيّ. وأما عظامُ الذراع واليد الأُخريين فكانت محطّمةً أو مفقودةً تماماً.
اندفع الشبحُ راكضاً إلى الغرفة مرةً أخرى. استدار وانقضّ كأنه يحاول أن يُوصِد البابَ، لكن قوّةً خفيّةً قذفته إلى الخلف. وهو يصرخ صرخةً صامتة، رفع ذراعَه اليسرى ليدافع عن نفسه ممّا كان يطارده. تناثر الدمُ حين مزّق شيءٌ اللحمَ عن ذراع الرجل وأرغمه أرضاً حيث تربض البقايا الهيكليّة. وبينما راحت صورةُ الشبح تتشوّش وتتلاشى، ظهرت خطوطٌ دمويّةٌ كأثر مخالبَ ممزّقةٍ تنحدر على صدر الرجل. ثم اختفى الشبح.
لم يتحرّك أحدٌ لثوانٍ عدّةٍ بعد أن انتهى العرضُ المروّع، حتى دخل غرَنتِل الغرفةَ وانحنى ليلتقط قطعةً من ضِلعٍ متصدّعٍ مكسور. رفعها لينظر إليها، وشمّها، ثم بدا أنه تهدّل حزيناً. وترك العظمَ المكسورَ يسقط ثانيةً إلى الأرض.
استغرق آلاً لحظةً حتى استعاد صوتَه. «ما الخطب؟» سأل غرَنتِل برفق.
«سبقنا أحدٌ إلى أكل النُّخاع.»
لاحظ بوته ضوءَ الشموع يقترب مرةً أخرى. دخل الغرفةَ وركع بجانب جمجمة الخادم، واضعاً يدَه عليها برفق. وإذ نظر في مَحجِرَي عينيها، شرع في صلاةٍ هادئة.
اندفع الشبحُ راكضاً إلى الغرفة مرةً أخرى وأعاد العرضَ المُريع. وبينما بدأ الشبحُ الممزَّقُ يتلاشى من جديد، ظهر وجهُه المذعورُ على الجمجمة. ارتخت ملامحُه وانغمضت عيناه ببطء، ثم زال. راقب آلٌ وبوته وويكووكِت، لكنّ الشبحَ لم يظهر ثانيةً في الرِّواق.
سُمعت قَرقَرةٌ من بطن غرَنتِل.
«يجعلني جائعاً،» قال.
«بالطبع يفعل،» تنهّد آلُ، وإن كان قد ذكر على غير توقّعٍ يخنةً قُدّمت له مرةً صُنعت من عظام النُّخاع والملفوف والتوابل. وكانت في الحقيقة لذيذةً جداً.
عبس آلُ. «هل يُفترَض بأمر 'المغامرة' هذا أن يعبث بعقول الناس؟»
«أوه، قطعاً!» أجابت ويكووكِت، «هذا من صميم الأصول! لستَ بطلاً حقّاً إن لم تتغيّر وتنمُ على طول الطريق، فذلك جزءٌ من كلّ الحكايات الجيّدة!»
ربما كان ذلك طبيعيّاً إذاً، لكنّ آلاً قرّر أن هذا ليس وقتاً مناسباً للتأمّل في الذات. أعاد انتباهَه إلى مسرح الجريمة القديم أمامهم. تأمّلت ويكووكِت بقايا الخادم بانبهار.
«كان ذلك... وحشيّاً. مُرعباً.»
«يجعلك ذلك تتمنّى نوعاً ما لو تستطيع أن تمحوَ ما رأيت، أليس كذلك؟»
«ماذا؟ لا! هذا النوعُ من الأصالة لا يُقدَّر بثمن! لا تحظى بمثل هذه التجربة من رواياتٍ قديمةٍ لحكايات غيرك! لا يمكن أن يكون كلُّ شيءٍ حلاوةً وبهجة، أتعلم. ثم إن منحَ بوته السلامَ للروح المعذَّبة يمنح خِتاماً لقصّته.»
«لم أفعل شيئاً بهذه الأهميّة،» جادل بوته، «ما أنا إلا مِطرقةٌ تُدقّ بها قطعُ الخُطَط التي لا تُوصَف عائدةً إلى مواضعها الضروريّة.»
«أوه، هذا جميل! هذا الاقتباسُ سيدخل في إعادة الرواية!»
«لن تكون هناك إعادةُ روايةٍ أصلاً،» قاطع آلُ، «إن انقضّ علينا الوَحشُ ونحن نتحدّث عنها. فكلّما فهمنا أكثرَ قبل أن نصادفه، زادت فرصةُ نجاتنا. والآن، انظري، ماذا ترين؟»
«رجلٌ ميت،» أجاب غرَنتِل.
«غير ذلك؟»
«رجلٌ ميتٌ سبقنا أحدٌ إلى أكله بزمنٍ طويل.»
تنهّد آلُ، لكنّ بوته رفع إصبعَه طلباً للانتباه.
«تلك في الحقيقة ملاحظةٌ جيّدة،» أشار بوته. «قال القرويّون إن جابيَ الضرائب الذي كان يُفترَض أنه سيّدُ هذا المكان ما زال يزورهم حتى قبل ما لا يزيد على عام. لكنّ حالَ هذه البقايا، وحالَ المكان عموماً كما رأينا حتى الآن، يوحيان بأنه مهجورٌ منذ زمنٍ أطولَ من ذلك بكثير.»
«هذا هو! هذا ما كان يقلقني. المكانُ كلُّه يبدو وكأنه لا ينتمي إلى هنا أصلاً. كأنه انتُزع من مكانٍ قديمٍ غريبٍ وأُلقيَ هنا حديثاً.»
«لم يكن له وجودٌ حتى في ذاكرة الناس إلى أن وصلنا إلى هناك،» هتفت ويكووكِت بدهشة. «يا للغموض!»
«لا أدري إن كان الأمرُ إلى هذا الحدّ، لكن ليس من الطبيعيّ أن تنسى البلدةُ كلُّها المكان. لكنّ الأهمَّ، ما علاقةُ ذلك بهذا،» قال آلُ مشيراً إلى بقايا الخادم، «وبالوَحش الذي أظنّ أن لنا أن نفترض أنه قتله.»
لدى الفحص عن كثب، بدت ألواحُ الأرض داكنةً بوضوحٍ حول الجُثّة حيث تشرّبت الدماء. وامتدّت رَذاذاتٌ داكنةٌ في اتجاهاتٍ عدّةٍ شاهدةً على عُنف الحادثة. وقاد أثرٌ من بُقعٍ داكنةٍ من البقايا إلى الباب. وكان نمطٌ منتظمٌ من علاماتٍ أكبرَ محفوراً فيه.
«مهلاً، انظروا إلى هذه! آل، قرّب ذلك المشعل أكثر!» هتفت ويكووكِت مشيرةً.
«ماذا، ألم تعد عيناكِ تعملان كما ينبغي؟» مازحها آلُ، منحنياً ليقرّب الضوء.
«إنهما بخير، لكن مزيدَ الضوء يعين على ألا يبدوَ كلُّ شيءٍ مجرّد 'أرضٍ' في الظلام،» قالت. «انظر! أتلك آثارُ أقدام؟»
كانت أشكالُها تكاد تشبه آثارَ أقدامٍ بشريّةٍ حافية، لكنها أكبرُ ومختلّةُ التناسب، عَقِبُها أصغر، ومقدَّمُ القدم والأصابعُ أعرض. تبِعت الآثارُ البُقعَ الداكنةَ إلى المدخل وعبر الرِّواق، تحت الباب المغلق في الجهة الأخرى. تبِعت ويكووكِت هذا الأثرَ بحماسة، والآخرون يتعقّبونها من خلفها، وإن توقّف آلُ لحظةً لينتزع ما تبقّى من شموع الخادم الميت من الشمعدان، مفترضاً أنه قد يحتاج إلى إضاءةٍ طارئةٍ لاحقاً.
وإذ عجزت عن كبح فضولها، دفعت ويكووكِت البابَ ففتحته شاردةً. فتسرّبت نتانةُ العَفَن على الفور إلى الرِّواق.
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion