Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 30
كشف ضوءُ مشعلِ آل أنّ الغرفة كانت يوماً للاستحمام. جثم حوضٌ في وسطها، وقد غطّى قاعَه غشاءٌ متخثّرٌ هُلاميٌّ داكنٌ نتِنُ الرائحة. وكانت ثمّة مرآةٌ بطول القامة، قادهم إليها أثرُ البقع قبل أن يمضيَ نحو الحوض. وقد خطّطت الدماءُ الجافّة المتقشّرة على المرآة آثارَ بصماتِ أكُفٍّ مُلطَّخة. وعلى غرار آثار الأقدام التي كانوا يتتبّعونها، بدت بصماتُ الأكفّ آدميّةً تقريباً.
«هذه ليست البصماتِ نفسَها التي رأيناها في القرية، أليس كذلك؟» سأل آل. «تلك بدت أشبهَ بذئبٍ أو دُبٍّ من نوعٍ ما، أليست كذلك؟»
«بلى، كذلك بدت،» أكّد بوته. «فلعلّ ما نراه هنا لا صلةَ له بالوَحش الذي نطارده؟»
«أو لعلّ الوَحش نما وتبدّل مع مرور الزمن؟» تكهّن آل.
«أو لعلّ الوَحشَ الذي نحن في إثره سليلُ سلالةٍ طويلةٍ من الوحوش، تدهورت وتشوّهت من أجيالٍ من زواج الأقارب، كما هي حال العائلات المالكة!» اقترحت ويكووكِت. «أعني، لا العائلةَ المالكةَ الكازوسيّة بالطبع، بل في أماكنَ أخرى،» صحّحت لنفسها بحرصٍ وبقليلٍ من السخرية لا أكثر.
«إذن، فأيّاً كان ما قتل الخادم، فقد دخل إلى هنا وحاول أن يغسل الدم في الحوض؟» أمعن آل النظرَ في الحوض بقدر ما استطاع دون أن تغثيَ نفسُه. «لم يبقَ الكثير الآن، لكن كيف بقيت فيه أيّةُ رطوبةٍ بعد كلّ هذا الوقت الذي استغرقه تحوّلُ البقايا إلى هيكلٍ عظميٍّ خالص؟»
«أظنّني أرى بعض البقع الأفتحِ لوناً تبتعد عن الحوض عائدةً نحو الباب،» قالت ويكووكِت وهي تجثو على ركبتيها لتُمعن النظر في الأرضية.
«أيمكنكِ أن تتبعيها خارجاً؟ فأنا أودّ أن نغادر ونغلق الباب في أسرع وقتٍ ممكن،» ألحّ آل. كانت الرائحة تغدو لا تُطاق. وكان بوته قد انسحب من قبلُ إلى الرِّواق، حتّى غرَنتِل بدا وكأنّه يحاول ألّا يتنفّس بعمق. وبدا أنّ ويكووكِت توافقهم الشعور، فقادتهم عائدةً إلى الرِّواق وحول المنعطف في الاتّجاه الذي لم يستكشفوه بعد. أغلق آل باب الحمّام خلفهم، ثمّ أسرع مبتعداً عن النَّتانة. ولحق بالبقيّة وهم يتوقّفون أمام بابٍ مزدوجٍ في منتصف الرِّواق. وعلى غرار أبواب الحِصن الأمامية، كان من خشب البلّوط المُطوَّق بالحديد. وكانت في هذا الباب سلسلةٌ من الثقوب الصغيرة ترسم شكلاً، وكأنّ شيئاً زُخرفيّاً كان مسمَّراً عليه يوماً. وأشبَه الشكلُ الرسمَ الذي رأوه على الرايات عند المدخل.
وقبل أن يتسنّى لآل أن يقترح دفعَ أحد البابين بحذر ليريَا إن كان بمقدورهما إلقاء نظرةٍ إلى الداخل، التفت غرَنتِل ناظراً إلى أبعد في الرِّواق، حيث كان ثمّة بابٌ أصغر في نهايته في الجدار المقابل. ارتجفت أُذناه، واستنشق الهواء.
«ما الأمر؟» سأل آل بصوتٍ خافت.
«طعام!» كاد غرَنتِل أن يهمس بها، وهو يتسلّل بهدوءٍ في الرِّواق. هزّت ويكووكِت كتفيها لآل، ثمّ تبعت غرَنتِل بالهدوء نفسه.
«أظنّ أنّهما لو سمعا شيئاً، فما كنّا لنرغب في تركه خلفنا على أيّ حال،» قال بوته بلطف. «على الأقلّ يحاول كلاهما هذه المرّة ألّا يُحدثا ضجّةً كبيرة.»
«أظنّ ذلك. ويكووكِت صغيرةٌ خفيفة، فمن المعقول تماماً أن تقدر على الحركة بهدوء. لكنّي ما زلت لم أعتَد رؤيةَ ذلك من كائنٍ بحجم غُنولٍ. أحسِب أنّ الأفضل أن ندع المتسلّلَينِ يلقيان نظرةً خفيّةً قبل أن نجلجلَ نحن بخطواتنا الصاخبة إلى هناك.»
بدا أنّ غرَنتِل وويكووكِت تبادلا نقاشاً قصيراً صامتاً حول مَن ينبغي له أن يدفع الباب، نقاشاً بدا أنّ ويكووكِت فازت به. وإذ جثمت وعيناها عند الشَّقّ لتنظر من خلاله، فتحت الباب ببطء. ثمّ ارتسمت على وجهها خيبةٌ وانزعاجٌ طفيفان، بينما ابتسم غرَنتِل ابتسامةً عريضة واندفع فجأةً إلى داخل الغرفة.
«مجرّد جرذانٍ ضخمة،» تذمّرت ويكووكِت. وانبعث من داخل الغرفة صريرٌ وصياحُ فزعٍ عميقان على نحوٍ غير متوقّع، مصحوبَينِ بصوت ارتطامٍ واحدٍ لجسمٍ ثقيلٍ بلحمٍ وعظم. هرول آل وبوته لينظرا ما يجري.
بدت الغرفة مطبخاً. كانت الخزائن حول الغرفة كلّها مفتوحةً على مصراعيها وخاليةً في معظمها. وتناثرت على الأرض شظايا من الفخّار. وكانت على الأرض بضعُ قصاصاتٍ من اللحم المجفَّف، قبضت أسنانُ ما كان ليبدو جُرَذاً عاديّاً لولا أنّه بحجم كلبٍ على قطعةٍ منها. وقد سُحقت جمجمتُه سحقاً فوضويّاً على الأرض.
كانت بضعةُ جرذانٍ عملاقةٍ أخرى تفرّ نازلةً عبر بابٍ أرضيٍّ مفتوحٍ في الأرض، رأوا من خلاله دَرَجاً خشبيّاً يهبط إلى الأسفل. وفي الجدار موقدٌ باردٌ منذ أمدٍ بعيد، وإلى جانبه كومةٌ صغيرةٌ من الحطب المُغبَرّ.
أعاد غرَنتِل تعليق المِخبَط على حزامه.
«أنطبخه؟» سأل مشيراً إلى الكائن الجُرَذيّ المهشَّم الرأس.
كبَح آل تعبيرَ اشمئزازٍ. «لا وقتَ لذلك،» أجاب. وندِم على قوله فوراً إذ رفع غرَنتِل الكائنَ عن الأرض، ورأسُه ينضح، وعضّ ساقَه الأمامية.
أشاح بوته بنظره وشقّ طريقه عبر المطبخ نحو الدَّرَج. «ليس الأمر كأنّه كان إنساناً،» غمغم لآل بهدوء، «هذه ببساطةٍ سُنّةُ الطبيعة. الطبيعةُ البشعةُ الفوضويّة.»
تحرّك آل ليتبع بوته، وإن لم يملك في الخطوات الأولى إلّا أن يحدّق بافتتانٍ مَرَضيٍّ بينما راح غرَنتِل ينهش الساقَ الأمامية حتّى فصلها وبدأ يلتهمها بصخبٍ، بعظامها وكلّ ما فيها. وأشاح آل بوجهه حين مدّ غرَنتِل بقيّةَ الجُرَذ عارضاً إيّاها على ويكووكِت التي بدت أقلَّ رعباً من آل بقليلٍ لا أكثر.
«أرجوكما ألّا تأكلاه بأكمله، لا وقتَ لدينا للتسلية بالطعام. سنمضي قُدُماً ونلقي نظرةً في الأسفل. وسأكون ممتنّاً لو كنتما هناك تسانداننا إن كان في الأسفل شيءٌ مروّع.»
ومحاولاً تجاهلَ صوت تكسُّر العظام والمضغ خلفه، جثا آل ومدّ المشعل نازلاً به عبر الدَّرَج. كان شديد الانحدار، ويهبط نحو عشرة أقدام. وكانت جدران القَبو وأرضُه من حجرٍ خشن. واستطاع آل أن يرى بعض البراميل مضجَعةً على جوانبها بمحاذاة الجدار إلى حيث بلغ ضوءُ مشعله. وبدا كأنّ شيئاً يتسلّل ضاغطاً عبر الفجوات بين البراميل، ورجا آل أن يكون للجرذان الضخمة جُحرٌ من نوعٍ ما خلفها تتراجع إليه.
«إن كنتَ تفضّل، فسأنزل أنا أوّلاً. لا يختلف هذا كثيراً عن دياري بالنسبة إليّ، عدا عن عمل البناء المُهمَل هنا،» عرض بوته.
«نعم، لكنّي سأكون خلفك مباشرةً.»
نزل بوته، وآل خلفه مباشرةً. كان القَبو خالياً في معظمه، عدا البراميلَ المرصوصة بمحاذاة الجدار على أرض الحجر الباردة. والتهبت جيوبُ آل الأنفية من أبخرةٍ كحوليّةٍ برائحة البلّوط تعلّقت في هواء القَبو الراكد.
«حسناً، نعرف على الأقلّ إلى أين نأتي إن عطِشنا،» علّق بوته.
«أو إن أردنا أن نحرق المكان بأكمله. أرواحُ الجِعة تصير شديدةَ الاشتعال متى قُطِّرت بما يكفي. وإن حكمنا بالرائحة هنا، فالأرجح أنّ كلّ ما في تلك البراميل قد قُطِّر عدّة مرّات، فمن المرجَّح أن يشتعل بسهولةٍ لو سكبنا شيئاً منه.»
نزلت ويكووكِت الدَّرَج. التفت آل لينظر فرآها تمضغ متأمّلةً وعلى وجهها نظرةُ اشمئزازٍ طفيف. ورأته ينظر إليها في ذهول.
«كان لا بدّ لي أن أجرّب قطعةً صغيرةً على الأقلّ. الحقّ أنّها ليست بالسوء الذي ظننته. بل قد تكون طيّبةً حقّاً لو طُبِخت وتُبِّلت كما يجب. واو، رائحةُ المكان أشبهُ بحفلةٍ! أهذا هو الصِّنف الجيّد؟»
«يعتمد على مَن صنعه.»
انحنى آل مقترباً ليفحص البراميل. كانت خاليةً تماماً من أيّ علامةٍ لصانعٍ. ومشى على طول صفّ البراميل حتّى إذا بلغ منتصفه، وجد رقعةً من الرَّقّ مسمَّرةً على قمّة أحدها. حملت ختمَ خزانة كازوسيا الملكية، وشهدت بأنّ ضرائب محتويات هذه البراميل قد دفعها... أحدُهم. أمّا المكان الذي كان يجب أن يُكتَب فيه الاسم فكان فارغاً تماماً.
كان التاريخ المدوَّن على الشهادة قبل ما يزيد قليلاً على سنة.
«هذا غريبٌ جدّاً. ألقِ نظرةً على هذا،» قال آل.
«لا،» أجاب بوته وهو يحدّق بإمعانٍ إلى أعمق في القَبو، «أظنّ أنّ عليك أن تنظر إلى هذا أوّلاً.»
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion