Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 31
نهض آل ومدّ المشعل. كان الطرف الآخر من القَبو محجوزاً جزئيّاً بجدار، فيُشكّل حجرةً منفصلة. وفي الضوء الخافت عند حافّة بصره، لمح بغموضٍ أشياءَ متناثرةً على الأرض. اقترب حتّى استبان له المشهد، ثمّ توقّف على الفور.
في الحجرة التالية، رُسِمت على الأرض دائرةٌ سحريّةٌ بلونٍ بُنّيٍّ محمرٍّ داكنٍ يُوحي بالدم الجافّ. وقد وُسِم جوفُها بنجمةٍ خماسيّة، عند أركانها شموعٌ سوداءُ ذائبةٌ جزئيّاً. وإلى جانب أربعٍ من الشموع كُتَلٌ لحميّة، أدرك آل مذعوراً أنّها قلوب.
وداخل النجمة الخماسيّة هيكلٌ عظميٌّ بشريٌّ يرتدي رداءً أرجوانيّاً فاخراً مُطرَّزَ الحواشي بالذهب، وقد رُتِّبت ذراعاه وساقاه ورأسه بمحاذاة رؤوس النجمة الخماسيّة.
«لا تلمسوا أيّاً من ذلك،» حذّر آل الآخرين، «وابقوا بعيداً عن حافّة الدائرة. لم يتسنَّ لي وقتٌ كافٍ لدراسة هذا الضرب من الأمور، ولا سبيل إلى معرفة أيّ فظائعَ قد تقع إن عبثنا بشيءٍ منها. أو أيّ فظائعَ قد وقعت بالفعل.»
انحنى الثلاثةُ يقتربون بقدر ما تجرّأوا ليُبصروا أفضل. بدت في الكُمّ وفي الجانب الأيمن من الرداء تمزّقاتٌ ملطَّخةٌ بدمٍ قديم. وكانت عدّةُ عظامٍ من اليد اليمنى مفقودةً، وبدا بعضُ ما لم يُفقَد منها مكسوراً.
«لا أستطيع أن أجزم بما كان يجري هنا. لا أعرف أكانت... هي؟... قرباناً لمن لا أدري، أم موضوعَ أيّ طقسٍ كان يُقام هنا، أم مجرّد جزءٍ من التعويذة نفسها،» لاحظ آل. «هل لدى أيٍّ منكما أدنى فكرةٍ عمّا يكون هذا؟»
«أمورُ شامان،» جاء صوتُ غرَنتِل غيرُ المتوقَّع من خلف آل، فاستدار لا إراديّاً ليجد نفسه في مواجهة قطعةٍ دمويّةٍ من فَخْذة جُرَذٍ عملاقٍ يمدّها إليه غرَنتِل. «شامان يأخذ نصيباً من الطعام إن شاء شامان.»
ضحكت ويكووكِت. «مهلاً، أنا أكلتُ بعضاً منه، وحقّاً ليس بذلك السوء! هيّا جرّب قطعةً!»
قرّر آل أنّ أقلّ المتاعب أن يقبل التحدّي. فاستلّ سكّينه وقطع من الفَخْذة قطعةً من اللحم بحجم ظُفر الإبهام.
«شكراً لك يا غرَنتِل،» قال. ثمّ، وهو يثبّت نظره في ويكووكِت نظرةً صارمةً متحدّية، وضع قطعة اللحم في فمه، ومضغها، وابتلعها.
افترض أنّ ليس بالسوء المتوقَّع أقصى ما يمكن أن يرجوه، وهذا ما ناله.
«وأنت يا بوته؟» عرض، ناقلاً التحدّي إليه.
«الجُرَذ العملاق لذيذ الطعم مغذٍّ في الحقيقة،» أجاب بوته، «لكنّي لا آكله إلّا مطبوخاً كما ينبغي. ومع ذلك، أقدّر أنّه عُرِض عليّ.»
اختفى ما تبقّى من الجُرَذ في فكّي غرَنتِل بأصواتِ تهشّمِ عظامٍ رطبة، وابتُلع سريعاً.
«أفترض أنّك لا تعرف شيئاً عن هذا، أليس كذلك؟» سأل آل غرَنتِل مشيراً إلى الدائرة السحريّة.
رمقها غرَنتِل بعينٍ مرتابة.
«فيها كلمات شامان سحريّة واسم.»
فوجئ آل. «أيّ اسم؟» سأل.
«لا أعرف مَن يكون. أعرف فقط أنّه اسم. شخصٌ مهمّ.»
«مثل الأصوات من أطقم الدرع تلك؟ تفهمه لكنّك لا تستطيع قراءته؟»
نخيرٌ.
«أهو اسم المرأة الميّتة هنا؟ أم اسم شخصٍ آخر؟»
«لا أعرف.»
«همم.»
تأمّل آل بلا طائل، وأطلق تنهيدةَ استسلام. «أظنّ أنّنا لن نتبيّن شيئاً آخر هنا الآن، إلّا إن كان ثمّة شيءٌ مخبّأٌ لعلّه.»
«لا أظنّ أنّ هناك ما يُكتشَف غيرَه،» أكّد بوته، «فبناءٌ مُهمَلٌ كهذا لا يُحسن إخفاء شيء. لا أرى ما يوحي بأنفاقٍ سرّيّةٍ أو أحجارٍ أكثرَ تخلخلاً من سواها.»
«أنتركه هكذا على حاله؟ ربّما ينبغي أن نتخلّص من كلّ هذا،» قالت ويكووكِت وهي تنظر بارتيابٍ إلى الهيكل العظميّ المُمدَّد في النجمة الخماسيّة. «للأسف، الرداء أطولُ منّي بكثير.»
«لا أظنّها فكرةً جيّدةً على أيّ حال،» قال آل، «فأنا لا أعرف عن هذه الأمور ما يكفي لأجزم أهي تُبقي شيئاً محبوساً في جوفها ميتافيزيقيّاً أم لا. فإن كانت كذلك، فكسرُ الدائرة سيُطلقه، وذلك على الأرجح سيكون بالغَ الخطورة علينا.»
بدا أنّ ذلك حسم الأمر. وبعد قليلٍ من النقاش، قرّروا العودة إلى الطابق العلويّ ومواصلة بحثهم. حاولت ويكووكِت أن تقنعهم بأن يقضوا بضع دقائق في نزع سدادة أحد البراميل وملء إحدى قوارير جُرعاتهم الفارغة بأرواح الجِعة منه، لكنّ آل ثناها عن ذلك.
صعِدوا الدَّرَج خارجين من القَبو ومرّوا عبر المطبخ، بجانب كومةِ جلد الجُرَذ العملاق المُلقاة بإهمال، والأحشاءِ الأقلّ مذاقاً على ما يبدو، وبضعةِ عظامٍ تبقّت من وجبة غرَنتِل الخفيفة. وعادوا إلى الرِّواق فوقفوا مرّةً أخرى أمام البابين المزدوجين. طلب آل بهدوءٍ من غرَنتِل أن يتنصّت على أيّ حركةٍ في الجهة الأخرى، وأخضعتهم ويكووكِت لفحص السلامة المعتاد. وأشار كلاهما إلى أنّ الأمور تبدو آمنة، فدفع آل أحد البابين. فانفتح بشيءٍ من الجهد.
كان في الداخل قاعةُ وليمةٍ كبيرة. تصدّرَ الغرفةَ مائدةُ طعامٍ ضخمةٌ تحيط بها ثمانيةُ كراسيَّ كبيرةٍ متينة، كُسِر بعضُها وتناثرت قطعُه في الجوار. وكانت على المائدة بضعةُ أطباقٍ متشقّقةٍ في مواضعَ لا تتوافق تماماً مع الكراسي. كُوِّمت عليها عظامٌ بدت وكأنّ شيئاً ما نهشها نهشاً تامّاً. ونمت بُقَعُ عفنٍ على قصاصات اللحم الضئيلة التي ما زالت عالقةً بالعظام. ووقفت شموعٌ غيرُ مضاءةٍ في صفٍّ على طول منتصف المائدة. ولاحظ آل عدّةَ مشاكيَ للمشاعل حول الغرفة، بعضُها فارغٌ وسائرُها يحوي ما تبقّى من مشاعلَ عاديّةٍ احترقت تماماً. وفي الركن البعيد من الغرفة، امتدّ دَرَجٌ حجريٌّ بمحاذاة الجدران إلى الطابق العلويّ من الحِصن.
خلف المقعد الذي يتصدّر المائدة كان ثمّة موقد، يعلوه ما جرت العادة أن يكون شعارَ النبالة الخاصّ بمن يحكم الحِصن. أمّا التُّرس الذي كان الشعار ليُرسَم عليه فكان أجردَ باهتاً من قلّة الصَّقل. وتصالب سيفان طويلان خلف التُّرس، ولاحظ آل أنّهما يبدوان سيفَينِ حقيقيَّينِ لا زُخرفيَّينِ، وإن كانا بحاجةٍ إلى صَقلٍ وسَنّ.
غير أنّ أبرز ما في الغرفة كان الصُّوَرَ الشخصيّة. فإلى يسار الموقد صورةٌ شخصيّةٌ تكاد تكون بحجم الحقيقة لنبيلٍ شابٍّ ممتلئ الجسم قليلاً، يرتدي ثياباً تبدو باهظة، متّخذاً وضعيّةً ينظر بها إلى الرائين بتعبيرٍ متعجرف. وقد تدلّت ذراعه في تملّكٍ على كتفَي امرأةٍ شابّةٍ بارعةِ الجمال لكن يعلوها الضجر، ترتدي رداءً من نسيج الذهب. وحملت شريحةٌ من المعدن الذهبيّ في أسفل الإطار عبارة: «والبارونة جوليا». وكان النقش مُزاحاً عن المنتصف، يسبقه فراغٌ كبيرٌ ويتبعه بعضُه، وكأنّ النقّاش نسي أن يملأ بقيّة الأسماء.
وعلى الجانب الأيمن من الموقد، أظهرت الصورةُ الأخرى رجلاً أكبرَ سنّاً يرتدي ثياباً مطابقةً لثياب الصورة اليُسرى، لعلّه سلفٌ للنبيل، أو صورةٌ متأخّرةٌ للرجل نفسه. عبس الرجل في هذه غضباً، وأشاح بعينيه. وكان في هذا الإطار أيضاً شريحةٌ معدنيّةٌ ذهبيّة، لكنّها كانت ملساءَ خاليةً.
كانت الصورتان ممزّقتَينِ تمزيقاً شنيعاً، كأنّما بمخالب.
«أيّاً كان هذا الرجل المجهول الاسم، فالوَحش ليس راضياً عنه كثيراً، أليس كذلك؟» لاحظ بوته.
«ربّما يغار من البارونة جوليا هناك، فيبدو أنّ الجزء الخاصّ بها من الصورة نجا من أسوأ التمزيق،» قال آل.
«حسناً، من الواضح أنّ البارونة جوليا هي الأميرة الوَحش المخطوفة!» تكهّنت ويكووكِت بمرح.
أدار آل عينيه. «أو المرأة الميّتة في القَبو. لا تبدو وحشيّةً على نحوٍ خاصّ، أليس كذلك؟»
«الأرجح أنّ ساحراً شرّيراً مسخها. إنّهم يفعلون هذا الضرب من الأشياء. وستنتظر قبلةَ حبيبها الحقيقيّ لتحرّرها من لعنتها وتُعيدها إلى ذاتها الفاتنة ذات الأنياب والمخالب!»
«نعم، انظري، ثمّة عدّةُ مشكلاتٍ في تلك الفكرة. أوّلاً، أظنّ أنّ كونها ميّتةً منذ زمنٍ بعيد يتجاوز مجرّد لعنةٍ بكثير. ثانياً، تلك الحكايات تقتضي عادةً أن يكون الحبيب الحقيقيّ المزعوم طاهرَ القلب. أعني قلوبَهم هم، لا القلوبَ التي انتزعوها من ضحايا أبرياء ليستخدموها في طقسٍ سحريٍّ مروِّعٍ ما. وهذا لا يبدو لي سلوكَ طاهري القلب.»
رمقت ويكووكِت آل نظرةً متحدّية.
«أراهنك على قطعةٍ ذهبيّةٍ أنّ البارونة جوليا هي ما جاء الوَحش من أجله.»
ردّ آل نظرةَ ويكووكِت بنظرةِ تحدٍّ من عنده. «أقبل الرهان. لا ضمانَ أنّنا سنعرف، لكن إن عرفنا، فسيسرّني أن آخذ ذهبك حين يتبيّن أنّك مخطئة.»
وأُبرِم الرهان بمصافحةٍ حازمة.
«آه، أنا واثقةٌ أنّنا سنعرف قريباً،» قالت ويكووكِت. «هذا المكان ليس كبيراً إلى هذا الحدّ، وممّا رأيته في الخارج ليس فوق هذا الطابق سوى طابقٍ واحد. وما لم يكن الوَحش على السطح أو غائباً هذه الليلة، فالأرجح أنّنا سنصادفه هناك في الأعلى.»
«أتتوقّعين منه أن يشرح لنا ما يجري بدلاً من، آه، لا أدري، محاولة قتلنا وانتزاع قلوبنا؟»
«قد يفعل الأمرَينِ. وفي الحالتين، أظنّ أنّه سيخبرنا بطريقةٍ ما.»
رفع آل المشعل أعلى، وتتبّع بنظره الدَّرَجَ في ركن الغرفة صعوداً إلى الفتحة في السقف التي يُفضي إليها. ثمّ أجال نظره في السقف نفسه، ثمّ في الأرضية. خلع حقيبته ووضعها على المائدة. وتناول إحدى نُشّابتَي القوس اللتين ربط بهما وعاءً زجاجيّاً من زيت مُفرَط الفلوجستون، وتأمّلها مليّاً.
«آه، هل ستُجهّز عصاك السحرية النارية لتشويَ الوَحش حين نجده؟» سألت ويكووكِت بحماس.
ألقى آل نظرةً أخرى على الأرضية والسقف، ثمّ هزّ رأسه نافياً.
«لا، الأفضل ألّا أفعل. قد تكون الجدران من حجر، لكنّ الأرضية والسقف والأثاث كلَّها من خشبٍ عتيقٍ وقماش. أخشى إن كسرتُ وعاء النار الخيميائية هنا أن يحترق المكان كلُّه من حولنا. وقد أُغرى بفعل ذلك عن قصد، لكنّنا حينها سنُضطرّ إلى انتظار خمود النار وقضاء أيّامٍ في نبش الأنقاض بحثاً عن بقايا الوَحش لنتأكّد من زواله، وإن أفلت أو لم يكن هنا أصلاً، فقد يقتل مزيداً من الأبرياء قبل أن نعثر عليه ثانيةً. وفوق ذلك، هذا المكان قانونيّاً مِلكٌ لمن ولّته المملكة أمرَه، ولا نملك ثمنَ إعادة بنائه. ولستُ متأكّداً من عقوبتنا على إحراق حِصنٍ تملكه الحكومة، لكنّي لا أريد أن أعرفها بالتجربة الشخصية.»
«آه، أين حسّك بالمغامرة؟»
«في هذه اللحظة، هو يُصغي بصبرٍ إلى نصيحة حسّي بعدم الرغبة في أن أُقتَل وأُؤكَل أو أُحرَق. وهو يخبرني أيضاً أنّي إن احتجتُ يداً حرّةً لأستعمل صولجاني في فنّ السِّحر أو الدفاع عن النفس، واحتجتُ يداً لأحمل هذا المشعل كي أُبصر، فسأحتاج يدَينِ إضافيّتَينِ لأحمل هذا القوس النّشّاب. لذا، ليس عمليّاً حقّاً أن أُقحم قوساً نشّاباً في الموقف الآن.»
«لكن ماذا لو انتهى بك الأمر إلى الحاجة إلى نارٍ مفاجئةٍ رغم ذلك، على غير توقّع؟ أليس الأفضل أن تكون مستعدّاً؟»
«أنت فقط تريدين رؤية انفجارٍ هائلٍ من اللهب، أليس كذلك،» اتّهم آل ويكووكِت.
«حسناً... نعم. أولا تريد أنت؟»
«نعم، في الحقيقة، لكن ليس بينما سأكون أنا المحترق!»
«على الأقلّ أبقِ واحدةً في متناول يدك، تحسّباً. يمكنك دائماً أن تقذفها أو ما شابه،» توسّلت ويكووكِت.
رضخ آل.
«حسناً. واحدةٌ فقط. لكن، أُقسم إن احترقتُ حتّى الموت، فإنّ روحي المتفحّمة المتّقدة ستطاردك.»
«آه، كم هذا دراميّ! هذه أيضاً ستدخل في الحكاية!»
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion