Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 32
اتّفقوا جميعاً على أنّ ويكووكِت، لكونها أخفّهم وأصغرهم، ينبغي أن تصعد الدَّرَج أوّلاً في هدوءٍ لتستطلع ما حولها. وسيبقى غرَنتِل قريباً خلفها تحسّباً لأيّ خطبٍ يقع. أمّا بوته وآل فسيتبعانها حالما تُعرَف نتائج استطلاع ويكووكِت، في هدوءٍ إن بدا كلّ شيءٍ آمناً، أو بأسرع ما يمكن إن كان مكروهٌ يجري.
صعدت ويكووكِت الدَّرَجات واختفت في الفتحة المظلمة في السقف المؤدّية إلى الطابق التالي. وتوقّف غرَنتِل عند الدرجات العليا حيث يستطيع أن يُطلّ برأسه ليرى ما يجري. وبعد دقائق متوتّرة، عادت ويكووكِت إلى الظهور ونزلت، تاركةً غرَنتِل للمراقبة.
«حسناً، تبدو الغرفة في الأعلى خالية. مجرّد غرفة جلوسٍ، فيها كرسيّان وطاولة كان عليها نوعٌ من الألعاب. لقد قُلبت الطاولة على جنبها وتناثرت قطع اللعبة على الأرض كلّها، فأظنّ أنّ أحدهم خاسرٌ سيّئ الخُلُق»، هكذا أبلغت ويكووكِت في هدوء. «أرى ثلاثة أبوابٍ هناك، فأحسب أنّها غرفتان أو ثلاثٌ لا أكثر. ومن الغرفة الملاصقة تماماً للتي في الأعلى، أرى ضوءاً تحت بابها، وأظنّني أسمع شيئاً يتنفّس.»
من فوق، التفت غرَنتِل لينظر إليهم في الأسفل، وقد استدارت أذناه نحوهم. ونقر طرف خطمه.
«أظنّه يقول إنّه يشمّ رائحته»، فسّرت ويكووكِت. أومأ غرَنتِل وعاد ليراقب الغرفة في الأعلى.
«حسناً، يبدو إذن أنّ الوَحش هناك في الأعلى، وهو في غرفةٍ مضاءةٍ ذات بابٍ مغلق، فالأرجح أنّه لن ينتبه إن صعدتُ بهذا المشعل»، قال آل مُلخِّصاً.
«هذا صحيحٌ تقريباً»، أجابت ويكووكِت، «فالوهج تحت الباب يبدو بلون مشعلك المحمرّ نفسه.»
«إذن يمكننا أن نأمل على الأرجح أنّه لا يعلم بوجودنا بعد. علينا على الأقلّ أن نتجنّب إحداث ضجيجٍ كثيرٍ أو الكلام ما إن نصعد إلى هناك، كي لا يسمع قدومنا فنباغته في عَرينه.»
«إنّ ما سمعناه ورأيناه حتى الآن يكشف أنّ هذا الوَحش ليس حيواناً عاديّاً»، أشار بوته. «فما لم يكن هنا أحدٌ آخر لم نرَ له أثراً، فإنّ الوَحش قد حرص على إغلاق الأبواب خلفه. بل إنّه حاول أن يكلّم غرَنتِل. وليس مُستبعَداً أنّه قد لاحظ وجودنا فعلاً وأعدّ لنا كميناً أو فخّاً. ولعلّه يريد منّا أن نقتحم المكان فجأةً ليباغتنا على غِرّة.»
«ويكووكِت، قلتِ إنّ هناك أبواباً أخرى، فهل كان وراء أيٍّ منها ضوء؟» سأل آل.
«لا، الباب الواحد فقط.»
«جيّد، فيمكننا على الأقلّ أن نفترض على الأرجح أنّه ماكثٌ في الغرفة ذات الضوء، سواء أنوى أن يكمن لنا أم لا. يمكننا أن نركّز على ذلك المدخل.»
«حسناً إذن، بصفتك خبيرنا العسكريّ المُحنَّك»، داعبته ويكووكِت، «فما خطّة هجومنا؟»
«أفكّر في أن تصعدي أنتِ وغرَنتِل إلى الغرفة في الأعلى، وسنتبعكما أنا وبوته. وحالما نصير جميعاً هناك ونرى موضعنا، تتّخذين أنتِ وغرَنتِل موقعكما عند الباب في أهدأ ما تستطيعان. وستستطلعين ما حول الباب بقدر ما تقدرين قبل أن نفعل أيّ شيء، فإن رأيتِ ما يستدعي أن نتناقش فيه أوّلاً، أشِرتِ إلينا فنعود إلى هنا في أهدأ ما نستطيع.»
توقّف آل عند ذلك تحسّباً لأيّ اعتراض. ولمّا لم يكن ثمّة اعتراض، تابع.
«إن بدا كلّ شيءٍ آمناً بجلاءٍ بقدر ما نستطيع أن نجزم، وإن بدا أنّ الباب سينفتح، دفعنا الباب مفتوحاً بسرعةٍ وتأهّبنا للضرب، لكنّنا لا نندفع إلى الداخل. أظنّ أنّ لبوته وجهةَ نظرٍ سديدةً هنا. أرى أن نرى ما يفعله الوَحش ونضرب في اللحظة المناسبة. أمتّفقون؟»
وافقت ويكووكِت وبوته. أمّا غرَنتِل فنظر إلى الأسفل لكنّه تردّد في الاستجابة.
«علينا أن نتحرّك معاً لنُسقط الوَحش، فإن لم ننسّق كنّا في خطرٍ أكبر بكثير. أعلم أنّك متلهّفٌ لقتاله»، قال آل، فناله في المقابل ابتسامةُ موافقةٍ مجنونةٌ من غرَنتِل، «لكن لا تهاجمه حتى يتحرّك ليهاجمنا.»
حدّق غرَنتِل في آل، ثمّ رضخ متذمّراً، وأومأ على مضض. وعاد مرّةً أخرى ليراقب الغرفة في الأعلى. أخرجت ويكووكِت سيفها الرفيع وحملته صاعدةً الدَّرَج إلى الغرفة في الأعلى. وتبعها غرَنتِل صاعداً إلى الظلام.
«والآن سنرى كيف تتكشّف أدوارنا الصغيرة في هذا الجزء من الخُطَط التي لا تُوصَف»، أكّد بوته بثقة، وصعد الدَّرَجات بحذر. رفع آل المشعل بيده اليسرى وأخرج صولجانه بيده اليمنى، تحسّباً لأن يحتاج إلى الدفاع عن نفسه بالسحر أو بالقوّة الغاشمة، ولحق ببوته عندما بلغا أعلى الدَّرَجات.
كانت الغرفة في الأعلى كما وصفتها ويكووكِت، غرفة جلوسٍ مهيّأةٍ لساكنٍ ضجرٍ يلعب لعبةً أو يقرأ على الطاولة، لولا أنّ الطاولة كانت مُلقاةً على جنبها وقطع اللعبة مبعثرة. لاحظ آل مجموعةً أخرى من الدَّرَجات الحجريّة تمتدّ على أحد الجدران صاعدةً إلى مستوى آخر، هو سطح الحِصن على الأرجح. لوّحت ويكووكِت لتسترعي انتباههم عند مبدأ ممرٍّ في الطرف المقابل من غرفة الجلوس. أشارت إلى داخل الممرّ ثمّ اندسّت فيه في هدوء، يتبعها غرَنتِل صامتاً. مشى آل وبوته عبر الغرفة ببطءٍ تجنّباً للضجيج.
بالنظر إلى داخل الممرّ، رأيا غرَنتِل وويكووكِت أمام الباب الوحيد في الجهة القريبة. أصغى غرَنتِل إلى الباب بانتباهٍ شديد، وأذناه ترتعشان، بينما كانت ويكووكِت تتحسّس الحوافّ بحذرٍ بحثاً عن أيّ شيءٍ مريب. ولمّا لم تجد شيئاً، تمدّدت لتسترق النظر من تحت الباب. وأخيراً، أومأت إلى آل وبوته أن يقتربا في هدوء.
بينما كان يتقدّم بهدوءٍ في الممرّ نحو الباب، بدأ آل يسمع صوت تنفّسٍ مكتومٍ يأتي من داخل الغرفة. كان بطيئاً منتظماً، لكن يخالطه هديرٌ خافتٌ متقطّع. وتمنّى آل أن يكون ذلك مجرّد صوت شخير الوَحش. ارتسمت على وجه ويكووكِت أمارةُ حيرةٍ خفيفة، وأشارت لتُفهِم آل أن ينظر هو أيضاً من تحت الباب. جثا على ركبتيه في أهدأ ما استطاع، لكنّه تجمّد حين أحدث قميص الزَّرَد الذي يرتديه صوتاً خافتاً. أصغى آل تحسّباً لأيّ ردّ فعلٍ قبل أن يتابع، فربّما اضطرب التنفّس في الغرفة لحظةً وعلا الهدير قليلاً... لكنّ الصوت واصل انتظامه. أنزل آل نفسه بقيّة الطريق إلى الأرض وأغمض إحدى عينيه ليسترق النظر من تحت الباب.
كان من الصعب تبيّن التفاصيل عبر مجال الرؤية الضيّق، لكنّ آل ظنّ أنّه يرى في أقصى الغرفة قوائم قطعة أثاثٍ كبيرة، وحولها على الأرض قماشٌ ممزّقٌ وريشٌ متناثر. وفي وسط الغرفة كان ما بدا أنّه مشعلٌ سحريٌّ مماثلٌ للذي يحمله آل، مُلقىً على جنبه على الأرض، ولحُسن الحظّ لم يكن لهبه المحمرّ المُصطنَع يُحرق ألواح الأرضيّة ولا يُشعل الريش المتناثر القريب.
لم يستطع أن يرى أثراً لأيّ شيءٍ كان يتنفّس بذلك العلوّ من الصوت.
نهض آل بحذر، مُقطِّباً وهو يتخيّل أنّه يسمع الهدير في زفير ما في الغرفة يزداد علوّاً. تبادل نظرةً حائرةً مع ويكووكِت، مشيراً إلى مشعله، ثمّ إلى أسفل الباب، وهازّاً كتفيه. فهزّت كتفيها بدورها. راقب بوته بصبرٍ انتظاراً لأيّ قرار. أمّا غرَنتِل فقطّب بنفاد صبر، كاشراً عن أنيابه، وحكّت يده اليمنى، التي ما زالت مضمّدةً برفق، طوقه في اضطراب. وأشار بحركاتٍ ملحّةٍ للدفع نحو الباب، متلهّفاً للاندفاع إلى الداخل.
لا، ليس بعد! هزّ آل رأسه بقوّة، ملوّحاً بيديه. كان التنفّس يزداد ثقلاً وأصوات الهدير تعلو بلا شكٍّ من الجهة الأخرى للباب. اكفهرّ وجه غرَنتِل زمجرةَ إحباطٍ صامت، لكنّه عاد يعبث بالطوق. رفع آل يديه طالباً الصبر، ونظر إلى الآخرين ليتأكّد من أنّ انتباه الجميع معه.
حسناً، كيف أشرح هذا دون أن أنطق بكلمة؟
أشار آل إلى غرَنتِل، ثمّ إلى الموضع الذي يقف فيه غرَنتِل، ثمّ تهيّأ كأنّه على وشك أن يدفع شيئاً. أشار إلى ويكووكِت، ثمّ إلى موضعٍ إلى يسار غرَنتِل وخلفه مباشرةً. انحنى منخفضاً ممسكاً بصولجانه كأنّه مستعدٌّ للطعن به إلى الأمام. أشار إلى نفسه، ثمّ إلى الجدار المقابل عبر الباب وإلى يمينه. ثمّ إلى بوته، وأشار على امتداد الجدار المجاور للباب على بُعد نحو عشرة أقدام. ثمّ، أخيراً، استنشق بعمقٍ في أهدأ ما استطاع، وحاول أن يشرح الخطّة بالإيماءات وحدها.
غرَنتِل، قِف هناك عند الباب، وحين أُشير ادفعه مفتوحاً، ثمّ تتراجع أنت وويكووكِت على الفور. اجعل الوَحش يأتي إلينا بدل أن يندفع هو إلى الداخل. وبينما يحاول أن يعبر المدخل ليهاجم، لك يا غرَنتِل أن تكون عنيفاً معه كما تشاء، ولويكووكِت أن تطعنه وهو منشغلٌ بك. أمّا أنا فإمّا أن أتقدّم وأضربه على رأسه، وإمّا أن أستعمل السحر ضدّه إن احتجت. وسيكون بوته هناك حيث يمكنه أن يستنزل الحُظوة الإلهيّة أو الشفاء المُعجِز إن أُصيب أحدنا بأذىً بالغ. نبدأ عند إشارتي. أفهمتم؟
أو هذا على الأقلّ ما حاول أن يوصله. حدّق فيه الآخرون مليّاً. ثمّ مثّل غرَنتِل حركةَ دفع الباب وأمال رأسه متسائلاً.
لا أظنّ هذا ينجح. تنهّد آل في هدوء، لكنّه كبح نفسه، فعند ذلك الصوت أوحى صريرٌ خافتٌ من ألواح الأرضيّة بأنّ شيئاً كبيراً يغيّر موضعه داخل الغرفة، ولم يعد يُسمَع صوت التنفّس ولا الهدير. تجمّد الجميع، يراقبون الباب.
ولمّا لم يحدث شيءٌ بعد بضع ثوانٍ، أشار آل عائداً نحو غرفة الجلوس وإلى الرُّكن الذي فيه الدَّرَج، وبدأ يتراجع ببطءٍ في ذلك الاتّجاه. نظر الآخرون بعضهم إلى بعض، ثمّ بدأت ويكووكِت وبوته تتراجعان أيضاً.
نظر غرَنتِل جيئةً وذهاباً من الآخرين إلى الباب ثمّ عاد، ثمّ بدأ يتراجع هو أيضاً، بتردّدٍ ظاهر. وكان آل قد بلغ منتصف غرفة الجلوس حين بدأت زمجرةٌ غاضبةٌ من خلف الباب الذي غادروه للتوّ. وجاء من الممرّ صوت بابٍ يُشدّ مفتوحاً فجأةً، وتواصلت الزمجرة فوق ضجيج أقدامٍ مخلّبةٍ تخدش الأرض وهي تدفع شيئاً كبيراً في اتّجاههم.
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion