Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 33
تواصلت الزمجرة، صوتٌ مُركّبٌ ذو إيقاعٍ يشبه الكلام، لكنّه غير مفهومٍ البتّة عدا نبرة الإحباط والغضب البيّنة، تصحبه وقعُ أقدامٍ راكضةٍ تقترب. اندفع الوحش إلى مَرمى البصر خارجاً من الممرّ، واستدار ليواصل مسيره باتجاه آل، لكنّه تعثّر واقفاً حين رأى غرَنتِل متوتّراً مستعدّاً لملاقاة اندفاعه.
نظر الوحش إلى يد غرَنتِل المضمّدة ذات المخالب، ثمّ في عينيه. تشوّه وجهه الذئبيّ من شدّة الجَهد.
«أُويا...» انتُزِعت من حَلْق الوحش في هَدير.
قفز آل مذعوراً حين مدّت ويكووكِت يدها في تلك اللحظة لتضرب وِركه بقبضتها في إلحاح. أشارت إلى الوحش. حرّكت شفتيها بصمتٍ: جوليا، وعلى محيّاها زَهْوٌ.
«ليس الآن!» فحّ آل.
أدار غرَنتِل رأسه لينظر إلى آل، وكان وجهه غير البشريّ عسيرَ القراءة، لكنّه بدا لآل كأنّه يكاد يتوسّل الإذن بالهجوم. وقبل أن يتمكّن آل من التصرّف، عاد غرَنتِل سريعاً ليواجه الوحش، الذي تقدّم نحوه متردّداً.
بذل غرَنتِل ما في وسعه ليشدّ من صبره.
«أيّها المخلوق... العزيز...» قال، مركّزاً بشدّة على نُطقه، ويفرك طوقه بيده اليمنى، «...إنّه لَـ... مَبعثُ سرورٍ... أن... أراك... ثانيةً.»
لم يبدُ أنّ هذا إلّا شجّع الوحش، فأسرع. ظلّت مِشيته مترّددة، تكاد تكون اعتذاريّة، لا مُهدِّدة. أمسك غرَنتِل عن العنف الفوريّ حين بلغه الوحش، وإن ارتسمت على وجهه تكشيرةٌ حادّةٌ نابيّة، وراحت مخالبه القصيرة في يده اليمنى تعبث بإبزيم طوقه دون وعي.
توقّف الوحش، ورأسه الكبير يكاد يُحاذي رأس غرَنتِل رغم وقوفه على أربع. تبادل آل النظرات مع ويكووكِت وبوته. تأهّبوا جميعاً لمعركةٍ مميتةٍ قد تنشب في أيّ لحظة، لكنّ آل همس: «ليس بعدُ...»
ربّما لا يلزم أن ينتهي هذا بعنفٍ قاتل، تمنّى.
امتدّ مِخلبُ الوحش الأماميّ الأيسر ببطءٍ ليستقرّ على كتف غرَنتِل، مُمكّناً إيّاه من رفع نفسه ليضع مِخلبه الأماميّ الأيمن على كتف غرَنتِل الآخر. وواقفاً هكذا، نظر إلى أسفل في عينَي غرَنتِل.
«...نغاي... أُويريا» زفَرها بمقاطعَ مشوّهةٍ في جَهدٍ مؤلم. «نغاينغ.» ثمّ سقط إلى الأمام، ملتفّاً بساقيه الأماميّتين حول كتفَي غرَنتِل في عناقٍ تملّكيّ.
وإذ نضبت أعماقُ صبره الضحلة تماماً، غرَز غرَنتِل أسنانه في عنق الوحش الغليظ مع زمجرة، مُمزِّقاً رقعةً واسعةً من لحمٍ أجربَ متكتّل. وضاعت اللحظة المسالمة في الغضب، فزأر الوحش واندفع إلى أسفل لينهش كتف غرَنتِل بعُمقٍ بدوره.
«ساعِدوه!» صاحت ويكووكِت وهي تندفع إلى الأمام، منطلقةً من خلف غرَنتِل وقافزةً لتطعن بعمقٍ بين أضلاع الوحش. سمع آل بوته يشرع في ابتهالٍ إلى إنديسينا. وإذ خشِيَ أن يصعُب عليه الانضمام إلى المعمعة دون أن يعترض الطريق، سمح لنفسه باستحضار شظايا القوّة السحرية من جديد، وإرسالها منطلقةً إلى الوحش بين غرَنتِل وويكووكِت.
تلعثم مشعل آل وخَبا على نحوٍ مُنذر، فيما زأر غرَنتِل في تلهّفٍ ردّاً على الوحش. تنحّى مبتعداً، قابضاً على مِخبطه من حزامه، وأرجحه بسلاسةٍ إلى أعلى وإلى الداخل ليصفع جانب رأس الوحش. تحوّلت زمجرة الوحش الغاضبة إلى سُعالٍ متغرغر إذ تناثر الدمُ من فمه من جرّاء إصاباته الداخلية، لكنّه اندفع عائداً لينهش ساق غرَنتِل قبل أن يتمكّن من التراجع بعيداً عن متناوله. خدشت أنياب الوحش أخاديدَ عميقةً نازفةً عبر أسفل فخذ غرَنتِل.
اقتنصت ويكووكِت فرصتها، فأغمدت سيفها الرفيع بين زوجٍ آخرَ من الأضلاع في صدر الوحش، فخانته قوّته. ترنّح بضع خطواتٍ إلى الوراء ثمّ انهار على الأرض. تضاءل لهبُ مشعل آل حتى بات كضوء شمعةٍ بالكاد، وارتعش كأنّ الريح تهبّ عليه، متزامناً مع كلّ سُعالٍ أجشَّ رطبٍ يصدر عن الوحش المحتضر. وخَبا كذلك ضوءُ المشعل الآتي من غرفة الوحش.
بذل الوحش جَهداً أخيراً يائساً لكن عقيماً كي ينهض، فلم يُفلح إلّا في بضع تشنّجاتٍ واهنة. خُيّل إلى آل أنّه رأى اليأس في عينَي الوحش حين انطفأ ضوءُ المشعل مع آخر أنفاسه المتغرغرة.
انبعث على الفور صوتٌ كأنّه صوتٌ يصيح همساً من حيث سقط الوحش. خُيّل إلى آل أنّه لمح للحظةٍ وهجاً أحمرَ دوّاراً كالذي رأوه في الدرع، ثمّ دُفِع جانباً إذ ركض جسدٌ ضخمٌ بجواره في الظلام. زمجر غرَنتِل غضباً، وسمعه آل يركض مسرعاً متعقّباً الوحش، الذي سمعه آل يندفع بخَرَقٍ نازلاً على الدَّرَج.
«لا تدعوه يفرّ!» صاحت ويكووكِت بعزم، وسمع آل خطاها هي وبوته يتبعان غرَنتِل.
«مهلاً! لا أستطيع أن أرى!...» صرخ آل، لكنّ البقيّة كانوا قد نزلوا الدَّرَج بالفعل. تحسّس آل إحدى الشموع التي أخذها من شمعدان الخادم الميّت، وأمرها أن تُضيء. كان يسمع الآخرين يبتعدون خلف الوحش، خارجين من قاعة الطعام في الأسفل، وهو ينزل الدرج بأقصى ما يستطيع في ضوء الشمعة. ورغم تخلّفه، لم يجد حين خرج من قاعة الطعام صعوبةً في تتبّع خيوط الدم الطازج المتقاطر، وكان يسمع الآخرين عبر المطبخ وهم يطاردون الوحش نازلين إلى القبو. أحسّ آل بقشعريرةٍ حين أدرك أنّ الوحش... أو ما تبقّى منه... متّجهٌ نحو الدائرة السحرية التي وجدوها. تردّد صدى الصوت الهامس بصخبٍ في القبو فيما نزل آل الدرجات ليجد الآخرين مجتمعين أمام الحُجرة القصيّة. وباقترابه أكثر، صار بوسع آل أن يرى الوحش. كان واقفاً داخل الدائرة بين جُمجمة المرأة المفروشة هناك، والشمعة السوداء عند النقطة المقابلة على النجمة الخماسيّة. كان الدم يتقاطر في نبضاتٍ واهنةٍ من فم الوحش ومن الثقوب في صدره. تمايل وهو واقفٌ، كدُميةٍ مُعلّقةٍ بخيوط، وكانت عيناه نقطتين خافتتين متوهّجتين بالحُمرة. لم يتحرّك فمه، لكنّ الصوت كان يهمس بكلامه غير المفهوم من حَلْق الوحش دون أن تعوقه فقاقيع الدم المتقاطرة على الأرض.
«الشامان* قال ابقَ بعيداً،» قال غرَنتِل للوحش. ثمّ نظر إلى آل يلتمس التأكيد.
«ماذا يريد؟» سأل آل.
«يريدنا أن نُتمّ قتله.»
«مستحيلٌ قطعاً! ليس هكذا!»
تأرجح رأس الوحش مرتخياً لينظر إلى آل. تردّد صدى الهمسات في القبو بنعومةٍ هذه المرّة، تكاد تكون مُسترضية. لم يستطع فهم الكلمات، لكنّها استمرّت مدّةً كافيةً بإيقاعٍ ونبرةٍ أوحيا لآل بأنّه يحاول أن يشرح شيئاً.
«مثل ماذا؟» سأل غرَنتِل بصوتٍ عالٍ.
«ماذا؟» ردّد آل.
«يقول إنّه سيعطينا شيئاً. يقول إن مات الوحش هناك تمّت الصَّفقة التي عليه أن يفي بها واستطاع أن يرحل.»
أطلق الوحش هديراً هادئاً رطباً، أوّل صوتٍ عضويٍّ يصدر عنه منذ سقط في العراك في الأعلى. تبعت الهمسات الهديرَ من حَلْق الوحش مجدّداً.
«يقول إنّ الوحش يتعافى وعلينا أن نُسرع.»
لم يعد الدم يسيل من فم الوحش، وبالكاد كانت الثقوب في صدره تقطر. شعر آل أنّ كلّ ما يسعه فعله هو كسبُ الوقت. وعلى نحوٍ ملائم، قرّر أنّ بوسعه فعل ذلك بأن يشرح لماذا يماطل لكسب الوقت.
«نحن نتّفق على أنّ الوحش يجب أن يموت،» شرح آل لرفاقه، «لكن... حسناً، انظروا إلى هذا فحسب! من الجليّ أنّ هذا نوعٌ من طقسٍ قربانيٍّ مروّع! لسنا حَمقى، نعلم أنّه لا سبيل للجزم بما قد يفعله اشتراكنا في هذا بأرواحنا، أو أيّ كارثةٍ قد يُحمّلنا مسؤوليّتها!»
أنصت الوحش، وردّ الصوت الهامس.
«يريد أن يعرف ماذا تريدون أجراً لتساعدوا في قتله،» شرح غرَنتِل.
«وماذا لديك؟» سألت ويكووكِت.
«لا!» قاطع آل. «أنتِ بالذات ينبغي أن تعرفي ما يحدث لمن يعقدون صفقاتٍ مع... أشياءَ كهذه! ثمّة قصصٌ لا تُحصى عن هذا، وكلّها تتّفق على أنّ الثمن أكبر من أن يستحقّ!»
«حسناً، حسناً، مجرّد سؤال. سيكون الأمر أكثر إثارةً إن استطعتُ القول إنّه عُرِض علينا شيءٌ بالغُ القيمة فرفضناه.»
ترجم غرَنتِل الهمسَ المُلحّ الفارغ الصبر. «يظنّ أنّ واحداً منّا على الأقلّ يريد شيئاً حقّاً. يريد أن يعرف ما هو.»
«إليك ما سأقول،» قال آل آمِلاً، «إن أردتَ أن تفاوض، فلمَ لا تخرج من تلك الدائرة ونتحدّث في الأمر.»
كان مغزى هدير الوحش الغاضب وسيل الهمس الصاخب المهتاج واضحاً بما يكفي، لكنّ غرَنتِل ترجمه على أيّ حال.
«إنّه غاضبٌ لأنّكم لن تساعدوا، وهو يهدّدكم،» قال غرَنتِل ببرود، فيما غرز الوحش مخالب إحدى قوائمه الأماميّة في عنقه هو. «يقول إنّه سيفعلها بنفسه وستندمون على عدم المساعدة.»
راقب آل عاجزاً، لا يعرف سبيلاً للتدخّل سوى قتل الوحش على أيّ حال. مزّق الوحش أشلاءً من لحم عنقه، مزمجراً حتى لم يبقَ من حَلْقه ما يكفي لإصدار الصوت. تواصل ضحكٌ هامسٌ لا تُخطئه الأذن فيما ذبح الوحش نفسه أمامهم، عاجزاً عن الوقوف بعد الآن فارتمى مرتخياً على الأرض في بركةٍ من الدم آخذةٍ في الاتّساع. خَفَت الضحكُ الهامس إذ انفرج خَطمُ الوحش عن ابتسامةٍ بشعة.
أضاءت الحُجرة بوهجٍ قِرمزيٍّ مفاجئ إذ اشتعلت الشموع عند رؤوس النجمة الخماسيّة بلهبٍ أحمرَ داكن. ملأ الهمسُ الغرفةَ بترنيمةٍ مُكرّرة.
«واحد... لحم؟» ترجم غرَنتِل في حَيرة.
* الشامان: لقبٌ يطلقه غرَنتِل على ساحر العشيرة وصاحب الطقوس، أي القائد الروحيّ.
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion