Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 34
لِفَزَع المُتفرِّجين، أخذتِ القلوبُ الأربعةُ ولحمُ الوحش تتمدّد بأصواتِ خَضخضةٍ مُقزِّزة صوب عظام المرأة.
نظر آل إلى رفاقه في هَلَعٍ، يائساً باحثاً عن فكرة. كانت هذه إحدى تلك المشكلات النادرة التي اضطُرّ فيها آل إلى الإقرار بأنّ السحر سيكون الحلّ الأمثل، وأسِف لأنّه لا يملك منه ما ينفع في هذا الموقف.
«أيمكننا لمسه الآن؟» سأل غرَنتِل.
«لا تفعل! ليس من الآمن لمسه!» صاح آل، متمنّياً حقّاً لأوّل مرّة لو أنّه يعرف فعلاً كيف يقذف النار السحرية من أصابعه. ثمّ، إذ تذكّر توسّل ويكووكِت، انتزع نُشّابة القوس من حيث دسّها في حزامه.
«قلتُ لك!» صاحت ويكووكِت فيما قذف آل النُّشّابة نحو المشهد غير الطبيعيّ للحمِ القربانيّ اللزج وقد بدأ يبتلع العظام. ارتطمت قارورةُ الزيت المُفرَط الفلوجستون المربوطةُ بالنُّشّابة بأرض القبو الحجرية عند الحافّة الداخلية للدائرة تماماً، فتحطّمت لتبثّ ومضةً لاذعةً من نارٍ ساطعةٍ عبر كلّ ما في الداخل. توقّف الترنيم، وكاد الهمسُ يُصمّ أُذنَي آل بهذيانه الغاضب. مرّت من خلفهم هبّةُ ريحٍ مفاجئة إذ تلاشى كامل تشكيلِ الدائرة والنجمة الخماسية والشموع واللحم والمرأة الهيكلية، فلم يبقَ ظاهراً سوى عظام الوحش الجافّة في ضوء النار الخيميائية الآخذة في الخُبوّ ببطء.
«لعلّه من الخير أنّنا لم نُعِنْ في ذلك.» علّق بوته. لاحظوا الدم ينتشر على الأرض حول قدمَي غرَنتِل، ناضحاً من لحم كتفه وساقه المُمزَّق. توجّه بوته ليعتني بالإصابات.
«ماذا حدث للتوّ؟» سألت ويكووكِت.
«أظنّنا قاطعنا ما كان يحاول فعله... أليس كذلك؟» ردّ آل، ناظراً إلى غرَنتِل يلتمس التأكيد.
«كان يقول كلامَ الشامان*. ثمّ غضب لأنّ اللحم يحترق. قال إنّ عليه أن يُتِمّ... في الديار؟ قال إنّه سيعاقبنا إن وجدنا ثانيةً. ثمّ مزيدٌ من كلام الشامان.»
«عظيم.» قال آل. ثمّ سأل في حَيرة: «لحمٌ واحد؟»
اكتفى غرَنتِل بزمجرةٍ ردّاً، فيما ابتهل بوته إلى إنديسينا كي «تُصحِّح» إصابات غرَنتِل. استجابت ومضةٌ من ضوءٍ إلهيٍّ، تاركةً الجراح كأنّها تلتئم منذ وقتٍ. وقد فوجئ غرَنتِل فأعطى بوته زمجرةَ إقرارٍ هو الآخر.
ابتسم بوته. «لم أكن على يقينٍ أنّ ذلك سيكون مسموحاً. أهلاً بك في الخُطّة التي لا تُوصَف، يا صديقي الوحشيّ.»
«هل انتهى الأمر؟ هل انتصرنا؟ لقد هزمنا وحش اللحم الشيطانيّ لمأوى الدجاج، أليس كذلك؟» سألت ويكووكِت.
«وحش اللحم الشيطانيّ لمأوى الدجاج؟ حقّاً؟»
«لا بدّ له من اسمٍ مَهيب!»
في ضوء شمعة آل الخافت وآخر ومضات النار الخيميائية، بدت عظام الوحش كأنّ النملَ نظّفها تماماً وتُركت أعواماً في الشمس. مرّ غرَنتِل بجوار آل، تاركاً آثار مخالبَ دمويّةً في طريقه، وأمسك بأحد أضلاع الوحش. كسر طرفه وأدخله بين أضراسه الخلفية ليفلقه، لكنّه تفتّت إلى قطعٍ جافّةٍ حين فعل. تذمّر بخيبة.
«كان ينبغي أن أنهاك عن ذلك، أليس كذلك؟» سأل آل مُتسائلاً بلا انتظار جواب. «على أيّ حال، أظنّ ربّما... أنّنا انتصرنا حقّاً؟ من الصعب الجزم، ما زلتُ لا أفهم ما يجري هنا. علينا أن نتفقّد الأماكن التي لم ننظر فيها بعد، على الأقلّ لنتأكّد ألّا نترك خلفنا شيئاً خطيراً، ولعلّنا نجد بعض الأدلّة عمّا كان يحدث حقّاً. ثمّ يمكننا العودة إلى القرية وأخذ قسطٍ من الراحة، والرجوع غداً لفحصٍ أدقّ. يمكننا أن نحمل معنا جُمجمة الوحش دليلاً على موته. تلك هي العادة المتّبعة، أليس كذلك؟»
«يبدو ذلك ملائماً، ما دام أحدُنا سيرفعها فوق رأسه أمام القرويّين ويُعلن ها هوذا! قد قُتِل وحش اللحم الشيطانيّ لمأوى الدجاج!، أو ما شابه ذلك.» قالت ويكووكِت.
حملوا جُمجمة الوحش معهم إلى الأعلى وتركوها على المائدة في قاعة الوليمة فيما واصلوا تحرّيهم. أقنع آل الآخرين بالتعريج معه عائدين إلى غرفة الخادم لأخذ الشمعدان. أعاد الشموع التي كان قد أخذها إليه وأشعلها، فتحسّنت قدرة آل على الرؤية تحسّناً كبيراً.
عادوا إلى الطابق العلويّ إلى الغرفة التي جاء منها الوحش. تبيّن أنّها كانت غرفة نومٍ أنيقةً ذات يوم. كان السرير مُمزَّقاً، والريش من الحشيّة والوسائد منثوراً في أرجاء الغرفة. رقدت على الأرض ثيابٌ مُمزَّقةٌ كانت ثمينةً يوماً أمام خزانة ملابسَ مفتوحة، تحوي أطقماً إضافيّةً من قمصانٍ وسراويلَ فاخرة، إلى جانب مجموعةٍ من الأثواب الأنيقة بألوانٍ شتّى. أمّا المشعل السحريّ الغريب الآخر، الخامد المُظلم الآن، فما زال مُلقىً في وسط الأرض.
انجذبت ويكووكِت، بطبيعة الحال، نحو الصندوق الخشبيّ المُسنَد إلى الجدار، إذ أوحى القفلُ المُركّب فيه بوجود شيءٍ يستحقّ الحماية في داخله. قهقهت وهي تُخرج طقماً من أدوات فتح الأقفال. وفيما جال آل وبوته وغرَنتِل في الغرفة يفحصون السرير والخزانة (ويشمّهما أحدُهم)، سبَرت ويكووكِت بعنايةٍ آليّة القفل في الصندوق. لم يجدوا شيئاً يُذكر سوى مزيدٍ من الثياب الأنيقة جدّاً التي بدت لشخصٍ أصغر قليلاً من آل، وقَصريّةٍ قديمةٍ لم تُفرَّغ تحت السرير، حين أفزعتهم جميعاً صيحةُ ويكووكِت.
«فَخّ!»
تجمّد الجميع، لكنّها كانت صيحةَ ابتهاجٍ لا صرخةَ تحذير. «ثمّة فَخٌّ حقيقيٌّ في القفل! أشياءُ كهذه في قصصٍ لا تُحصى لكنّني لم أرَ واحداً من قبل قطّ! هذا رائع! قفلٌ مُفخَّخٌ حقيقيّ! آه، لا بدّ أنّ ثمّة شيئاً طيّباً هنا!»
زفَر آل ببطءٍ وحاول أن يسترخي. «أرجوكِ لا تُفزعينا هكذا. لقد كانت ليلةً شديدة التوتّر. أهو فخٌّ سينطلق ويقتلنا جميعاً وأنتِ تعبثين به؟»
«لا أعرف بعد! لكن، انظر، ثمّة إبرةٌ صغيرةٌ هنا موصولةٌ بآليّةٍ ما في الداخل. ربّما تطعن كلّ من يعبث بالقفل، ربّما تنطلق إلى الخارج، ربّما تنطلق إلى الداخل فتثقب كِيساً من غاز سامٍّ أو حمضٍ أو ما شابه... قد تكون أشياءَ من كلّ نوع! أليس هذا مثيراً؟»
تطلّب الأمر بعض الإقناع، لكنّ آل وبوته تمكّنا من حَمل ويكووكِت على تأجيل العبث بآليّة القفل، بأن وعداها بأنّ في وسعهم حمل الصندوق كلّه معهم حين يرحلون. لم يبدُ أنّ لغرَنتِل رأياً في الأمر، فقد تثاءب وبدا كأنّه يفكّر فيما إذا كان سيأخذ قسطاً من الراحة على السرير المُحطَّم.
«فلنواصل التحرّك، بقي لدينا القليل لنتحرّاه، وقد نصادف شيئاً آخر يتعيّن علينا قتاله.» قال آل، باذلاً بعض التحفيز. فناله في المقابل زمجرةُ إقرارٍ وابتسامةٌ عريضةٌ هادئةٌ راضية.
حسناً، فكّر آل في نفسه، يبدو أنّ قدراً كافياً من العنف يُهدّئه فعلاً بعض الشيء. من الجيّد معرفة ذلك.
أفضى الباب المقابل لغرفة النوم عبر الرَّدهة إلى غرفة مطالعةٍ خاصّة. جلس كرسيٌّ وثيرٌ بالغُ الوثارة أمام جِلدٍ محفوظٍ لوحشٍ سنّوريٍّ غريبٍ صُنِع منه بِساط. وقد ترك المُحنِّطُ الذي صنعه الرأسَ ذا الأنياب والمخالبَ موصولةً به. عرَف آل أنّه نمرٌ، من رسومٍ في كتابِ وحوشٍ في مكتبة عائلته. لا بدّ أنّ أحدهم دفع ثمناً باهظاً فيه، فكّر، إذ تعيش النمور في مكانٍ بعيدٍ ما، وكان عملُ الحفظ مُتقَناً بمهارة.
وحين تجاوز غرابة البِساط، لاحظ خزائن الكتب، ومكتبَ الكتابة وعليه حِبرٌ مسكوب، ومُجلَّداً مفتوحاً مقلوباً مُلقىً على الأرض تحته. أشار آل إلى الآخرين أن يدخلوا الغرفة.
«لا يبدو أنّ ثمّة شيئاً حيّاً هنا، إلّا أن تكون هناك فئرانٌ في وسائد المقعد أو ما شابه. هل لدى خبيرتنا في الدهاء أيّ رأيٍ فيما قد يكون خطيراً هنا؟» سأل آل.
«أنا؟» سأل غرَنتِل في المقابل. لم يكن آل متأكّداً إن كان يعني أنّه هو الخطير، أم يسأل إن كان هو «خبير الدهاء». كتم آل ضحكةً إزاء تلك الفكرة.
«كنتُ أسأل خبيرةَ الفِخاخ هناك.»
«حسناً، الكتب باهظة، لذا لا أتوقّع أن يمتلك أحدٌ هنا شيئاً ينفجر أو يشتعل، إلّا أن يكون لديه سببٌ ما ليريد إتلافها جميعاً. قد يمتلك أحدٌ كتاباً زائفاً في داخله شيء. أو ربّما...» أجابت ويكووكِت، وهي تستلّ سيفها الرفيع فيما خفَت صوتها. اندفعت عبر الغرفة لتطعن زاوية مكتب الكتابة. «أو ربّما الأثاثُ ليس أثاثاً بالمرّة!» بدت خائبةً حين لم يحدث شيء. «لكن، يبدو أنّ المكتب أثاثٌ حقّاً. ومع ذلك كان يمكن أن يكون مُحاكياً!» انتقلت لتنكز وسادة مقعد الكرسيّ، ثمّ جالت في الغرفة تنكز رفوف الكتب بأملٍ. حتى إنّها طعنت رأس بِساط جِلد النَّمِر، وبدت خائبةً لأنّ لا شيء من الأثاث قاوم.
«وماذا عن ذلك الكتاب المُلقى على الأرض هناك؟» حثّها آل. مشت ويكووكِت ووخزته هو الآخر، دون ردّ فعل.
«قصدتُ، أهذا نوعٌ من الخداع؟ كتابٌ زائفٌ فيه آليّةٌ ما القصدُ منها خِداعنا لنلتقطه؟»
جثت ويكووكِت وأمضت بُرهةً تفحصه. صدر صريرُ خشبٍ يُجهَد فيما تهاوى غرَنتِل على الكرسيّ أثناء ذلك. كان المُجلَّد مُثبّتاً بين لوحين خشبيّين مسطّحين، مربوطاً بتراخٍ عبر الصفحات بخيطٍ مبروم. لم تكن عليه علاماتٌ من الخارج، لكن كانت هناك قصاصاتٌ ورقيّةٌ صغيرةٌ ممزّقةٌ مبعثرةٌ على الأرض قريباً منه، مُلطَّخةٌ برشقات حبر.
«يبدو لي مجرّد كتاب.» أعلنت ويكووكِت أخيراً.
تنفّس آل الصُّعَداء. «أظنّنا نُفرط في التوجّس، ظللنا نقلق من الفِخاخ كما في القصص طوال الطريق هنا ولم تجدي سوى واحد.» انحنى والتقط الكتاب من على الأرض.
ثمّ صرخ إذ نشبت أنيابُ بِساط جِلد النَّمِر عميقاً في ربلة ساقه. انبعثت من البِساط الأصواتُ الهامسةُ المألوفةُ الآن فيما حاولت الأطرافُ أن تلتفّ حوله.
* الشامان: لقبٌ يطلقه غرَنتِل على ساحر العشيرة وصاحب الطقوس، أي القائد الروحيّ.
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion