Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 35
«يا هذا، لقد طعنتُك!» تذمّرت ويكووكِت مخاطبةً جِلد النَّمِر الذي تلبّسه الشيطان.
لم يدُم القتال طويلاً. سارع غرَنتِل إلى انتزاع البِساط عن آل ومزّقه بأسنانه، بينما استدعى بوته الضوءَ الإلهيّ الحارقَ عليه. وبلغ الغضبُ بآل مبلغاً جعله يلجأ فوراً إلى العنف السحريّ، فاستدعى شظايا القوّة السحريّة المعصومة. وإذ أصابت الجِلدَ الممزَّقَ المتفحِّمَ ارتجف، وانبثق الضباب الأحمر الدوّار من فم النَّمِر ليتبخّر ويتلاشى. ارتخى الجِلد. قضم غرَنتِل عليه قليلاً بعدُ ليطمئنّ، فيما أخرج بوته أدوات الإسعافات الأوّليّة وقارورةً من جُرعات الشفاء الخاصّة بقصر نوتاميمِك من أجل آل.
«ألا شفاءَ مُعجزاً للساحر؟» سأل آل من بين أسنانٍ مُطبَقة، فالعضّةُ في بطّة ساقه كانت عميقةً مؤلمة.
«بلغتُ حدَّ ما خُصِّص لي من السُّلطة السماويّة لمثل هذه الأمور اليوم، أخشى ذلك.»
«لكنّه الليل،» قال آل بوجهٍ جامد. «وعلى أيّ حال، هذا لا معنى له.»
«بالطبع لا معنى له. إنّه ممّا لا يُوصَف.»
تذمّر آل وهو يتناول من بوته قارورةَ المُنتَج اللبنيّ الواهبِ للصحّة وشربها حتى آخرها. توقّف نزيف ساقه وخفّ الألم، وإن لم تختفِ العضّة تماماً.
تبيّن أنّ المُجلَّد يوميّاتٌ من نوعٍ ما، وإن لم يكن ثمّة دليلٌ واضح على صاحبه. ومن دون أيّ تمهيد، كانت الصفحات الأولى مؤرَّخةً قبل أربع سنوات، ولم تكن سوى سِجلٍّ جافٍّ للضرائب المُحصَّلة والنفقات المُتكبَّدة. وبتقليب الصفحات سريعاً، استمرّت على هذا المنوال حتى بدأت الصفحاتُ المؤرَّخة قبل أقلَّ من سنتين تتضمّن ملاحظاتٍ خيميائيّة. وبالقفز إلى صفحاتٍ لاحقة، عثر آل على قيدٍ مؤرَّخٍ قبل سنةٍ ونيّف يحمل أوّل مُدوَّنةٍ شخصيّة: تجربةٌ خيميائيّةٌ تفشل فشلاً ذريعاً. يشكو صاحبُها بمرارةٍ من ضحيّة: «يا جوليا.»
أغلق آل الكتاب. «سآخذ هذا معي. يبدو أنّه سيجيب عن كثيرٍ من الأسئلة حول ما جرى هنا، لكنّي واثقٌ أنّكم لا تودّون الوقوفَ ساعاتٍ بينما أقرؤه كلَّه الآن.»
«بعضُ هذه يبدو كُتُبَ سحر!» تحمّست ويكووكِت أمام إحدى خزائن الكتب. مدّت يدها لتتناول واحداً منها، ثمّ التفتت ترقُب الغرفةَ بحذرٍ وهي تُخرجه. ولمّا لم يعتدِ عليها شيءٌ لفعلتها، ابتسمت ابتسامةً عريضة وجلست على الأرض تُقلّب صفحاته.
«وبعضها ليس كذلك بالطبع، لكنّ المُنتقى قد يكون مُنيراً،» أضاف بوته مشيراً إلى رفٍّ آخر تعلوه غبرةٌ أكثر قليلاً. ذهب آل لينظر. ضمّ الرفُّ مجموعةً مبهرةً من المراجع الطريفة. لمح آل كتباً في التاريخ المحلّيّ، وسِيَراً لبعض نبلاء كازوسيا البارزين، والاقتصاد، والمعرفة الطبّيّة، ونباتات المنطقة وحيواناتها، والموارد المعدنيّة، وأساسيّات الممارسات الخيميائيّة. تناول بوته «ثروة كازوسيا» يُقلّبها ريثما ينتظر الآخرين. تهالك غرَنتِل في الكرسيّ الذي انكسرت قوائمه أخيراً تحت وزنه.
ذهب آل لينظر في الرفوف الأخرى. وكما افترضت ويكووكِت، بدت المجموعة كلّها مُكرَّسةً للأمور السحريّة، أو على الأقلّ تلك ذات العناوين المفهومة. حوت الرفوف السفلى عدداً من النصوص التمهيديّة في النظريّة السحريّة وفنّ السِّحر. أمّا الرفوف العليا فمالت إلى تخصّصاتٍ مُقلِقة: الدم، واستحضار الموتى، والتأثيرات الجحيميّة. وفوقها، كُتبت العناوين بخطٍّ يستعصي على الفكّ، أشعر آل بعدم الارتياح لمجرّد النظر إليه.
«كيف تفهم أيّاً من هذا؟» سألت ويكووكِت حائرةً، وهي تنظر إلى صفحاتٍ من الرسوم السحريّة في الترجمة باللغة المشتركة لـ«دي ري برايكونتاتيو»، وهو مُصنَّفٌ إلفيٌّ ذائع الصِّيت في وسائل اكتساب المعرفة الخارقة للطبيعة.
«سنواتٌ طويلة من المِراس،» قال لها آل. تجهّمت وأعادت الكتاب إلى موضعه.
وإذ خطرت له فكرة، انتقى آل واحداً من الكتب الأصغر ذات الكتابة المجهولة، وحمله إلى غرَنتِل.
«أتستطيع قراءة هذا؟» سأله. نخر غرَنتِل مستيقظاً وفتح عينيه لينظر.
«لا،» قال.
أغمض آل عينيه وأخذ نفَساً عميقاً. ثمّ فتحهما وحاول ثانيةً.
«غرَنتِل، أتستطيع أن تفهم ما يقوله هذا؟»
تفحّص غرَنتِل الكتابة على الغلاف.
«نعم،» قال أخيراً. تقطّب جبينه وتغضّن خطمُه في تكشيرةٍ من الجهد الذهنيّ وهو يحاول أن يصوغ المعنى في كلماتٍ يفهمها. «إنّه... كتابٌ... عن الأرواح الخطِرة... و... ما تريده من الشامان.»
بدافع الفضول، فتح آل الكتاب وقلّب بضع صفحات. كان النصُّ غريباً كعادته، لكن كانت فيه بعض الرسوم التوضيحيّة. كانت مُنمَّقةً لا واقعيّة، غير أنّها بدت تصوّر مجموعةً من المخلوقات غير الطبيعيّة بجلاء. بدا بعضها يرتدي قطعاً من الثياب أو يحمل أدواتٍ أو أسلحةً بيّنة. توقّف آل عند صفحةٍ تصوّر شيئاً أشبه بطائرٍ أفعوانيٍّ برأسين يُمسك بأداةٍ تشبه المِذراة. أراها لغرَنتِل.
«إنّه اسم. شخصٌ مهمّ. يقول إنّه يحبّ اللحم الطازج.» ابتسم غرَنتِل ابتسامةً مرتاحة للاهتمام المشترك، ومدّ يده دون أن يُطلَب منه ليقلب الصفحة. بدا في تلك بزّاقةٌ مجنّحة بلسانٍ طويلٍ مُشوَّك. «اسمٌ آخر. مهمٌّ نوعاً ما. يقول إنّه يحبّ دماء الموتى.» قلب غرَنتِل الصفحة مجدّداً. أمّا الشكلُ الشبيهُ بالبشر تقريباً، الذي يبدو مهمّاً نوعاً ما، بملامح وجهٍ في غير مواضعها بالمرّة، فبدا يحبّ الأذى الذي يُلحَق بالأطفال. وذلك الشيءُ البدين الحادّ الأسنان الشبيه بالموظ، بفمٍ فاغرٍ في بطنه، في الصفحة التالية، قيل إنّه يحبّ الإفراط في الأكل والشرب.
كاد آل أن يسحب الكتاب، وقد أخذ القلقُ يساوره من حماس غرَنتِل للموضوع، حين توقّف غرَنتِل ليحدّق صامتاً لحظةً في الصفحة التي قلبها للتوّ. مخلوقٌ مروِّعٌ بِنيتُه كالدبّ، لكن بذراعين مُفرِطتَي الطول ومخالبَ حادّة، وصفٍّ من الأشواك المُسنَّنة ناتئةٍ من ظهره، وفمٍ ملؤه أسنانٌ طويلةٌ حادّة. وفي إحدى... يديه؟... حمل سلاسلَ تتدلّى من طرف كلٍّ منها جماجمُ متنوّعة.
حدّق غرَنتِل في الصفحة بانبهار.
«جدّتي؟» قال.
أغلق آل الكتاب ودسّه في حقيبته مع اليوميّات، غير راغبٍ في المضيّ بالتجربة أبعد من ذلك. كان لا يزال أمامهم غرفةٌ أخرى ليتفقّدوها قبل الرحيل، ومع أنّهم لم يمكثوا في الحِصن طويلاً في الحقيقة، فإنّ تأخّر الوقت وإرهاق التجربة جعلاه يبدو أطول بكثير. أعاد بوته كتابه إلى حيث أخذه.
«يبدو أنّ ثمّة رواسبَ من خام الرصاص على مقربةٍ شَمالاً من هنا،» قال بابتسامةٍ ماكرة، كأنّهم لم يصلوا جميعاً منذ وقتٍ قريب من البلّوط الفضّي، بمنجم رصاصه العريق.
تجمّعوا أمام الباب الأخير. تفحّصته ويكووكِت وأعلنته آمناً. قال غرَنتِل إنّه يفوح منه شيءٌ من رائحة الصيدليّة في البلّوط الفضّي.
دفعوا الباب فوجدوا غرفةً تصطفّ على أحد جدرانها أجهزةٌ خيميائيّةٌ معقّدة، وفي الزاوية مخزنٌ صغير فيه أوانٍ زجاجيّة ومؤَن. نالت الغرفةُ نفسُها قسطاً من العَنَت: فالجدران الحجريّة مُتشظّية ومُتفحّمة وملطّخة في مواضعَ عدّة، وثمّة آثارٌ تدلّ على أنّ الأرض ربّما اشتعلت في وقتٍ ما مضى، وإن بدا أنّ أحدهم سيطر على الأمر قبل أن يلحق ضررٌ بِبنية المكان. كانت على طاولةٍ بجوار الأجهزة بضعُ قواريرَ زجاجيّةٍ صغيرة من سائل. تعرّف آل على اسم حمضٍ قويٍّ مكتوبٍ على مُلصَق إحداها. وبدت أخرى مخزوناً من الخلطات الأوّليّة. مُلئت قارورتان بسائلٍ أحمرَ كثيفٍ يشبه على نحوٍ مريب الدمَ الطازج، وإن كان الغبار الذي يغطّي كلّ شيء يدلّ على أنّ لا شيء في هذه الغرفة طازجٌ في أدنى حدّ. حملت إحداهما مُلصَقاً كُتب عليه «جوليا»، وكان مُلصَق الأخرى فارغاً.
كان ثمّة أيضاً فانوسٌ للإضاءة، لا يزال مملوءاً بالزيت في معظمه، ممّا أراح آل كثيراً إذ كادت الشموع القديمة في الشمعدان أن تفنى. أشعل الفانوس ووضع الشمعدان على الطاولة، ونفخ في بقايا الشموع ليطفئها.
وجد آل نفسه يتثاءب مع غرَنتِل الذي بدا عليه الملل.
أبدى آل رأيه: «بعضُ هذه الأشياء ثمينٌ على الأرجح، لكن لا حاجة بنا إلى إضاعة الوقت في نبشها كلّها الآن. يبدو أنّ لا أحد استعمل هذه الغرفة منذ حين، ولا أرى شيئاً سيزداد خطورةً قبل الغد. هل يمانع أحدٌ إن عُدنا إلى مأوى الدجاج وأخذنا قسطاً من الراحة الآن؟ يمكننا العودة غداً في وضح النهار.»
«لا تنسَ أنّنا سنحمل معنا صندوق الكنز!» سارعت ويكووكِت إلى القول.
«تعلمين أنّ «الكنز» قد لا يكون سوى مزيدٍ من الثياب أو ما شابه، أليس كذلك؟»
«سنرى، حالما أفتحه!»
وفي الواقع، سُمع صوتُ القطع النقديّة تنزلق بعضها على بعض، مكتوماً لكن لا تخطئه أذن، حين رفع غرَنتِل الصندوق، فانتزع من ويكووكِت قهقهةَ جشعٍ مبتهجة. وارتفعت القهقهة إلى ضحكٍ يكاد يكون هستيريّاً حين اشتكى غرَنتِل من أنّه ثقيلٌ جدّاً وسيصعب حمله طَوال طريق العودة. وأُقنِع آل بأن يُخرج مرجعه في فنّ السِّحر ويستحضر «العربة الخفيّة» من جديد ليضع غرَنتِل الصندوق عليها. أمّا جمجمة الوَحش، التي باتت خفيفةً على نحوٍ خادع إذ لم يبقَ منها سوى عظمٍ ميّتٍ يابس، فوُضعت فوق الصندوق تطفو خلف آل. وعلى ضوء الفانوس، غادرت الرفقةُ الحِصن، وأغلقت الباب الأماميّ، وشقّت طريقها نزولاً إلى الطريق.
بدت القرية مُوحِشةً في ظلمتها وسكونها كما كانت حين غادروها. ولم يكن الحمار نفسُه الذي راقب رحيلهم إلّا الوحيدَ الذي شهد عودتهم. ومع السكون، كان ثمّة ضوءٌ تحت باب القِنّ الأكبر. تهاوى آل من فرط الراحة المُتعَبة، لكنّ ويكووكِت اندفعت إلى الأمام تقرع الباب، فأثارت حديثاً مندهشاً وصرخةً مذعورةً وحيدة من مكانٍ ما في الداخل.
«لقد عُدنا!» صاحت وهي تدفع الباب، «قُتِل وحش اللحم الشيطانيّ لمأوى الدجاج!»
كان سائرُ الليل ضبابيّاً في ذهن آل المُنهَك. هتف القرويّون بحرارةٍ لدى دخولهم، وأشدَّ حرارةً حين قدّمت ويكووكِت الجمجمةَ فوق الصندوق على أنّها بقايا «وحش اللحم الشيطانيّ لمأوى الدجاج». حمل آل الصندوق إلى الغرفة التي سينامون فيها قبل أن يخبو السحر الذي يُبقيه طافياً، ثمّ عاد ليشرب شيئاً من الجِعة الخفيفة ويتقبّل من امتنان القرويّين ما يكفي للياقة، قبل أن يستأذن للنوم. غاب عن وعيه على وقع سرد ويكووكِت المتحمّس لما مرّوا به.
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion