Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 36
بدا الحِصن أكثر إيغالاً في اللاواقع بالنسبة إلى آل في هذه الزيارة عمّا كان من قبل. بدت الأرجاء مألوفةً وغريبةً في آنٍ واحد. امتدّت الدرجات النازلة إلى القبو أعمق بكثير ممّا كان يذكر. تراقصت جُدران الكهف في الوهج الأحمر الدمويّ للمشعل. تردّدت أصداء أصواتٍ هامسة، تتوسّل وتتوعّد وتسخر وتتذمّر.
«يقول إنّه سيلتهم وجهك»، أخبره غرَنتِل بما يقوله أحدها.
«يقول إنّ لديه مالاً لك.» قال غرَنتِل عن آخَر.
«يقول إنّ عليك أن تمشي أسرع.»
«يقول ألّا ترفع بصرك.»
«يقول اربط رِباط حذائك.»
عبس آل، فحذاؤه لا رِباط له. نظر إلى قدميه الحافيتين، الباردتين على حصى الطريق المرصوف. حسنٌ، هذا مُحرِج. عسى ألّا يلاحظ أحد.
تساءل بلا اكتراثٍ لِمَ ترك بوته وويكووكِت وغرَنتِل في المُخيَّم، لكنّه لم يُطِل التفكير في الأمر إذ اشتدّ شعوره بأنّه يقترب من وجهته. أخذ يركض. مرّ الطريق الترابيّ المُحفوف بالأشجار عبر الغابة مُسرعاً، ووثب صاعداً الدرجات إلى الباب المُفضي إلى غرفة الجلوس في البيت.
توقّف في لحظة حَيرةٍ وشكّ.
«آه، ها هو ابني المُفضَّل! هيّا، لا تقف هناك كالأبله، ادخل واحتضن أمّك»، طالَب صوت أمّه من الداخل.
في تلك اللحظة داهمته الصحوة. أنّ آل بخفوت.
«أمّي، أنتِ تعلمين أنّ هذا يُقلِقني حين تفعلينه»، تذمّر وهو يفتح الباب.
«حسنٌ، لم تكتب ولم تَزُر منذ رحلتَ قبل أسابيع، فكيف عساي أعرف حال فَرخي؟» سألته التنّينةُ المتألّقة بالأحمر والذهب، المُمدّدة على كومةٍ من القطع الذهبيّة بحجم بيتٍ في الداخل.
«أمّـــــــي!» تذمّر آل ثانيةً، وبتلك الطريقة المُفاجئة التي لا تحدث إلّا في الأحلام، لم يكن هناك سوى أمّه البشريّة الحقيقيّة، جالسةً إلى طاولة صالون العائلة مع فنجان شاي، تضحك منه بمودّة.
«كان عليك أن ترى نظرة وجهك المُتخيَّل! ما نفع أن يكون للمرء ولدٌ إن لم يستطع مُداعبته بين الحين والآخر؟» قالت وهي تضع فنجان الشاي وتتمشّى نحوه للعناق المطلوب. أذعن آل، فرغم ما قد تبلغه من حِدّةٍ أحياناً، كان يُحبّ أمّه. أطقطقت أضلاعه المُتخيَّلة.
افترقا، وأمرته أمّه بالجلوس إلى الطاولة. «اجلس، اجلس! تناول بعض الشاي المُتخيَّل وأخبرني كيف حالك. أريد أن أسمع كلّ التفاصيل المُثيرة! هل تركتَ أيّ مدنٍ تحترق في أعقاب مرورك بعد؟ هل أخضعتَ أيّ شياطين لطاعتك؟ هل قتلتَ أيّ وحوشٍ مُرعبة؟» سألته بابتسامةٍ ماكرةٍ مُداعِبة.
ابتسم آل ابتسامةً ماكرةً بدوره. «حسنٌ، بما أنّكِ تسألين، فقد فعلنا بالفعل واحداً من تلك الأمور على الأقلّ. لقد قتلنا...أهِم...وحش اللحم الشيطانيّ لمأوى الدجاج في هذه الليلة بالذات!»
رفعت أمّه حاجباً مُرتاباً. «وحش اللحم الشيطانيّ. لـمأوى الدجاج.»
«هذا صحيح. حسنٌ، ويكووكِت هي من قرّرت تسميته بذلك. كان يقتل القرويّين في قرية مأوى الدجاج، فتعقّبناه نحن الأربعة وقتلناه. لا نزال لا نعرف بالضبط ما الذي كان يجري، لكنّ حدسي أنّه كان رجلاً عقد عهداً أحمق مع شيءٍ أفسده. كانت الشياطين ضالعةً في الأمر، وكانت تجربةً لا يُستهان بها. نعتزم العودة إلى حيث وجدناه والتحرّي أكثر في الصباح، لكن أردنا أوّلاً أن ننال قسطاً من الراحة وأن نُطمئن القرويّين أنّهم في أمانٍ الآن.»
انحنت أمّه إلى الأمام باهتمام. «لا تُداعب أمّك يا ألويسيوس. والآن، عُد إلى البداية وأخبرني بالبقيّة! حين رحلتَ، لم يكن هناك سواك، وتلك المرأة الغنوميّة المُتحمّسة، وذلك الشخص القزميّ العصيّ على الفهم. أصرتم أربعةً الآن؟»
ابتسم آل بشغف، فقلّما سنحت له فرصةٌ ليصدم أمّه حقّاً.
«آه، هذا صحيح، لم تلتقي غرَنتِل بعد. إنّه شخصٌ ضخمٌ جدّاً، عمليٌّ، واقعيّ الطبع، أظنّكِ ستحبّينه على الأرجح. وربّما لا. فأكثر الناس لا يرتاحون للتعامل مع بني جنسه.»
توقّف آل الحُلُميّ ورشف ببطءٍ من فنجان شايه المُتخيَّل. حدّق في تموّجات محتواه المُتصاعد بخاره، الذهبيّ المُخضرّ، مُعجباً في صمت. ثمّ رشف ثانيةً بينما أخذت أمّه تُحدِّق فيه بغضب.
ضربت أمّ آل بقبضتها الطاولة بخفّة. «ماذا قلتُ للتوّ عن مُداعبة أمّك؟»
«أنتِ تُداعبينني أنا طوال الوقت!»
«أنا أمّك، هذا مسموح. ما الذي في جنس هذا الشخص يجعلك تظنّ أنّني لن أرتاح له؟»
«حسنٌ، إنّه نصف شيطانيٍّ بذاته، هذا أوّلاً.»
تهكّمت أمّ آل. «أهذا هو السرّ العظيم؟ ليس هذا بالأمر النادر. لقد قابلتُ عدّة أشخاصٍ يبدو عليهم أثر نزوةٍ سالفةٍ مع الجحيم. وأكثر أنصاف البشر ليسوا أقلّ حشمةً من البشر خُلَّص الدم.»
«لم أقل إنّ نصفه الآخر بشريّ.»
«التنطّع لا يُثير إعجابي أيّها الشابّ! إلفيّ، قزميّ، غنوميّ، أيّاً كان. بشريٌّ أو شبهه، كلّه سواءٌ عندي.»
«ليس شيئاً من ذلك»، قال آل، مُتلهّفاً للوصول إلى المُفارقة. «أظنّ الوَحش وصفاً أنسب لنصفه الآخر.»
رمقته أمّه بنظرة نفادِ صبر. قابل آل نظرتها بتحدٍّ.
«أعني، هذا ما تكونه الغُنول، أليس كذلك؟» قال، مُبقياً على تلاقي النظرات وهو يرشف شايه مرّةً أخرى.
سُرّ بنظرة الحَيرة المذعورة التي تلقّاها في المقابل. وسرعان ما حلّ محلّها استنكارٌ صارم.
«أنت تتحسّن، لم أستطع تمييز ما إن كنت تكذب عليّ. غير أنّ القدرة على خداع أمّك ليست ممّا ينبغي أن تفخر به!»
«لستُ أكذب، إنّه الحقّ!»
اشتدّت نظرة الاستنكار في وجه أمّه. «هذا ليس مُضحكاً أيّها الشابّ. قد لا أكون أكاديميّةً كأبيك، لكنّني أبعد ما أكون عن الجهل. الغُنول ليست قوماً يا عزيزي، إنّها شيطانيّةٌ، بلا عقل...»
«...وحوشٌ عنيفةٌ قاتلة، نعم»، أكمل آل عنها، «أعلم، لكن ثمّة بعض الدقائق. فبمعنى ما، صارت رفقتنا كلّها غُنولاً الآن.»
أدرك أنّه تمادى أكثر من اللازم بذلك حين استدارت نحوه ملامح أمّه غضبة الآلهة أنفسها، وألسنةُ لهبٍ تنطلق من مِنخَري ذاتها الحُلُميّة وهي تصرخ.
«ألويسيوس زِنثراكسِس أركانيسن! إن كنت قد اتّخذت حياة السَّلب والنَّهب فسأجلبك أنا وأبوك فوراً إلى البيت وستُنفى إلى غرفتك لمدّة...!»
لوّح آل بذراعيه بجنونٍ في استسلامٍ اعتذاريّ. «أمّي! أمّي! الأمر ليس كذلك، دعيني أشرح!»
مُتخلّياً عن كلّ تحفّظ، وصف لأمّه كيف وصلوا إلى البلّوط الفضّي، والمهمّة التي ذهبوا للاستجابة لها، وكيف جرى لقاؤهم الأوّل بغرَنتِل، وقرارهم ضمّه إليهم. تحوّل استنكار أمّه إلى اهتمامٍ وهو يمضي في سرد الأحداث.
«أكنتَ مُستعدّاً لأن تضرب غُنولاً حتّى الموت؟» سألت أمّه مُعجَبة. ربتت على رأسه. «حسنٌ، أنت حقّاً ابني، وقلبك في موضعه الصحيح. لكن حاول أن تكون أكثر تعقّلاً في المستقبل، فالغُنول قد يُمزّقك ويلتهم أشلاءك.»
«لا تكوني واثقةً إلى هذا الحدّ، فقد تعلّمتُ بعض الأمور. حتّى إنّهم أقنعوني بأن أبدأ تعلّم كيفيّة استخدام فنّ السِّحر سلاحاً. وربّما سأضطرّ إلى المزيد من ذلك.»
حلما بشرب الشاي بينما أخبر آل أمّه عن معركتهم المُميتة مع قُطّاع الطُّرُق، ووصولهم إلى مأوى الدجاج، ومغامرتهم في الحِصن الغامض حيث كان الوَحش مُختبئاً.
«فهمت»، قالت بابتسامةٍ راضية. «لقد كنتَ فتىً مشغولاً جدّاً في هذه الأيّام الأخيرة. أظنّني أستحسن رِفاقك، وعليك أن تعدني بأن تُحضرهم لزيارةٍ لائقة قريباً. تُرى ماذا سيظنّ أبوك.»
«سيظنّ أنّني كسولٌ لأنّني لم أتعلّم بعد التحدّث باللغة الغُنوليّة، وسيسأل متى سأنشر أبحاثي»، قال آل بابتسامةٍ عريضة.
«أجل، هذا يُشبه فرانكلين حقّاً. وبمناسبة ذِكره، أهناك ما تودّ أن تقوله له قبل أن تعود إلى نومٍ حقيقيّ؟»
فكّر آل لحظةً. «نعم، أخبريه أنّني أظنّني قد توصّلت إلى بعض التحسينات لتعويذة القُرص العائم المُقرَّرة، وأنّني أعِدُ بتدوين نتائجي حين أُجرّبها. آه، وأعلِميه أنّ لديّ مسوّدةً قبل الطبع من منشور ميليسا براون عن الغُنول.»
«سيُسعده أن يعرف أنّك لم تفقد غرائزك العِلميّة. سأخبره.»
«آه...أمرٌ أخير...»
تململ آل.
«أظنّني بحاجةٍ الآن إلى أن أُثقّف نفسي في المزيد من الأمور الجحيميّة. أعلم أنّكِ وأبي طالما قلتما إنّه موضوعٌ أخطر من أن أبحث فيه، لكنّني الآن مسؤولٌ عن مخلوقٍ نصف شيطانيّ، وقد خُضتُ بالفعل بعض الصراع مع شياطين حقيقيّين. أظنّني أستطيع التعامل مع الأمر، فلم أعد طفلاً.»
«نعم، الآن بلغتَ من العمر والحكمة ما يكفي لأن تنخدع بالشياطين فتظنّ نفسك عصيّاً على انخداعك بالشياطين»، حذّرته. «لكنّني سأتحدّث إلى أبيك في الأمر.»
«شكراً يا أمّي.»
وضعت فنجان شايها ونهضت، وسارت حول الطاولة لتقف إلى جانب ابنها. صفعت ظهره بحماسٍ، فترنّحت ذاته الحُلُميّة إلى الأمام وتخيّل أنّه سكب ما تبقّى من شايه.
«واصل عملك الطيّب! نحن فخوران بك يا عزيزي. كن حذِراً. اكتب إلينا قريباً، وزُرنا حين تستطيع.»
تجهّم آل مُحرَجاً وهي تنحني لتُقبّله على جبينه.
ابتسمت أغاثا أركانيسن، وفتحت عينيها، وجلست مُنتصبة. كان زوجها مُستيقظاً بجانبها من قبل، مُنهمكاً في قراءة أحد المُجلَّدات من كومة أبحاث هذا الصباح. وضع إبهامه على الصفحة ليُعلِّم موضع توقّفه، فينحني ليُقبّلها على خدّها، قبل أن يعود إلى قراءته على الفور.
«صباح الخير يا عزيزتي»، قال لها دون أن يرفع بصره. «تبدين سعيدة، هل تحدّثتِ إلى ابننا؟»
«نعم، يبدو أنّه بخيرٍ تماماً ويقضي وقتاً مُثيراً. لقد صار غُنولاً الآن.»
«همم»، قال زوجها بشرودٍ، وهو يُقلّب إلى الصفحة التالية. «هل صار يتحدّث لغتهم الأمّ كما ينبغي بعد؟»
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion