Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 37
مزّق صياحُ الديك المُلِحُّ بطانيةَ النوم المجازيّة عن ذهن آل بجفاءٍ، تماماً كما مزّقت ويكووكِت، بعد ذلك بلحظات، بطانيته الحقيقيّة عن جسده.
«آهِ، رائع! لقد استيقظتَ! انهض! انهض! سأفتح الكنز!» قالت بقدرٍ من الحماسة الصباحيّة المُبكِّرة غيرِ العادل بتاتاً.
تأوّه آل وجلس. سطع الضوء الذهبيّ للشمس التي بزغت لتوّها عبر النافذة المفتوحة للغرفة التي ناموا فيها، وفاح في الهواء عبقُ البيض واللحم وهما يُطهيان.
«ينبغي أن تفخر بها»، قال بوته مدافعاً عنها، «فقد نهضت قبل الفجر لتعمل على القُفل، وقاومت إغراء فتح الصندوق رغم أنّها عطّلت الإبرة المسمومة الطرف وفتحت القُفل منذ ساعةٍ على الأقلّ.»
«طعام؟» سأل غرَنتِل من موضع استراحته، حيث تكوّر فوق كومةٍ عريضة من البطانيّات والوسائد قريباً.
تثاءب آل. «رُبّما ينبغي أن نأكل أوّلاً»، قال. «بعد كلّ الإجهاد الذي مررنا به جميعاً، علينا أن نحرص على تغذية أجسادنا.»
وضع يده على قلبه على النحو الذي رأى ويكووكِت تفعله من قبل لأغراضٍ مسرحيّة، وإن شابَ الأثرَ قليلاً تعبيرُ وجهه المُثقَل بالنُّعاس. «فما قيمةُ الكنز، في نهاية المطاف، أمام صحّة رفاقنا الذين لا يُقدَّرون بثمن وعافيتهم؟»
ابتسم غرَنتِل ابتسامةً مُرخِيَةً لخَطمه لأنّ آل وافقه الرأي بشأن الطعام.
أومأ بوته موافقاً. «حكمةٌ كهذه تفوق قيمتُها أيّ قدرٍ من الذهب»، قال.
أطلقت ويكووكِت صوتاً مُحبَطاً هبط إلى هديرٍ حقيقيّ، وإن جاء حادَّ النبرة بعض الشيء صادراً عن غنوم. ذكّر ذلك آل بتلك الكلاب الصغيرة التي يحلو لبعض النبلاء المُترَفين اقتناؤها. كتم ضحكةً نافرة للحظة، لكنّه قمعها إذ تذكّر أنّ حتّى الكلاب الصغيرة لها أنياب.
«لن نموت جوعاً إن نظرنا أوّلاً»، تذمّر غرَنتِل.
«حسناً، لا بأس، أمهلوني لحظة، إنّما لا يروقني أن يستعجلني أحدٌ حين أستيقظ.»
تثاءب وتمطّى، وتلوّت ويكووكِت في مكانها بفارغ الصبر بينما التفّ الجميع حولها.
«انتبهوا لخطواتكم!» قالت بمرح، مشيرةً إلى إبرةٍ فولاذيّة حادّة ملقاةٍ على الأرض بجانب الصندوق. «عليها شيءٌ لَزِج واثقةٌ أنّه ضربٌ من السمّ الفظيع. حسناً، الجميع مستعدّ؟ ها هو ذا!...»
أشارت ويكووكِت بإحدى يديها إشارةً مسرحيّة بينما مدّت الأخرى لتقلب غطاء الصندوق فاتحةً إيّاه. لم يكد الغطاء يتحرّك، وأفلت من قبضتها.
«واو، إنّه أثقل ممّا توقّعت. دعوني أحاول ثانيةً»، قالت، محدّقةً في الصندوق بغضب.
«ها هو ذا»، زمجرت بجهدٍ، دافعةً الغطاء بكلتا يديها. بالكاد ارتفع الغطاء بما يكفي ليسقط مفتوحاً، فيتوقّف عند النهاية بـدَويٍّ ثقيل.
كان داخل الصندوق مُبطَّناً بالكامل بمعدنٍ رماديّ باهت مُثبَّتٍ إليه بالمسامير. ظنّ آل أنّه رصاصٌ على الأرجح. احتوى في جوفه ثلاثةَ أكياسٍ جلديّة، وسيفاً مَهيباً رفيع النصل. كان أشبهَ ما يكون بالسيف الرفيع، لكنّ براعة صناعته وفنّيّتها كانتا رائعتين. صُنِع من فولاذٍ يميل إلى الخُضرة قليلاً، وله واقٍ لليد مصنوعٌ من سلكٍ مُنسَّق على هيئة شبكة عنكبوت. أمّا النصل نفسه فقد نُقِشت على طوله خطوطٌ فضّيّة تُكمِل زخرفةَ شبكة العنكبوت. وعند قاعدة النصل، كان ثمّة رمزٌ مُنمَّق لعنكبوت.
«من الواضح أنّ لذلك النصل مغزىً يتجاوز غرضه سلاحاً»، علّق بوته.
بفكٍّ متهدّل وعينين جاحظتين، أخذت ويكووكِت تُحرّك يديها في حركاتِ قبضٍ طامعة.
«مهلاً!» حذّرها آل. «مخبوءٌ في شيءٍ كهذا، قد يكون عليه ضربٌ من التأثير الخطير.»
«أتعني أنّه قد يكون سحريّاً؟» هتفت ويكووكِت. «لا بُدّ أن أحصل عليه!» مدّت يدها ببطء...
في ضوء تجارب الليلة السابقة، انتاب آلَ قلقٌ شديد طوال اللحظة التي استغرقها ليُدرك أنّها تُمثِّل.
«أتعلمين، إن كان نوعٌ من الشياطين العنكبوتيّة قد تلبّسكِ، فلن يكون أمامنا خيارٌ سوى أن نحبسكِ أنتِ في ذلك الصندوق حتّى نجد سبيلاً للتعامل معه»، قال آل، ثمّ تنهّد. «أمهلوني بضع دقائق لأتهيّأ، وسأرى إن كان ثمّة تأثيرٌ سحريّ في الأمر.»
«سأتولّى أمر الطعام بينما تفعل هذا»، قال بوته. «غرَنتِل، أتودّ المساعدة في إعداد الطعام؟»
زمجر الغُنول ونهض، وقد سال لُعابه قليلاً. غادر الاثنان، وفي مكانٍ ما بالغرفة الرئيسيّة أطلق أحدهم صيحةً مذعورة. ضحك بضعةٌ آخرون ثمّ عادت الأمور إلى الهدوء، فاتّجه آل إلى حقيبته لينبش عن مُلاحظاته السحريّة.
«وأنتِ، ألستِ جائعة؟» سأل ويكووكِت التي جلست على الأرض بجوار الصندوق.
«بلى، لكنّي أريد أن أرى كيف تفعل هذا»، قالت.
«حسناً، لا بأس، لكنّه ليس مُثيراً كثيراً.»
قلّب إلى الصفحة التي تحوي إجراء استشعار السحر الذي وضعه، وبدأ يُنشِد إنشاداً خفيضاً، راسماً في الهواء بأصابعه أشكالاً بطيئة. استمرّ هذا فترةً. ثمّ خفَتَ الطقسُ حين عاد بوته وغرَنتِل بملاعقَ وأوعيةٍ مُكوَّمةٍ بالبيض والسَّجَق. رمش آل بضع مرّات ونظر في أرجاء الغرفة. اتّجه إلى الصندوق ونظر في داخله.
«لن تُصدّقي ما أراه هناك»، قال مازحاً.
«ماذا؟ أخبرني!» ألحّت ويكووكِت.
«لا شيء البتّة. مجرّد أشياءَ عاديّة لا سحر فيها. آسف.»
«هذا لؤمٌ محض!»
«في الجانب المُشرق، يعني هذا على الأرجح أنّه لا شيء ملعونٌ سحريّاً هناك أيضاً، فلمسُه غالباً آمن.»
لم تتردّد ويكووكِت في التقاط النصل الموسوم بالعنكبوت. كان المقبض طويلاً لكن رفيعاً، وكان النصل يكاد يبلغ طول ويكووكِت نفسها. توقّع آل أن تجد صعوبةً في حمله، لكنّها أمسكته ممدوداً بشكلٍ مستقيم كأنّه لا يزن شيئاً يُذكر.
«واو!» هتفت ويكووكِت، «كيف يكون خفيفاً هكذا؟ أمُتيقّنٌ أنّه ليس سحريّاً؟»
«لا أرى عليه أيّ تأثيرٍ سحريّ بتاتاً. رُبّما ثمّة نوعٌ من الخيمياء المعدنيّة في الأمر.»
ترك آل لها أن تُلوّح بالنصل وتطعن الهواء، بينما عاد إلى حقيبته وأخرج الكتابين اللذين أخذاهما من الحِصن. لم يكن ثمّة أثرٌ سحريٌّ صريح ظاهرٌ على أيٍّ منهما، لكنّ المُذكّرات كان لها ذلك البريق الخافت الذي صار آل يربطه بالكتابات التي تُستخدَم أثناء العمل السحريّ الفعّال.
حسناً، أعرف ماذا سأقرأ هذا الصباح، حدّث نفسه.
«ما رأيكم أن نُخطّط لصعود زيارة الحِصن بعد ظهر اليوم. سيمنحنا ذلك بعض الوقت للاستعداد، ويمكنني إلقاء نظرةٍ أفضل على هذه المُذكّرات التي وجدناها قبل أن نذهب، تحسّباً لأن تحوي أيّ دلائلَ مفيدة لنا.»
أومأ بوته وزمجر غرَنتِل موافقةً وهما يأكلان. صاحت ويكووكِت «نعم!» كانت مُنحنيةً داخل الصندوق. رفعت بصرها. «آه، أجل، سيكون ذلك جيّداً»، أجابت. ثمّ انحنت ثانيةً داخل الصندوق، مادّةً يدها. «نعم!!» صاحت بصوتٍ أعلى بعد. «ذهب!»
عدّت ويكووكِت القطع النقديّة من الأكياس الجلديّة الثلاثة، بينما أكل آل بيدٍ وقلّب الصفحات بالأخرى.
رُبّما كانت بداية المُذكّرات مُثيرةً لاهتمام مُحاسب، لكنّ دفتر الدخل والنفقات المُحشّى بالحواشي بدقّةٍ مُفرِطة بدا عاديّاً بلا لَفتٍ، بقدر ما استطاع آل أن يُميّز. القيود المؤرّخة بما يزيد قليلاً على عامين مضيا بدأت تُدرِج قطعاً من العتاد والمُؤَن الخيميائيّة ضمن النفقات. ثمّ أخذت تظهر بُعيد ذلك ضرائبُ مدفوعة على إنتاج «الشراب القويّ»، وكانت مبيعات «الأرواح» تُكمِّل الدخل أحياناً. وعند تلك النقطة، بدأت صفحات المُذكّرات تتضمّن رسوماً أوّليّة لأجهزةٍ خيميائيّة وما بدا وصفاتٍ مؤلّفةً من رموزٍ خيميائيّة. وبدأت نفقاتٌ مُعنوَنة ببساطة بـ«الدُّروس» تظهر إلى جانب شراء الكتب، وأخذت بعض قيود الدخل في الدفتر تُدوَّن كلّيّاً بالرموز الخيميائيّة.
لم تكن الخيمياء موضوعاً يعرف آل عنه الكثير، لكنّ تقليد فنّ السِّحر الذي تعلّم منه كان قد اقتبس بعض طلاسمه من رمزيّة الخيمياء. تمكّن آل من التعرّف على بعض الرموز المتكرّرة بوصفها صِيَغاً مختلفة لـ«السوائل الحيويّة» و«الحيويّة» و«الروح» و«النَّفاذ». وتذكّر آل أنّه رأى بعضها منقوشاً على المشاعل السحريّة الغريبة في الحِصن.
«هذا غريب»، هتفت ويكووكِت، جالسةً وسط ثلاث أكوامٍ من القطع النقديّة. «مئةٌ وثلاثة وسبعون. في كلّ كيسٍ من هذه الأكياس كانت هناك بالضبط 173 قطعةً ذهبيّة. يمكننا أن نُسدّد لقصر نوتاميمِك الآن حالاً!»
«لا تنسَي أنّ لهم حصّةً قدرُها 15% من كلّ شيءٍ آخر خلال العامين القادمين، ناقص الأيّام الثلاثة الأخيرة بطبيعة الحال»، ذكّرها بوته.
«أجل، لكنّ 15% من الباقي خيرٌ من 50% من الباقي!»
«مهلاً...»، قال آل، مُقلّباً المُذكّرات إلى الوراء، ثمّ إلى الأمام حتّى النهاية. «لا أرى في الدفتر أيّ قيدٍ بـ173 أو 519 قطعةً ذهبيّة بالضبط. تُرى لماذا هي؟»
«قُسِّمت وخُبِّئت في الصندوق مع النصل. من الواضح أنّ للعدد أهمّيّةً خفيّة»، اقترح بوته. «البِطانة الرصاصيّة يُقصَد بها التشويش على السحر، أليس كذلك؟»
«همم؟» رفع آل بصره عن المُذكّرات. «نعم، يبدو أنّ له خاصّيّةً خيميائيّةً تُخمِد الحواسّ السحريّة على وجه الخصوص. أتصوّر أنّهم كانوا يحاولون إخفاء السيف، لكن لماذا المال؟»
وجد نفسه منصرفاً عن الحديث بفعل المُذكّرات، فقد بلغ ثانيةً القيدَ الذي يصف الحادث الخيميائيّ. كانت الرموز عسيرةَ المتابعة، لكن استناداً إلى قيود الدفتر، كانت محاولةً صعبةً ومُكلِفة. وتحت المُلاحظات الإجرائيّة كُتِب: مقدارٌ مُفرِط من [رموز خيميائيّة]. انفجارٌ قاتل. لا تُكرّره. ولاحظ آل أنّه تلا ذلك قائمةٌ بنفقاتٍ إضافيّة تضمّنت ما خمّن أنّه يشير إلى مُستحضَرٍ لالتئام الجراح وموادَّ حافظة. وشعر بشيءٍ من الغثيان إذ أدرك أنّ جولياي مُدرَجةٌ بوصفها «النفقة» الأخيرة. وفي الحاشية السفلى للصفحة كُتِب: إنّها جولياي. مِلكي. نحن جسدٌ واحد. سأستردّها.
كان القيد التالي بعد أسبوعين. تضمّن مزيداً من المُؤَن الخيميائيّة وأحدَ مراجع فنّ السِّحر التي وجدوها في مكتبة الحِصن. وفي الحاشية السفلى للصفحة خُطَّ بخطٍّ مُتعجِّل: جولياي. مِلكي. وكذا في أسفل كلٍّ من الصفحات التالية عدّةً من قيود الدفتر قبل أوّل قيدٍ «سرديّ» بقلم صاحبها.
عرض الرجل اللطيف خدماته. ظننته يريد نفوذي السياسيّ في المقابل. أسأتُ فهم الثمن، لكنّي لا أندم على قبوله. حين أستعيد جولياي، سنصنع لأنفسنا اسماً جديداً. لقد أعانني الرجل اللطيف على تحصيل البحث الصحيح، وجلب إرشادُه الفهم.
تضمّن الدفتر الذي تلا ذلك مزيداً من الكتب والمُؤَن الخيميائيّة. كُتِبت بعض السطور بذلك الخطّ الغريب المُقلِق الذي يفهمه غرَنتِل. وأخذت الصفحات اللاحقة تتضمّن عناصرَ من فنّ السِّحر الفعليّ. عثر آل على التعويذة التي اُستُخدِمت لصنع المشاعل السحريّة. وأُدرِجت عدّة صِيَغٍ سحريّة أخرى، فقاوم آل نزوعه إلى دراستها فوراً. أرغم نفسه على المُتابعة. كانت القيود الشخصيّة تُثني على الرجل اللطيف باطّرادٍ لحكمته ومساعدته... ولتعريفه إيّاه بشخصٍ أو شيءٍ أشار إليه الكاتب بعبارةٍ أو اسمٍ بذلك الخطّ الجحيميّ المُفترَض.
عثر آل على صفحةٍ تحوي رسماً مألوف المظهر لنجمةٍ خماسيّة مُحاطةٍ بدائرةٍ سحريّة، وشكلٍ بشريّ مُنمَّق مُرتَّبٍ في داخلها.
لم تحمل الصفحة التالية تاريخاً، وكانت الكتابة بحروفٍ أكبر مُرتجفة، كأنّما خطّتها يدٌ أشدُّ خرقاً.
تذكّر
وافقتُ على الثمن. أيّ ثمنٍ لأنال جولياي. مِلكي.
لم أعلم ما الذي ستأخذه منّي [رموز جحيميّة].
لا أُبالي. سأبذل كلّ ما أنا عليه لأستردّها.
يأخذ منّي في الظلام. يهب مقابل القربان.
يفي بعهده.
لم يبقَ إلّا قليلٌ الآن.
ما كنتُ لأتراجع لو استطعت.
لحمٌ بلحم.
تذكّر
كانت الصفحة التالية أسوأ. الحروف الكبيرة المُهمَلة تكاد لا تتّسع في الصفحة وتكاد لا تُقرأ.
لم يبقَ منّي إلّا القليل
ما زلتُ هنا
اثنان بعد
قريباً
جوليا
جسدٌ واحد
لم تكن الصفحة الأخيرة من العلامات سوى بضع ضرباتٍ حِبريّة كبيرة بلا معنى، ولطخةِ حبرٍ بحجم القبضة. أمّا أسفل الصفحة والصفحات الفارغة بعدها فكانت مُمزّقةً كأنّما بمخالب، ومُجعَّدةً من رُقودها مفتوحةً على الأرض حيث وجدها آل.
اقشعرّ آل وأغلق المُذكّرات. ثمّ تنهّد، ومدّ يده إلى كيس نقوده.
التقطت ويكووكِت القطعة الذهبيّة قبل أن ترتدّ عن جبهتها.
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion