Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 38
اتّفقوا جميعاً على أن تحظى ويكووكِت بالسيف الرفيع الغامض، إذ كانت الأقدر على استعماله. لم يكن في رفقتهم من له أدنى خبرةٍ بالسيوف سوى غرَنتِل، ومع أنّ النصل كان طويلاً بعض الشيء على ويكووكِت، فإنّه لم يكن ليزيد على مِشقصٍ صغيرٍ في يد غرَنتِل لو أنّه أبدى أيّ اهتمامٍ به أصلاً. أُقنِعت على مضضٍ بتركه في الصندوق المُبطَّن بالرَّصاص إلى أن يُدبِّروا له على الأقلّ ما يشبه الغِمد كي لا يجرّ على الأرض خلفها وهي تمشي. وفي المقابل، وافق آل على ألّا يختلي بنفسه في مكانٍ ما مع اليوميّات ليدرس ما فيها من فنّ السِّحر قبل أن يزوروا الحِصن مرّةً أخرى. ووضع اليوميّات والكتاب في الصندوق أيضاً حفظاً لهما.
كان الوقت منتصف النهار حين أنهى آل تحضيراته السحرية لرحلة اليوم. وكانت ويكووكِت وبوته قد خرجا للتآنس مع عاملي القِنّ الأكبر وزبائنه. أمّا غرَنتِل فغَفا غفوةً خفيفةً وبطنه مُلأى بالطعام، لكنّه استيقظ سريعاً حين شرع آل في حَشْو بعض المؤن في حقيبته استعداداً لنزهة العصر. فتبع آل إلى القاعة الرئيسيّة.
لم يكن هناك سوى قِلّةٍ من القرويّين، لكنّهم بدوا راضين. كانت روز خلف المِشرَب تُدَندِن بسعادةٍ وهي تُرتّب الأشياء. لوّحت لآل تلويحةً مَرِحة. ومن مكانٍ ما في الخارج، سمع آل أصواتاً غير واضحةٍ لأناسٍ يُحيّي بعضهم بعضاً وهم يمرّون، ومن بعيدٍ جاء صوت أطفالٍ يلعبون خافتاً.
كانت جُمجمة الوَحش قد عُلّقت على الجدار خلف المِشرَب. وفي الأجواء المُسترخية وضوء النهار، بدت أشبه بطُرفةٍ طبيعيّةٍ منها بشيءٍ أراد قبل قليلٍ أن يلتهمهم أو ينتزع قلوبهم قرباناً للشياطين.
قفزت ويكووكِت من مقعدها. وسألت بلهفة: «حان وقت البحث عن مزيدٍ من الكنوز؟»
ذكّرها آل: «لسنا ناهبين، لكن، أجل، أنا مستعدٌّ للعودة إلى الأعلى لنرى إن كان بوسعنا معرفة المزيد.»
قال بوته وهو ينهض واقفاً هو أيضاً: «سيكون هذا مُنيراً، لا شكّ عندي.»
تمنّت لهم روز التوفيق وهم يغادرون، ووعدتهم بالعشاء عند عودتهم.
تأمّل آل وهم يسيرون على الطريق نحو الطرف الجنوبيّ من القرية: «مأوى الدجاج لطيفٌ نوعاً ما الآن بعدما زال قلق الجميع.»
ضحك بوته ضحكةً خافتة: «لن أبالغ إلى هذا الحدّ، فالدجاج ما زال يهرع إلى قِنانه حين نمرّ، وبعض القرويّين ما زالوا مُرتابين من غرَنتِل. كما ذكر بضعة أشخاصٍ شيئاً من القلق حيال الضرائب. لكن، أجل، الحال أكثر بهجةً بكثيرٍ الآن.»
حاول رجلٌ يقود مُهراً مُحمّلاً بأكياس الحَبّ أن يتجاوزهم، لكنّ المُهر ازداد توتّراً كلّما اقترب من المغامرين. واضطُرّ الرجل في النهاية إلى مصارعة المُهر مصارعةً تكاد تكون فعليّةً ليُخضِعه فيلتفّ حولهم دون أن يُصاب بذُعرٍ تامّ. ورمقهم بنظرةٍ يخالطها القلق والضِّيق وهو يبتعد.
تأمّل آل: «أظنّ من الطبيعيّ أن يكون لدى الحيوانات العاديّة خوفٌ غريزيٌّ من المفترسات.» ثم أضاف: «من حُسن الحظّ أنّنا معتادون على المشي.»
«يمكن تدريب كثيرٍ من الحيوانات على التغلّب على مخاوفها الطبيعيّة. فلا حصانٌ عاديٌّ يحتمل معركةً، لكن يمكن تدريبها لتغدو خيول حرب.» حكّ بوته لحيته مُتأمّلاً. «أتصوّر أنّ مثل هذا التدريب يتطلّب وقتاً ومالاً، بطبيعة الحال.»
قال آل: «حسناً، بدأت تتراكم لدينا أشياء أكثر من أن نحملها معنا هكذا ما لم نحصل على عربةٍ أو دابّة حِملٍ من نوعٍ ما. سيكون الصندوق المُبطَّن بالرَّصاص عسيراً حمله سيراً على الأقدام، ولو فعلنا لجذبنا على الأرجح النوع الذي لا نريده من الأنظار. لعلّ لدى القرويّين عربةً يسمحون لنا بأخذها. نستطيع على الأقلّ أن نجرّها خلفنا.»
اقترحت ويكووكِت: «يستطيع غرَنتِل أن يجرّنا! وأنا يمكنني أن أركب فحسب!» فأطلق غرَنتِل شخيراً.
تأمّل آل الأمر. «أنا واثقٌ أنّنا نستطيع...إقناع...غرَنتِل بأن يجرّنا في كلّ مكان، لكنّ معاملته دابّةَ حِملٍ على الدوام تبدو سوء استغلالٍ لإمكاناته.»
«أفترض أنّنا نستطيع التناوب. حسناً، أنتم تستطيعون التناوب. فزهرةٌ رقيقةٌ من البراءة مثلي لا يمكن بحالٍ أن تجرّ عربةً كبيرةً بما يكفي لتكون نافعة.»
كاد آل يُهدّد بأن يبتكر شيئاً من فنّ السِّحر يجعلها صالحةً لجرّ عربة، لكنّه كفّ عن ذلك حين أدرك أنّها على الأرجح ستُعجَب بالفكرة ولن تكُفّ عن مُلاحّته حتى يجد سبيلاً لتنفيذها.
كان الطريق إلى الحِصن مألوفاً من الليلة السابقة، يمرّ بآخر بيتٍ حيث الحمار في فناء الدجاج، ثم أقلّ من ساعةٍ سيراً على الطريق، فصعوداً في التلّة. وأضفى ضوء الشمس وتلويحات القرويّين المُمتنّين المَرِحة وهم في طريقهم للخروج على الرحلة شعوراً أطيب بكثيرٍ هذه المرّة.
ومن الأمور الأخرى المختلفة ذلك الرجل غير المُتوقَّع الواقف بصبرٍ خارج الباب الأماميّ للحِصن حين وصلوا. كان رجلاً طويلاً نحيلاً وسيماً، يرتدي سُترةً بيضاء نظيفةً فوق قميصٍ منفوشٍ أخضر داكن. كانت السُّترة مفتوحةً لتُظهر كشاكش القميص التي لا داعي لها البتّة، مُكمِّلةً أكمام السُّترة المشقوقة بانتظامٍ حيث تبرز منها ثنيات أكمام القميص لتجعل ذراعيه تبدوان مُكشكشتين هما أيضاً. جزمةٌ جلديّةٌ بيضاء تبلغ الرُّكبة، وسروالٌ أبيض ضيّق بحاشيةٍ خضراء يتناغم مع بقيّة الثياب. وأتمّ الزِّيَّ قبّعةٌ لبّاديّةٌ طويلةٌ مُستديرةٌ تُلبَس مائلةً قليلاً عن المنتصف، رُبطت بها باقةٌ سخيفةٌ من الورود الخضراء الشائكة وريش الطيور، وهو زِيٌّ افترض آل أنّه أحدث صيحات الموضة العابثة بين طبقة النبلاء. وكان رأس الرجل مُغطّى بشعرٍ ذهبيٍّ قصيرٍ مُدهونٍ ومُجعَّدٍ بإتقان، ووجهه حليقٌ تماماً. وعلى مُحيّاه ابتسامةٌ ماكرةٌ هادئةٌ لمن لا تُثير الحياةُ إعجابَه في الغالب، لكنّه لتوّه لمح شيئاً قد يوفّر بعض التسلية المؤقّتة المُرحَّب بها.
اتّكأ الرجل مُسترخياً على الجدار بجانب الباب الأماميّ للحِصن، مُريحاً يديه على صَبّةٍ معدنيّةٍ فضّيّةٍ على هيئة رأس ذئبٍ تعلو عصاً طويلة. ابتسم ابتسامةً هادئةً وأومأ برأسه بأدبٍ حين اقترب آل ورفاقه. ورآه آل يتفحّص كلاًّ منهم واحداً تلو الآخر، رافعاً حاجبه أمام غرَنتِل.
نادى آل ليُطمئن الرجل: «لا تقلق، نحن ودودون.»
ردّ الرجل بلُطف: «يسرّني سماع ذلك، أتصوّر أنّ الأمور كانت ستسوء بالنسبة إليّ لو لم تكونوا كذلك. أهلاً بكم في حِصن وولفكِن. أنا البارون* هيرن وولفكِن. أيمكنني معرفة أسمائكم أنتم؟»
أجاب آل مسروراً لأنّ هذه الزيارة للحِصن بدأت بدايةً طيّبة: «يُنادونني آل. ذاك بوته، وهذا غرَنتِل، و...أوه، أنتِ على الأرجح تريدين أن تُعرّفي بنفسكِ» قال أخيراً لويكووكِت.
قالت ويكووكِت بإيجازٍ مُذهل: «اسمي ويكووكِت.» ألقى آل نظرةً فرآها بابتسامةٍ ودودةٍ تبدو مُتكلَّفةً بعض الشيء. وحين التفت آل ثانيةً إلى البارون وولفكِن، لمح على وجهه لحظةً عابرةً من الضِّيق أو خيبة الأمل، وإن حلّت محلّها الوداعة من جديدٍ على الفور تقريباً. لعلّه كان يتوقّع ردّاً أكثر رسميّة.
سأل البارون: «أظنّني مَدينٌ لكم أربعتكم على الهدايا. فمن خلال ما وجدناه في حِصني هذا الصباح، يبدو أنّ أحداً قد أسدى إليّ صنيعاً عظيماً. أكان ذلك أنتم؟»
أجاب بوته قبل أن يتمكّن آل: «سيلزمك أن تُوضّح الصنيع الذي تقصده كي نُقدّم جواباً صادقاً، لكنّنا نحن الأربعة كنّا هنا الليلة الماضية. أيمكنني أن أسأل متى زُرت حِصن وولفكِن آخر مرّة؟»
حوّل البارون وولفكِن ابتسامته الودودة نحو بوته. «كنت بعيداً عن هنا طَوال السنوات الأربع الماضية، منشغلاً بأمورٍ دقيقةٍ في البلاط، ولم أصل إلا هذا الصباح. لا أعرف اسم القيّم الذي كان يُدير شؤون الحِصن قبل اليوم. وأيّاً كان، فيبدو أنّه أهمل المكان إهمالاً شديداً وترك وراءه فوضى عارمة.»
استرخى آل. فقد كان قلقاً من أن يتبيّن أنّ الوَحش قريبٌ للبارون.
لخّص آل: «جئنا الليلة الماضية نقتفي أثر وحشٍ غير طبيعيٍّ ظلّ يقتل أهل مأوى الدجاج. لا نملك القصّة كاملةً، لكن يبدو أنّ القيّم ساوم شيئاً ما لم يكن ينبغي له أن يساومه فأفسده. وما تحوّل إليه قُتل الليلة الماضية.»
«آه، إذن فذاك هو الشيء الهيكليّ المقطوع الرأس الذي وجده خدمي في القبو. إن كنتم المسؤولين عن تخليصنا من ذلك الوحش، فأنا إذن مَدينٌ لكم بصنيع. لا يمكننا أن نترك مخلوقاً ما يُفني السكّان، فالموتى في النهاية مُعفَوْن من دفع الضرائب. ها ها.»
أجل، إنّه من النبلاء بلا شكّ، فكّر آل.
«كان ذلك نحن، أجل. عُدنا آملين أن نعرف المزيد عمّا أفضى إلى هذا الوضع، ولم نتوقّع أن نجد أحداً هنا. بدا المكان وكأنّه أُهمِل زمناً طويلاً.»
«لاحظتُ ذلك. نظّف الخدم الأشياء قدر استطاعتهم قبل أن يذهبوا لإحضار بقيّة أغراضي. ومع ذلك، يمكنني أن أرحّب بكم للدخول وإلقاء نظرةٍ أخرى في الأرجاء. لكن أوّلاً، أودّ أن أسأل إن كنتم قد أخذتم شيئاً من الحِصن بالفعل.»
اعترف آل: «كانت هناك بضعة أشياء.» ثم عدّدها. «أخذتُ كتابين وجدتهما في غرفة المطالعة، وفانوساً وجدناه في المختبر الخيميائيّ. وأخذنا جُمجمة الوَحش، بالطبع، وصندوقاً، لكنّ ذلك آخْ!»
كانت ويكووكِت قد داست قدم آل عن غير قصد.
أوضحت بنبرةٍ خاليةٍ من التعبير: «كان الصندوق مُقفَلاً، فحملناه إلى الخارج دون أن نفتحه.»
عدّ البارون على أصابعه وأومأ برأسه. «إذن سأسمح لكم بأخذ شيءٍ واحدٍ آخر من حِصني، بشرط أن يحمل ما تأخذونه، أيّاً كان، أحدُكم بنفسه، وأطلب منكم ألّا تفكّكوا أو تُتلفوا شيئاً في أثناء أخذ ما اخترتموه.»
وجد آل هذا غريباً، فهو من قبيل المكافآت العجيبة التي تحدث في كتب الحكايات. وتغلّب الفضول على مخاوف آل بشأن آداب اللياقة.
سأل: «أيّ شيءٍ واحد؟»
«هذا صحيح.»
«إن لم يكن في سؤالي إزعاج...لا أريد أن أبدو ناكراً للجميل لأنّني لستُ كذلك، لكنّ تلك تبدو شروطاً محدّدةً على نحوٍ غريب. أيمكنني أن أسأل عن السبب؟»
«مَن هو مثلي، ذو خبرةٍ وافرةٍ في التعامل مع شؤون البلاط، يغدو حذراً حيال ضروب الخداع اللفظيّ المُمكنة. فلو عرضتُ عليكم أيّ شيءٍ واحدٍ ببساطة، لربّما مِلتم، مثلاً، إلى طلب ملكيّة رَدهة الحِصن على افتراض أنّ هذا يمنحكم حقّ دخول الحِصن في أيّ وقت. ومع أنّني أرحّب بالضيف بين الحين والآخر إن كان مثيراً للاهتمام، فبوسعكم أن تفهموا أنّني لا أودّ أن يدخل أحدٌ ويخرج كما يحلو له من حِصني الخاصّ. واشتراطُ ألّا تفكّكوا شيئاً يمنعكم من إلحاق الضرر بالمبنى أو، مثلاً، أخذ الباب الأماميّ. هكذا تجري الأمور فحسب.»
تمتم آل لنفسه: «خمسمئة قطعةٍ ذهبيّةٍ قيمتها خمسمئة قطعةٍ ذهبيّة.» ثم قال للبارون: «شكراً لك، على المكافأة وعلى الشرح. لا بدّ أنّ حياة نبيلٍ في البلاط حياةٌ مثيرةٌ للاهتمام.»
«قد تكون مُسلّية. وولفكِن سُلالةٌ نبيلةٌ عريقةٌ جدّاً، جزءٌ من البلاط الكازوسيّ منذ أجيالٍ عديدة. لكنّها للأسف في انحدارٍ مؤخّراً. بل إنّني آخر أفراد عائلة وولفكِن في هذا الوقت. سيتعيّن عليّ أن أجد لنفسي بارونةً وأُنجب بعض الورثة. أمِن نَسبٍ نبيلٍ أنتِ، يا ويكووكِتي الصغيرة؟» مازحها البارون.
ردّت ووجهها قناعٌ متيبّسٌ من الأدب: «لا. آسفة.»
ضحك البارون ضحكةً خافتة. وقال مبتسماً ابتسامةً عريضة: «يا للأسف. حسناً الآن، دعوني أدعوكم إلى الداخل لتُلقوا نظرةً وتأخذوا مكافأتكم قبل أن يعود خدمي ببقيّة مُقتنياتي. كلّفتُ الخدم بتنظيف المكان هذا الصباح قدر استطاعتهم، لكن كما تعلمون لم يكن المكان مُصاناً جيّداً، فلا بدّ أن أعتذر عن أيّ فوضى باقية.»
أشار إليهم أن يتبعوه وهو يدفع باب الحِصن ليفتحه.
* البارون: رتبةُ نبالةٍ دنيا، صاحبُ إقطاعٍ وسيّدُ حِصن.
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion