Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 39
أبهرت آلَ مهارةُ الخدم في التنظيف؛ فقد بدت الرَّدهةُ أفضل بكثير مما كانت عليه الليلةَ الفائتة. اختفى البِساطُ الملطَّخُ بالدماء، وكذلك الكرسيُّ المُحطَّم. أما الكراسي الباقية فقد نُظِّفت من الغبار تماماً وبدت مريحة. واستُعمِل نوعٌ من الجصّ لتغطية الموضع الذي اقتلع منه غرَنتِل إحدى مشاكي المشاعل من الجدار. وحين دخل الغرفةَ، لاحظ آل أنّ الأعلام قد استُبدِلت هي الأخرى. كانت خضراءَ داكنةً بلون الغابة، يعلوها رأسُ ذئبٍ أبيضُ شعاريٌّ في وضعٍ جانبيّ. ووُضِعت الشموع في الثُّرَيّا وأُوقِدت، فغمرت الغرفةَ كلَّها بالضياء والبهجة.
«أرأيت، إليك مثالاً. لا أودّ أن أُضطرّ إلى استبدال الثُّرَيّا، لكنّها تُعَدّ ‹غرضاً واحداً›. إنها ثقيلةٌ جداً، لكنّي أظنّ أنّ الرفيقَ الضخمَ الغريبَ الذي بصحبتك قد يقوى على حملها. ولحُسن حظّي، سيتعيّن عليك تفكيكُ المثبِّتات التي تُعلّقها بالسقف، فلا تنطبق عليها الشروط. لِمَ تنظر إليّ هكذا؟»
نقل آل بصرَه من البارون إلى غرَنتِل، ثم أعاده.
«الأمر فقط... حسناً، ليس هذا غيرَ دقيق، يا مولاي، لكنّ ‹رفيقاً ضخماً غريباً› ليست عبارةً توقّعتُ يوماً أن أسمع أحداً يصف بها غُنولاً.»
«آه، أهكذا يبدو الغُنول؟ أفهم الآن لماذا كانوا مصدرَ مشكلةٍ كبيرة في الشمال الشرقيّ، إن كانوا جميعاً بمثل هَيبته.»
«يجده معظم الناس مُخيفاً. ألستَ قلقاً البتّة؟»
«إنّ احتمالَ عنفٍ بسيطٍ أقلُّ إثارةً للقلق بكثير من بعض ما هُدِّدتُ به في أوقاتٍ شتّى في البلاط. ثم إنّك أكّدتَ لي أنّكم ودودون.»
«لكنْ قد نكون كذبنا.»
«أكذبتم؟»
«لا، بالطبع لا!»
«إذن لا داعيَ لأن أقلق. والآن، كنتُ في طريقي للتوّ لتفقّد الأرجاء، التي يبدو أنها أُهمِلت هي الأخرى في غيابي الطويل. سأترككم تجولون وتختارون مكافأتكم. وأثق بأنكم ستلتزمون بالقواعد.»
انحنى انحناءةً رسميّة وغادر الحِصنَ بخطوةٍ مَرِحة.
«نذلٌ مُريب،» تمتمت ويكووكِت.
«أسبق أن قابلتِه؟» سألها آل، «أدركتُ أنّه لا يروق لكِ.»
«لا،» أجابت، «فلنُنجِز هذا ونرحل كي أعود إلى عدم لقائه أبداً.»
«بدا لي ودوداً لطيفاً جداً. أهذا بسبب مُداعبته إياكِ بالزواج؟»
«لا. حسناً، وذاك أيضاً، لكن لو كان ذاك وحده لدلّ فقط على حُسن ذوقه. ثمّة شيءٌ زائف فيه فحسب، ولا يعجبني.»
«حسناً، إنّه نبيل، وهم جميعاً يعيشون في مجتمعهم الغريب بمعزلٍ عن عامّة الناس. ومن المُتوقَّع نوعاً ما أن يبدو المرء شاذّاً بعض الشيء بين الناس العاديّين. والحقُّ أنّ البارون وولفكِن يبدو أقربَ إلى النفس من معظمهم، بحسب تعاملي القليل معهم من قبل. على الأقلّ هو... متناظر. فالنُّبلاء ليسوا بالضبط جماعةً متنوّعةَ التناسل.»
«إذن كلُّ زواج الأقارب في هذا الرجل قد استقرّ في داخله. تستطيعون جميعاً أن تلمحوا أنّ فيه شيئاً خاطئاً، أليس كذلك؟» ونظرت ويكووكِت إلى الآخرين.
«يبدو لي أرستقراطيّاً بعض الشيء فحسب، لا شخصاً سيّئاً على الإطلاق،» قال آل.
تأمّل بوته. «يبدو لي لطيفاً جديراً بالثقة، وإن كنتُ لا أعرف السبب على وجه الدقّة.»
في عدم تصديقٍ، التفتت ويكووكِت إلى غرَنتِل.
«رائحته طيّبة،» قال. «كحليف عشيرة. كـ... صديق؟»
حدّقت ويكووكِت. «كيف لنا أصلاً أن نعرف أنّه مَن يزعم أنه هو؟» احتجّت أخيراً.
«أظنّنا في الحقيقة لا نعرف،» اعترف آل.
«ربما يُقسِم قَسَماً للتأكيد،» اقترح بوته، «وقد يكون من الحسن فعلُ ذلك من الناحية القانونية على أيّة حال، لنؤكّد أنّ أخذنا شيئاً من الحِصن قد أُذِن به على النحو الصحيح.»
شخرت ويكووكِت. «لا يهمّ. لنُنهِ هذا ونخرج من هنا. ويُحبَّذ بشيءٍ أثمنَ مما يتوقّعه البارون أيّاً كان.»
دفع آل باب الممرّ ففُتِح، وشرعوا في تفقّدهم. كان في كلّ مِشكاةٍ مشعلٌ جديدٌ يتّقد للإضاءة.
كان خدم البارون إمّا كثيري العدد وإمّا بالغي الكفاءة، إذ بدا أنّ المكان بأسره قد نُظِّف تنظيفاً شاملاً. لم تعد قِطَع الدرع المحطَّمة تملأ أرضَ الممرّ أو المُصلّى. وفي المُصلّى نفسه، أُزيلت المقاعدُ المتعفّنة كلُّها، وبدت آثارٌ تدلّ على أنّ أحدهم حاول بعض أعمال الترميم الإضافية على تمثال فورتونا. وفي مسكن الخدم، أُزيلت عظام خادم القيّم المقتول، حتى بُقَع الدم القديمة على الأرض بدت وقد فُرِكت جيّداً حتى تكاد لا تُرى الآن. وإذ فحصت ويكووكِت تلك الغرفة فحصاً أدقّ مما فعلوا الليلة السابقة، عثرت على صُندوقٍ مُقفَل تحت سرير الخادم، خلف قَصْريّة. وابتسمت بجشعٍ حين سمعت رنينَ العملات في داخله.
ثم عبست. «ليس ثميناً بما يكفي. لن يلحظ حتى إن أخذنا مُدَّخرات خادمٍ مسكين.»
ودفعته ثانيةً تحت السرير.
وعبر الممرّ، صار الحمّام تفوح منه رائحةُ صابونٍ خفيفة بدلاً من عَفَن ما كان في المِغطَس من قبل. ورمقت ويكووكِت المرآة.
«المرايا باهظةٌ، أليست كذلك؟ وهذه كبيرةٌ جداً. سيكون جزاءً عادلاً له لو سلبناه القدرة على الإعجاب بنفسه.»
«وماذا نفعل بمرآةٍ كبيرةٍ ثقيلةٍ قابلةٍ للكسر؟» سأل آل. «أفهم أنّه لا يعجبكِ، لكنّي أظنّكِ صرتِ مهووسةً بعض الشيء.»
كان المطبخ غرفةً نظيفةً بخزائنَ فارغة، حتى القَبْو قد نُفِض عنه الغبار. ولم يُعثَر على عظام الوَحش في أيّ مكان. وحين عادوا إلى الطابق العلويّ، وجدوا أبواب قاعة الوليمة وقد سُمِّرت عليها الآن لافتاتٌ خشبيّة مطليّة لرأس ذئبٍ في وضعٍ جانبيّ، تطابق الصورة التي على الأعلام التي رأوها من قبل. وقد نُظِّفت قاعة الوليمة هي الأخرى، وأضاءتها ودفّأتها جذوعُ الحطب المشتعلة في المِدفأة. اختفت اللوحات الممزَّقة، لكن صار هناك الآن صورةٌ شخصيّةٌ للبارون هيرن وولفكِن مُعلَّقةٌ يمين المِدفأة.
وفي الغرفة العُليا، أُعيدت الطاولة والكراسي إلى وضعها القائم، ورُتِّبت قِطَع اللعبة بعناية على الطاولة. وخلت غرفةُ النوم الكبيرة التي وجدوا فيها الوَحش من الريش. وافترض آل أنّه أُعيد حشوُه في الفِراش، إذ بدا أنّه خُيِّط من جديد ونُشِرت الأغطية بترتيبٍ فوقه. وظلّت الثياب في خِزانة الثياب في مكانها، لكنها دُفِعت إلى جانبٍ، كأنما لإفساح مكانٍ لثيابٍ جديدة.
نُفِض الغبار عن المُختبَر الخيميائيّ وفُرِك السُّخام عن الجدران، وإن ظلّ الحجر مُتشظّياً في مواضع عدّة. لمعت القوارير والأجهزة على الطاولة، وكذلك المشعلان السحريّان الخامدان الآن اللذان وُضِعا هناك، ورُتِّبت مجموعة اللوازم الخيميائية في المِخزَن. وأخيراً، بلغوا غرفة المُطالَعة. أُزيل الكرسيُّ الوثير الذي انكسر تحت ثِقَل غرَنتِل، وكذلك البِساط الغريب الذي أُتلِف حين هاجم آل. وبُذِل بعض الجهد لإزالة بُقَع الحبر عن طاولة الكتابة والأرض، ورتّب أحدهم الكتب في خزائن الكتب.
التفت آل إلى رفاقه.
«يُدهشني كم صار هذا المكان نظيفاً في ساعاتٍ قليلة. لا يبدو أنّ هنا شيئاً آخر يُعثَر عليه، وإن وُجِد فقد أُزيل مع التنظيف. على الأقلّ يحقّ لنا أن نأخذ شيئاً معنا. هل رأى أحدكم شيئاً يرى بوجهٍ خاصّ أن نختاره؟»
«لا،» قال غرَنتِل.
«أتوقّع أنّ أثمن المعارف يوجد في هذه الغرفة،» رأى بوته.
«كنتُ آمُل نوعاً ما أن يقول ذلك أحدٌ غيري. إن اخترنا أحد النصوص السحرية هنا، فهو على الأرجح أرجى مكانٍ لتعلُّم أيّ شيءٍ إضافيّ،» قال آل، «لكنّي على الأرجح أكثرُ مَن سيستفيد منها.»
رمقت ويكووكِت خِزانة الكتب ذات الكتب السحرية نظرةً داهية.
«الكتب باهظةٌ، أليست كذلك؟ خصوصاً كتب السحر، صحيح؟»
«حسناً، نعم. إنها قيّمةٌ بلا شكّ. أعني، انظري، هنا في الرفّ الأسفل، ثمّة المبادئ الفلسفيّة في السِّحر للمُبتدئ، حتى هذا قد يكلّف عشرين قطعةً ذهبية أو أكثر.»
«مهلاً!» صاحت ويكووكِت حين مدّ يده إليه. سحب آل يده ونظر إليها.
«ذاك النذل!» تمتمت. «ذاك النذل المخادع!»
«ماذا؟»
«ما ذاك؟» سألت ويكووكِت مشيرةً إلى خِزانة الكتب.
«إنها... خِزانةُ كتبٍ مملوءةٌ بالكتب؟»
«ولو كنتَ ستُفكِّك تلك الخِزانةَ المملوءةَ بالكتب، فماذا كنت ستفعل؟»
«حسناً، سأبدأ بإخراج الكتب... آه. هذه لعبةٌ سخيفةٌ من نوعٍ ما، أليس كذلك؟»
«قد لا تكون كذلك، لكنها تمنحني فكرة. غرَنتِل، أنت قويٌّ جداً، صحيح؟»...
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion