Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 40
اقتضى الأمرُ شيئاً من التنسيق الدقيق، لكنّ الأربعة نجحوا في إخراج خِزانة الكتب القائمة بذاتها، المُفعمة بكتب السِّحر، من غرفة المُطالَعة، ونزولاً على الدَّرَج، حتى الرَّدهة، دون أن يسقط أيٌّ من الكتب. فتحوا الباب الأماميّ ليجدوا البارون وولفكِن ينتظرهم في صبر. ارتفع حاجبٌ متشكِّكٌ على وجهه حين لفَّ غرَنتِل ذراعَيه حول الخِزانة، وأطبق فكَّيه على الرفّ العلويّ، ورفعها بما فيها من كتب. ثمّ تهادى بها جانبيّاً عبر الباب الأماميّ حاملاً إيّاها.
كان آل قد خشيَ أن يغضب البارون، لكنّه عوضاً عن ذلك صفّق ببطء، ثمّ انحنى. وحين اعتدل، كان يبتسم.
«أحسنتم اللعب، بارعون للغاية. غرَضٌ واحدٌ كاملٌ، ما زال مُجمَّعاً، يحمله أحدُكم خارجاً من الحِصن. كنتُ أخشى أن تأخذوا مرآتي بدلاً من ذلك.»
أطلقت ويكووكِت شخيراً خافتاً من الضِّيق.
«الكُتُب اشتراها القيّم لا أنا، ومع أنّها ملكي قانوناً، فأحسبُ أنّي لن أفتقدها كثيراً. أُشجّعكم على حُسن الانتفاع بها، وأتوقّع أن تكون النتائج مثيرة. حاولوا ألّا تُعجِّلوا بسقوط الأمّة أكثر من اللازم، فسأحتاج إلى وقتٍ أُهيّئ فيه نفسي للاستفادة من الفوضى. ها ها،» تابع البارون.
«حسنٌ، يسعدني أنّك لست مُنزعجاً يا مولاي،» قال آل.
«مع أنّي لستُ شديد الاكتراث بـالإنصاف، فلا أرضى أن يُقال إنّي سيّئُ المُروءة عند الخسارة. ثمّ إنّكم أسديتم إليّ خدمةً جليلة، ولا أودّ أن أكون ناكراً للجميل. نعم يا سيّدتي ويكووكِت، ألديكِ ما تسألين عنه؟»
«يقول آل إنّك لست قبيحاً بما يكفي لتكون من النبالة الحقيقيّة،» قالت بصراحةٍ فَجّة.
«أنا!... لم أفعل قطّ!... لم أقل شيئاً كهذا البتّة!» احتجّ آل. أمّا البارون فألقى رأسه إلى الوراء ضاحكاً، ضحكاً امتدّ أطول قليلاً ممّا يستريح إليه آل.
«مُبهجٌ، مُبهجٌ حقّاً،» قال البارون حين توقّف عن الضحك أخيراً، «لا بُدّ أن أروي هذه للّورد كرينجلي، ثمّ أضحك ثانيةً حين لا يفهمها فيعلو وجهَه المائل تلك النظرةُ الحائرة المعهودة منه.»
«ما تعنيه هو ببساطةٍ أنّنا لسنا على معرفةٍ شخصيّةٍ بأفراد النبالة، وليس لدينا وسيلةٌ حقّاً نميّز بها البارون هيرن وولفكِن الحقيقيّ من مُنتحِلٍ لشخصيّته، وأردنا أن نتأكّد من أنّنا لسنا مدعوّين لسرقة البارون الفعليّ. لا أنّني أنا لا أُصدّقك، لكن...» بدأ آل.
«لكنّني لا أملك المظهر المطلوب. صحيحٌ أنّ عائلة وولفكِن كانت أكثر اهتماماً بـسلامة سُلالتها منها بـنقائها. ولعلّ هذا هو سبب انحدارنا في البلاط منذ أمدٍ بعيد. أؤكّد لكم أنّ اسم البارون هيرن وولفكِن ولقبه لي. فكيف تقترحون أن أُقنعكم بذلك جميعاً؟»
«اقتُرِح قَسَمٌ أمام الألوهيّة،» أجاب بوته.
«الوقوفُ في حضرة السيّدة فورتونا من جديدٍ ذريعةٌ مُرحَّبٌ بها. رافقوني إلى المُصلّى، ولكم قَسَمكم.»
تبعوا البارون إلى الداخل، وتوقّف آل ليقترح على غرَنتِل أن يُنزل الخِزانة ويتركها في الخارج مؤقّتاً. فتح البارون البابَ المُفضي من الرَّدهة إلى المُصلّى، وانحنى لتمثال فورتونا انحناءةً صغيرةً مُوقَّرةً وهو يدخل. وحين اجتمع الجميع للمُشاهدة، وضع يده اليمنى في يد التمثال. نظر في عينَي رأس الإلهة الحجريّ وأنشد:
«على مرأى فورتونا،
بحياتي وبمَجدي أُقسِمُ،
إنّ البارون هيرن وولفكِن
هو اسمي الحقُّ بجدارة.»
كان قَسَماً غريباً أشبه بالأُنشودة في رأي آل، لكنّه على نحوٍ ما مُقنِعٌ تماماً. لم تكن هناك قعقعاتُ رعدٍ مشؤومة، ولا خُفوتُ ضوء، ولا انهيارُ سقف، ولا غيرُها من علامات السَّخَط الإلهيّ، ولا أدنى أثرٍ للكذب من البارون نفسه. حتى ويكووكِت بدت أقلَّ تشكُّكاً. وأومأ بوته إيماءةً واحدةً بعد لحظة.
«شكراً لك على مُجاراتنا، أيّها البارون هيرن وولفكِن،» قال بوته.
«لا عناء في ذلك. أُقدّر نيّتكم. والآن، إن كنّا جميعاً راضين، فأظنّ أنّ ثمّة مسألةً أخيرةً تحتاج إلى حسمٍ قبل أن أصرفكم في سبيلكم فأعود إلى شأني. أحسبُ أنّي مدينٌ لكم جميعاً بمعروفٍ ردّاً على الخدمة التي أسديتموها إليّ، ولعلّه ردٌّ على ما تلاها من تسلية أيضاً،» قال البارون مبتسماً. «اطلبوا منّي ما تشاؤون، وإن كان في وُسعي أن أفعل ما تطلبون في حدود المعقول، فسأفعل.»
رأى آل ويكووكِت تُلقي على البارون نظرةً مُرتابة.
«أعطِنا...،» بدأ غرَنتِل يقول، لكنّ آل قاطعه.
«لدينا كلُّ الطعام الذي نريده في مأوى الدجاج،» قال لغرَنتِل.
هدأ غرَنتِل متذمّراً. «ليس هنا.»
للمرّة الثانية، خُيّل إلى آل أنّه لمح أثراً من الضِّيق على البارون قبل أن تعود الابتسامة الصبورة. نظر آل إلى الآخرين. هزّ بوته كتفَيه، أمّا ويكووكِت فاكتفت بأن رمقته بنظرةٍ متشكِّكة.
«حسنٌ... أهل قرية مأوى الدجاج ينتابهم شيءٌ من القلق بشأن الضرائب، إذ إنّ... القيّم لم يكن يجبيها. فهل من شيءٍ تستطيع أن تفعله في هذا الأمر؟»
«جباية الضرائب من واجبات البارون هيرن وولفكِن،» شرح البارون، «لا يمكنني ببساطةٍ أن أكفّ عن جبايتها.»
«ربّما يمكنك أن تُعينهم بطريقةٍ ما، حتى لا تكون الضرائب عبئاً ثقيلاً، ربّما؟»
«عليك أن تكون أكثر تحديداً. لا يمكنني ببساطةٍ أن أُعطيهم مالاً، مثلاً.»
«حسنٌ، لكنّك تبدو شديد الفِطنة، وأتخيّل أنّك لا بُدّ تعرف كثيراً من ذوي الشأن. لعلّك تُسدي إلى القرويّين النصح، وتُعينهم في تجارتهم وأعمالهم. تعرف، فقط، ساعِدهم على الازدهار. عندئذٍ تستطيع أن تجبي منهم ضرائب أكثر، ومع ذلك تتحسّن أحوالُ معيشتهم.»
«كم أنت مِعطاءٌ ناكرٌ لذاتك. أمُتأكّدون أنّكم لا تُفضّلون شيئاً لأنفسكم؟»
«بصراحة، هذا نوعاً ما لنا نحن أيضاً. لقد كان أهل مأوى الدجاج كُرماء معنا بقدر ما تسمح به مواردهم المُتواضعة، ووعدونا بمكانٍ نُقيم فيه وطعامٍ مجّانيّ كلّما مررنا بهم. فإن ازدادوا رخاءً، أتوقّع أن تكون لديهم أَسِرّةٌ أوثر وأصنافُ طعامٍ أكثر تنوّعاً في المرّة القادمة. كما أنّ حُسن ثنائهم علينا حين يحدّثون غيرهم عنّا سيكون في صالحنا أيضاً.»
«آه، ها هي ذي، المصلحة الذاتيّة المُستنيرة طريقةُ تفكيرٍ نبيلةٌ جدّاً. لو كان لك النَّسَبُ والتنشئةُ المُناسبان، لرُبّما صرتَ بنفسك عضواً بارعاً في النبالة.»
«ربّما ينبغي أن تتزوّجه هو،» قالت ويكووكِت مُحاوِلةً استفزاز البارون، لكنّ ذلك لم يُحدِث أثراً فيما يبدو.
«يمكنني فعل ذلك،» قال بنبرةٍ عاديّةٍ، ناظراً إلى آل.
«آه... حسنٌ، لا، لكن...»
«...لكنّي أظنّ أنّ ذلك سيُعقّد بلا داعٍ مسألةَ إنجاب الورثة المرغوبين لاسم العائلة،» أكمل البارون، وقد ارتسمت على وجهه ابتسامةٌ ماكرةٌ يُسلّيها حَرَجُ آل.
عبست ويكووكِت عبوساً خفيفاً من خيبة الأمل. لم يُعِر البارون ذلك اهتماماً. بل فرك أنفه مُتفكّراً. وأخيراً، ابتسم ابتسامةً عريضة.
«إن كان هذا هو المعروف الذي تطلبونه منّي، فسأفي به. لكم أن تتركوا رخاء قرية مأوى الدجاج بين يديّ القديرتين.»
«شكراً لك يا مولاي.»
«لا، بل أنا مَن عليه أن يشكركم. والآن، هل لديكم شأنٌ آخر، أم نرفع هذا الاجتماع لنعود إلى قضاء مهامّنا؟»
«أظنّ أنّ هذا كلُّ شيء. سنتركك تعود إلى واجباتك، وسنعود إلى مأوى الدجاج لنحمل إلى الجميع البُشرى. غالباً سنُقيم هناك يوماً أو يومين قبل أن نتوجّه إلى بذرة اللفت لمهمّتنا القادمة. وإن احتجت إلينا في أيّ شيء فسنكون هناك.»
ارتسمت على وجه البارون أمارةُ اشمئزاز. «بذرة اللفت؟ عزائي لكم. يا له من مكانٍ كئيب. لا شكّ أنّهم سينتفعون بأيّ إثارةٍ قد يجلبها إليهم أشخاصٌ مُلوَّنون مثلكم. وآمل حقّاً أن يُقدّروكم حقّ قدركم. الوداع إذن. أتوقّع أن أسمع المزيد عنكم في المُستقبل.»
انحنى وأشار إشارةً مُنمَّقةً نحو الباب الأماميّ للحِصن. استدار غرَنتِل وخرج طائعاً، على نحوٍ فاجأ آل. ظلّ البارون على وقفته بينما استدار الآخرون للمغادرة هم أيضاً، ثمّ تبعهم إلى الباب الأماميّ. انحنى انحناءةً أخيرةً صغيرة، وأغلق باب الحِصن دون كلمة، تاركاً آل ورفاقه وحدهم في الخارج.
حدّقت ويكووكِت في الباب المُغلَق بغضب. «هل كلُّ النبلاء بهذا السوء؟»
«لستُ أفهم حقّاً لماذا كرهتِه إلى هذا الحدّ منذ اللحظة الأولى،» أجاب آل، «لم ألتقِ إلّا بقلّةٍ منهم، ولا أعرف أحداً منهم معرفةً حقيقيّة، لكن ممّا رأيتُ وسمعتُ فإنّ معظمهم أقلّ لطفاً بكثيرٍ في مُعاشرتهم.»
«في هذه الحالة، أعلِمني حين تشرع في مسألة سقوط الأمّة تلك التي كان يتحدّث عنها. أريد أن أُشارك فيها.»
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion