Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 41
فكّر آل، وفاءً بواجبه، في أن يوزّع حِمل الكتب على الرِّفقة وأن يجرّوا خِزانة الكتب في طريق العودة بالطريقة الشاقّة، ثمّ استقرّ رأيه على أنّ فرضَ انضباطه الشخصيّ على سائر الناس أمرٌ غير معقول. فاستحضر دائرة القوّة السحريّة المُجِدّة لتحمل الخِزانة. لكنّه على الأقلّ حرص على أن يسير في عودته سيراً أشدّ من المعتاد. وجاراه بوته صابراً على وتيرته رغم قِصَر ساقَيه، غير مُكترثٍ فيما يبدو، أمّا غرَنتِل فبدا أنّه لم ينتبه أصلاً. وأمّا ويكووكِت فغشّت، إذ امتطت «العربة الخفيّة» مبتهجة. وراقبهم شخصٌ وحيدٌ من أعلى الحِصن وهم يغادرون.
وراقبهم شخصٌ وحيدٌ أيضاً عند عودتهم في مطلع ذلك المساء، وإن كان ذا أربعة حوافر. فرَّ الدجاج إلى قِنّه قبل أن يقتربوا من البيت الواقع في أطراف القرية، أمّا الحمار فوقف مكانه وحسب، ضجِراً يمضغ العشب. وهذه المرّة، انتبه آل. ودفعه الفضول فأبطأ خُطاه وانحرف نحو فناء الدجاج المُسوَّر. رفع الحمار رأسه مُسجّلاً وصول آل، ثمّ أعاده إلى الأسفل ليقضم خُصلةً أخرى من العشب.
«ألا نُخيفك؟» سأل آل الحمار، فلم يظفر بجوابٍ سوى لامبالاته التامّة.
أشار آل إلى غرَنتِل، فتقدّم بخطوٍ مُتربّصٍ ووقف يتطاول فوق السياج إلى جانب آل.
«يا حمار!» نادى آل. «ما رأيك في الغُنول؟»
رفع الحمار رأسه ثانيةً عند الضجيج، ثمّ وقف يراقبهما كليهما ويمضغ ملء فمه من العشب.
«ما رأيك يا غرَنتِل؟» سأل آل. فتفكّر غرَنتِل.
«لحمٌ كثير، لكن هزيل. أفضل لو كان أسمن. ربّما إن طبختَه كما ينبغي.»
فرك آل جبهته وتنهّد. «كنتُ أتساءل فقط إن كنتَ تظنّه سيخافك، وإن كان يقدر على جرّ عربة. يبدو قويّاً جدّاً، وهو أوّل دابّة حِملٍ نصادفها لا تُرعبها رؤيتنا.»
«ظننتُ أنّك أنت دابّة حِملنا!» قالت ويكووكِت، «أنت من يجرّ عربتنا السحريّة الخفيّة! لا تفكّر في ربط حمارٍ مسكينٍ بالعربة السحريّة ليجرّها عنك، أليس كذلك؟»
«ليست الأمور تجري هكذا!» تذمّر آل، «أنا مَن ألقى التعويذة، فهي مربوطةٌ بي، هكذا يسير الأمر ببساطة! لا يمكنكِ أن تربطي بها شيئاً آخر وحسب...» ثمّ خفت صوته مُتفكّراً. «حسنٌ، على أيّ حال، السحر ينفد بعد حين، فلا كبير فائدةٍ في ذلك.»
«أتصوّر أنّ هذا المخلوق يُبقى هنا حارساً للدجاج. فحيوانٌ ضخمٌ لا يهاب المُفترسات خليقٌ بأن يردع الثعالب وما شابهها.» خمّن بوته، فصرف آل عن تأمّلاته الأكاديميّة.
«أجل. تُرى هل يرضى صاحبه أن يدعنا نأخذه؟ ذاك، وربّما شراء عربة، وتُحلّ مشاكلنا في حمل الأشياء ونحن نقطع البرّ،» قال آل.
«يمكننا أن نسأل الناس حين نعود إلى النُّزُل! والآن تحرّك يا ساحري الجرّار المُقاتل الجبّار!» قالت ويكووكِت مُمثّلةً طقطقة سوطٍ في اتّجاه آل. «أنا جائعة!»
أطلق غرَنتِل هَمهمةَ موافقة، وعيناه مُثبَّتتان على الحمار. حدّق الحمار فيه بدوره ونخر، وهو يخبط الأرض بحافره. وأدرك غرَنتِل بالغريزة أنّه تحدٍّ، فزمجر. وكشّر عن أنيابه المُسنَّنة وتخطّى السياج.
سمع آل الزمجرة. «لا، مهلاً! غرَنتِل، إنّه... إنّه جزءٌ من القرية! إنّه كفردٍ من العشيرة!» ارتجل قائلاً.
زفَر غرَنتِل غاضباً، والتفتَ يرمق آل بنظرةٍ شزراء. واقتضى الأمرُ كلَّ ما يملك آل من ضبطٍ للنفس ليُبادله النظر في عينيه. وكان الجزء الذي قرأه حتى الآن من أطروحة ميليسا قد تطرّق إلى مسألة الهيمنة، فعرف أنّ تراجعه عند هذا الحدّ أشدُّ خطراً عليه. فحاول أن يُركّز على أن يبدو عازماً لا غاضباً... ولا خائفاً.
مرّت ثوانٍ متوتّرةٌ عدّة. وأخيراً زفر غرَنتِل مرّةً أخرى وأشاح بنظره عائداً إلى الحمار. وهمهم همهمةً واحدة، وأطبق يديه المخلبيّتين قبضتين، بينما أخرج آل زفرةَ ارتياحٍ بأقصى ما استطاع من تكتّم.
«مخلوقٌ... شجاعٌ... جدّاً،» قال غرَنتِل ببطءٍ من بين أنيابه المُسنَّنة المُطبَقة وهو يخطو خطوةً أخرى نحو الحمار، الذي استدار في تراخٍ كأنّه ماضٍ في سبيله. «أنت... تحدّيتَ. لا... تهرب... الآن. لك... أن... تضرب... أوّلاً. اضربني!» أنهى غرَنتِل. التفتَ الحمار ينظر إليه بلا اكتراث بينما اتّخذ غرَنتِل خلفه وقفة مُلاكِمٍ، رافعاً قبضتيه.
كان آل ليجد المشهد مُضحكاً إلى حدّ العبث لولا أنّه معنيٌّ به مباشرةً. وتسابقت أفكاره باحثاً عن حيلةٍ يُهدّئ بها الموقف، لكنّ بوته ربّت على ذراعه وهزّ رأسه نافياً، مُومئاً برأسه إلى جهة العراك الوشيك. وقف الحمار لحظةً، ثمّ نخر. وبقفزةٍ صغيرةٍ مفاجئةٍ، انطلق حافراه الخلفيّان فأصابا غرَنتِل في أسفل صدره مباشرةً، فقذفاه إلى الوراء عن قدميه. وارتطم بظهره ارتطاماً ثقيلاً وهو يُطلق عُواءً قصيراً. وبدا نهيق الحمار أشبه بضحكٍ ساخر، غطّى على صيحة ويكووكِت المُتعاطفة: «آخ!»
قفز آل فوق السياج المنخفض وأسرع يطمئنّ على غرَنتِل، حريصاً على أن يبقى بعيداً عن الحمار. وتجاهل صيحة «ييييه!» من ويكووكِت وقد قفزت «العربة الخفيّة» فوق السياج هي الأخرى لتتبع آل. ولحسن الحظّ بدا الحمار وقد عاد إلى ضجره، يمضغ خُصلةً أخرى من العشب ويستدير في هدوءٍ ليراقب آل وهو يركض، وويكووكِت تطفو خلفه ومعها خِزانة الكتب.
كان غرَنتِل مُستلقياً على ظهره، مُقطّب الوجه وأنفاسه تصفر داخلةً خارجة. زمجر مرّةً وهو يرفع يده يتحسّس الجروح الهلاليّة النازفة نزفاً خفيفاً فوق أضلاعه السُّفلى. وتمنّى آل ألّا تكون هناك عظامٌ مكسورةٌ أو إصاباتٌ داخليّة. ومنحه لحظةً ليُفيق من الصدمة.
«أتقدر على الوقوف؟» سأل آل، غير متيقّنٍ إن كان ينبغي له أن يعرض المساعدة على غُنولٍ يفوقه حجماً بكثير.
كان جواب غرَنتِل أنيناً مكتوماً وهو يجلس مُعتدلاً في وضعيّة الكلب الجالس. أخذ أنفاساً ضحلةً قليلة، ثمّ نهض ببطءٍ مع أنينٍ آخر. «سأراك ثانيةً،» زمجر مخاطباً الحمار من خلال تكشيرة ألمه. ومشى آل معه عائدَين إلى السياج، مُتأهّباً لإسناد الغُنول المُتداعي، لكنّه ظلّ طوال الطريق يرجو ألّا يحتاج إلى ذلك، لأنّه لم يكن واثقاً من أنّه يقوى فعلاً على حمل ثِقَل غرَنتِل. والتقاهما بوته فوقف ثابتاً صابراً بينما اتّكأ غرَنتِل على كتفه وهو يتخطّى السياج بحذر.
«أمُصابٌ إصابةً بالغة؟» سأله بوته. هزّ غرَنتِل رأسه نافياً، وإن كان يحمي أضلاعه بإحدى يديه. «اسمح لي أن أفحصك، أرجوك،» أصرّ بوته. فاستسلم غرَنتِل مُتذمّراً وتهاوى ثانيةً إلى وضعيّة الجلوس. وأطلق عُواءً قصيراً حين مرّر بوته يديه على أضلاعه. ابتسم بوته ابتسامةً رقيقةً وهو يهزّ رأسه.
«ربّما ليست مكسورةً حقّاً، لكنّها بالتأكيد مشروخةٌ على الأقلّ،» شخّص.
«ساقان قويّتان،» قال غرَنتِل، مُحدّقاً في الحمار بغضب.
تسلّق آل السياج بنفسه وجاء لينظر. «هل سيمشي يوماً من جديدٍ أيّها الطبيب؟» سألت ويكووكِت بمُبالَغةٍ مسرحيّة وهي تطفو خلفه.
«لا يُنقذه الآن إلّا تدخّلٌ إلهيّ.» أجابها بوته على المِنوال نفسه مبتسماً ابتسامةً عريضة. ووضع بوته يديه برفقٍ على آثار الحوافر في جلد غرَنتِل ورفع دعاءً قصيراً. فاستجاب النور الإلهيّ، مُبرِزاً للحظةٍ قفصَ غرَنتِل الصدريَّ تحت جلده وكاشفاً عن كسورٍ وشروخٍ عدّة، مُحيَت مع خُفوت النور. أخذ غرَنتِل نفَساً عميقاً، ثمّ زفر.
«أبشِر، يبدو أنّ للخُطَط التي لا تُوصَف بك حاجةً بعد.» قال بوته.
«هل تعلّمتَ شيئاً من هذا؟» سأل آل غرَنتِل.
«لا تدعهم يبدؤون دائماً،» أجاب غرَنتِل.
تنهّد آل. «ما رأيك بـلا تُحاوِل قتال الحمار بلا سبب؟»
«الحمار بدأ.»
«هذا...،» بدأ آل، غير متيقّنٍ أيضحك أم يتنهّد، لكنّه لم يُكمل. قاطعه صوتٌ بدا كأنّه آتٍ من داخل جُمجمته. كان هادئاً، مِهنيّاً... ومألوفاً.
«ستُعيد أوّلاً قراءة لا تُوافِق لجورج مِندر. ثمّ أنصحك بـالكائنات الأخرويّة وكيف تجعلها تدفع الثمن لوُتزنوت ب. هيغوجيغي. كن حذراً،» نصح الصوت.
«ربّما تكون لا تُوافِق عندي هنا. سأقرؤه ثانيةً، وسأبحث عن الآخر. شكراً يا أبي،» ردّ آل بصوتٍ مسموع، لحيرة رفاقه.
«أنا في حَيرة،» ضحكت ويكووكِت، «هل أبوك غرَنتِل، أم الحمار؟»
طرف آل بعينيه. «لا، لا، ذاك... أبي أرسل إليّ للتوّ بعض الترشيحات للكتب. كنتُ قد ذكرتُ أنّه ينبغي لي أن أبدأ تعلّم شيءٍ عن الشياطين ما دمتُ قد بدأتُ أصادفها. أظنّني رأيتُ لا تُوافِق فعلاً في خِزانة الكتب هناك.»
«لم تُصادف شياطين قبل الأمس، أليس كذلك؟»
«ليس شخصيّاً، لا.»
«إذن متى ذكرتَ هذا لأبيك؟»
«لم أفعل، بل قلته لأمّي.»
«أليسا كلاهما على مسيرة أسبوعٍ على الأقلّ سيراً على الأقدام إلى الشمال من هنا؟»
«بلى، لكنّه كان في حُلم... اسمعي، هل لنا أن نقول إنّ سحراً كان في الأمر ونعود إلى النُّزُل؟ أمامي قراءةٌ كثيرة.»
وكأنّما نكايةً به، اختار السحرُ الذي يُبقي ويكووكِت وخِزانة الكتب معلَّقتَين فوق الأرض تلك اللحظةَ بالذات لينفد.
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion