Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 42
قضت ويكووكِت وقتاً قصيراً مُلقاةً على الأرض، تُصِرّ على أنّها ماتت من فَظاعة الإصابات التي لحقت بها جرّاء السقوط المُباغت من ارتفاع ثلاثة أقدام (وأنّ قهقهتها ليست إلّا أنفاسها الأخيرة)، ثمّ نهضت تُساعد في جمع الكتب المُبعثَرة. ولحسن الحظّ لم يكن ما تبقّى من الطريق عبر القرية إلى النُّزُل مشياً طويلاً، فلم يكن من العسير على آل وبوته وغرَنتِل أن يحملوا خِزانة الكتب والكتب بقيّة الطريق.
سُرَّ آل حين رأى مصابيح القِنّ الأكبر مُضاءةً في الخارج، على خلاف الظُّلمة التي كانت تسوده حين وصلوا أوّل مرّة. وكان حديثٌ مُفعمٌ بالحيويّة يُسمَع من وراء الباب وهم يقتربون، واستقبلتهم تحيّاتٌ ودودةٌ مُتفرّقة حين دخلوا. ورفعت روز حاجباً إلى خِزانة الكتب التي أدخلوها من الباب بمُناوَرة، وسألت إن كانوا يعتزمون الانتقال للسَّكَن عندها إلى الأبد، فضحك لذلك سائرُ القرويّين في الداخل.
«لا، لا، مُجرّد بعض البحوث أحضرناها من الحِصن. سنحدّثك عنها كلّها ما إن نضع هذه في الداخل،» قال لها آل.
أراد آل أن يشرع في فرز الكتب فوراً، لكنّه كان جائعاً، وبدت رائحةٌ قادمةٌ من المطبخ تَعِد بما هو أكثر من الدجاج. كما ساوره شيءٌ من القلق من أن تُقنِع ويكووكِت القرويّين بأنّ البارون شرّيرٌ فظيعٌ من نوعٍ ما إن كانت هي وحدها مَن يروي قصّة أحداث ذلك اليوم. فترك الكتب خلفه على مضض وخرج لينضمّ إلى الآخرين في الأكل والشراب.
جلس المغامرون الأربعة حول طاولةٍ خالية، وخرجت روز من وراء المِشرَب لتُحيّيهم.
«أتُحبّون لحم الأيّل؟ اصطادت غيرترود اليوم أيّلاً ذكراً ضخماً، وقالت إنّ علينا أن نُقدّمه لكم. إنّها مسرورةٌ جدّاً لأنّها صارت تستطيع الصيد في أمانٍ من جديد. أرى أنّ واحداً منكم على الأقلّ يُحبّ لحم الأيّل،» ختمت كلامها، بينما كان غرَنتِل يسيل لُعابه على الطاولة سَيَلاناً ظاهراً للعِيان. «سأُحضِر لكم بعض الأطباق.»
عادت من المطبخ مُوازِنةً ثلاثة أطباقٍ وقصعةً كبيرة، كلٌّ منها مُكوَّمٌ بقِطَع لحم الأيّل المطهوّ إلى نصف استواءٍ مُتقَن. وبينما هم يأكلون، عادت روز إلى ما وراء المِشرَب ثمّ رجعت بجَرّةٍ طينيّةٍ كبيرةٍ وأربعة أكوابٍ صغيرة. هتف بضعةٌ من القرويّين، وأصدر واحدٌ أو اثنان أصواتَ خيبةٍ فأسكتهم الآخرون على عَجَل.
«هذه تُعَدّ مُناسبةً خاصّة، فسأُقدّم لكم آخر ما بقي من شرابنا المحلّيّ الخاصّ من الموسم الماضي. نُسمّيه «غرَمب». نصنعه كلّ خريفٍ ممّا نقدر على جمعه من فاكهةٍ وتوت، وندعه يتخمّر طوال الشتاء،» شرحت وهي تضع الأكواب الصغيرة أمام كلٍّ من المغامرين. «يشتدّ كلّما طال به العهد. وما بقي لدينا لا بُدّ أن يكون طيّباً حقّاً.» أمالت الجَرّة فصبّت شيئاً من محتواها الأرجوانيّ المائل إلى الحُمرة الداكنة في كلّ كوب. كانت له رائحةٌ فيها شيءٌ من التفّاح، وشيءٌ من النبيذ، وشيءٌ من الخَلّ. نظر آل إليه بارتياب، أمّا ويكووكِت فخطفت كوبها وجرعته دفعةً واحدة.
«إنّه طيّب...،» تمكّنت من نطقها بصوتٍ أجشّ بعد أن سعلت بضع مرّات، ومدّت كوبها طلباً للمزيد. أمّا بوته فشرب شربةً أكثر اتّزاناً، ثمّ مدّ كوبه هو أيضاً.
«ربّما شيءٌ يسيرٌ بعد، لكن ليس كثيراً. في الاعتدال حِكمة،» قال بوته.
لعق غرَنتِل كوبه لعقةً واحدةً مُتذوّقاً.
«طيّب،» قال، ثمّ استدار مُشيراً إلى المِشرَب حيث تنتظر صفوفُ أقداح الجِعة الخشبيّة الفارغة أن تُستعمَل. «أكبر.»
ضحكت روز، وأحضرت قَدَحاً. ملأته بالغرَمب وناولته لغرَنتِل، فأخذ يلعقه ببطءٍ ويلحس خَطْمه.
نظر آل إلى كوبه هو نظرةً متشكّكة، ثمّ ارتشف رشفةً حذرة. كان طعم «الغرَمب» أشبه ما يكون برائحته: قاسياً، جافّاً، حُلواً بعض الشيء، فاكهيّاً مع شيءٍ من الحموضة. لم يكن سيّئاً بالضبط، فكّر آل، لكنّه ريفيٌّ بلا شكّ.
أشار غرَنتِل إلى المِشرَب من جديد. «آخر،» قال.
فتحت روز فمها لتُنبّه إلى أنّ في قَدَح غرَنتِل الحاليّ ما يكفي وزيادة، وأنّ «الغرَمب» شرابٌ شديد المفعول، وأنّ في وُسعها ببساطةٍ أن تملأ قدحه من جديد، ثمّ لم تقل شيئاً. نظرت إلى جُمجمة الوَحش المُعلَّقة الآن خلف المِشرَب. تذكّرت قصّة ويكووكِت المُثيرة عمّا جرى في الليلة السابقة، وقرّرت أنّها لا تريد المُخاطَرة باستفزاز المخلوق الذي عَضَّ وحش الحِصن طائعاً مُختاراً. أومأت وأحضرت قَدَحاً آخر، وسكبت فيه معظم ما تبقّى من الشراب في الجَرّة. فأصدر غرَنتِل نَخْرةَ رِضاً.
ارتشف آل رشفةً حذرةً أخرى من شرابه، فبدا له أقلّ خشونةً ممّا كان في الرشفة الأولى.
«إذن، ما رأيُكِ أنتِ في بارون المنطقة؟» سألت ويكووكِت روز.
«مَن؟» سألت روز بدورها.
«بارون الحِصن؟ ذاك النَّذل المُتملّق المُتعجرِف اللَّزِج؟ الذي يقول إنّ اسمه هيرن وولفكِن؟»
فكّرت روز قليلاً. «هذا الاسم يبدو مألوفاً فعلاً،» قالت مُتردّدة.
ما الذي يجري لذاكرة الناس في هذه الأنحاء؟، تساءل آل وهو يرتشف رشفةً أخرى من الغرَمب. كان طيّباً جدّاً في الواقع.
عند ذلك مدّ آل يده ليصبّ ما تبقّى من شرابه في قَدَح غرَنتِل. فبالوتيرة التي كان الشرابُ يزداد بها طِيباً كلّما ازداد منه شُرباً، أدرك أنّه إن لم يتوقّف الآن فسينتهي به الأمر عاجزاً عن فهم أيّ شيءٍ يحاول قراءته لاحقاً أو عن تذكُّره. بدت الهديّة مُحيّرةً لغرَنتِل، لكنّه قَبِلها بابتسامةٍ عريضةٍ مُسترخيةٍ ونَخْرة.
«رجلٌ طويل، نحيل، يبدو... أوفرَ صحّةً من كثيرٍ من النبلاء؟» ألمح آل. «كان يرتدي ثياباً خضراء وبيضاء أنيقةً تُطابق شعار نبالته حين التقيناه. وكان ودوداً جدّاً في الحقيقة، بمقاييس النبالة.»
«آه... أجل... يبدو هذا صحيحاً. أجل، هذا بالتأكيد البارون هيرن وولفكِن. أنا شِبهُ مُتأكّدةٍ على أيّ حال. أشعر أنّنا لم نره منذ مدّة. وقد عاد الآن؟»
«على ما يبدو،» قال آل، «قال إنّه كان غائباً في البلاط سنواتٍ عدّة، وإنّه عاد هذا الصباح فحسب ليحلّ محلّ أيّاً كان مَن كان يُفترَض به أن يتولّى صيانة الحِصن وجباية الضرائب في غيابه.»
تعالت بضعُ تأوّهاتٍ في أرجاء الغرفة. «آه، لا، الآن سيسلخوننا بالضرائب من جديد!» تذمّر أحدهم.
«لا، لا! الأمر ليس كذلك، أعني، نعم، سيتعيّن عليكم أن تبدأوا بدفع الضرائب من جديد، لكن... لستُ مُطمئِناً لكم بقدر ما أحاول أن أكون، أليس كذلك؟ ويكووكِت؟ أتودّين أن تشرحي؟»
«بكلّ سرور!» أجابت ويكووكِت، وتسلّقت إلى فوق الطاولة لتُخاطب القرويّين. وشرعت تصف لقاءهم بالبارون هيرن وولفكِن أمام ما صاروا يعرفونه الآن باسم حِصن وولفكِن. ومنذ البداية اضطُرّ آل إلى التدخّل ليُدافع عن البارون في وجه تصويرها إيّاه شخصيّةً شرّيرةً مُريبة. ولم يزِدها ذلك إلّا تشجيعاً على المُبالَغة في رأيها أكثر فأكثر في روايتها، حتى صار البارون شرّيراً من شرّيري المسرحيّات الميلودراميّة. وسرعان ما غدا التناقضُ بين انطباع آل وانطباع ويكووكِت عن البارون مُضحِكاً، فضحك القرويّون بينما تجادل الاثنان في أخلاق البارون ونواياه المُحتمَلة. ونالت ويكووكِت جولةً من التصفيق لتفوّقها بالدهاء على البارون وعلى شروط مُكافأته المُلتوية.
«وبعد أن اعترف بأنّنا هزمناه، البارون الشرّير...»
«ليس شرّيراً!»
«...حاول أن يُوقِعنا في شَرَك قَسَمٍ خبيثٍ من نوعٍ ما...»
«كان يعرض علينا معروفاً فحسب لقاء ما قدّمناه له من عون!»
على الأقلّ بدا أنّ أهل مأوى الدجاج قد قدّروا ما طلبه آل من البارون ووعدَه بالوفاء به.
«...ثمّ، وقد نجونا من مكائد البارون المُتآمِر الخبيثة، عُدنا مُتلهّفين إلى ضيافة مأوى الدجاج البهيجة وإلى الطعام والشراب الطيّبَين في القِنّ الأكبر!» ختمت ويكووكِت، وسط هُتاف جمهورها.
«إن كنتم استعملتم السحر في حَمل الكتب من الحِصن، فلماذا لم تُدخِلوها بالسحر كما فعلتم بالأغراض ليلة أمس؟» سأل أحد القرويّين حين خفت التصفيق.
«حسنٌ،» اعترف آل في حَرَج، «نفدت التعويذة حين توقّفنا برهةً كي... آه! هذا يُذكّرني، أردتُ أن أسأل: لمَن ذلك البيت الأوّل الذي تبلغه حين تدخل القرية، ذاك الذي على الجانب الشرقيّ من الطريق وله فناء الدجاج الكبير؟»
«ذاك بيتنا،» أجابت امرأةٌ في مُنتصَف العمر من على بُعد طاولاتٍ قليلة. ولوّح الرجل الجالس إلى جوارها تلويحةً مُهذّبة.
«آه، جميل. انظروا، نحن نحاول منذ مدّةٍ أن نجد دابّة حِملٍ تُعيننا على نقل أغراضنا، لكنّها كلّها تبدو خائفةً منّا. أمّا حماركم فلم يَخَف، فتساءلنا إن كنتم تقبلون أن نأخذه معنا حين نرحل. وإن كان في ذلك مشكلة فيمكننا أن نشتريه منكم.»
تبادل الزوجان نظرةً حائرة، ثمّ التفتا إلى آل.
«أيّ حمار؟» سألت المرأة.
«الـ... الذي تجعلونه يحرس دجاجكم؟ في فناء الدجاج؟»
«ألم تشترِ حماراً يا عزيزي؟» سألت المرأة الرجل الجالس إلى جوارها.
«لا أذكر قطعاً أنّني اقتنيتُ حماراً، لا،» أجابها.
فكّر آل في أن يُسقِط الموضوع ويقتاد الحمار بعيداً لاحقاً وحسب، لكنّه لم يستَطِب أن يسرق حماراً لمُجرّد أنّ صاحبه ربّما نسيَ أمره على نحوٍ ما.
«حسنٌ، يبدو أنّ لديكم واحداً الآن. أمُتأكّدون أنّكم لا تحتاجون إليه؟»
هزّ الزوجان رأسَيهما نافيَين، ولا تزال الحيرة باديةً عليهما.
«حسنٌ، إن كان الأمر مقبولاً فنودّ أن نأخذه معنا.»
هزّ الزوجان كتفَيهما وأومآ. «لا نرى مانعاً،» أجابا مُتردّدَين، وما زالا غير مُتيقّنَين أيّ حمارٍ يقصد آل.
«آه يا روز، نودّ أن نمكث بضعة أيّامٍ قبل أن نرحل، أحتاج حقّاً إلى بعض الوقت أُنفقه في البحث قبل أن ننتقل إلى المهمّة التالية. أيكون ذلك على ما يُرام؟»
«بعد ما صنعتموه لنا يا قوم، يمكنكم أن تمكثوا بضعة أشهُرٍ إن شئتم،» أجابت.
«لكن ما علاقة هذا بسِحر حَمل الكتب؟» أصرّ القرويّ الذي سأل من قبل.
«آه، صحيح. حين عُدنا لاحظنا أنّ الحمار لا يبدو خائفاً منّا، على خلاف كلّ حصانٍ وحمارٍ وبغلٍ صادفناه مؤخّراً. فتوقّفنا برهةً، وظنّ غرَنتِل هنا أنّه يتحدّاه إلى قتال... أين غرَنتِل؟» وجد آل نفسه يُشير إلى الحيّز الفارغ الآن عند الطاولة حيث كان غرَنتِل جاثماً. لم يكن له أثرٌ في الغرفة.
كيف؟؟؟ وجد آل نفسه يتساءل من جديد. هرول إلى الغرفة التي كانوا ينامون فيها، آمِلاً أن يكون غرَنتِل قد تسلّل عائداً ليُغمى عليه بعد أن شرب قَدَحَين كاملَين من الغرَمب، لكنّ الغرفة كانت خالية. خطرت له فكرةٌ مُريعة، فانطلق راكضاً نحو الباب، صارخاً وهو يخرج.
«غرَنتِل! لا تقتل الحمار!»
ركض آل عبر القرية المُقمِرة، وأفكارٌ قَلِقةٌ عمّا قد يرتكبه غُنولٌ سكرانُ من عُنفٍ فظيعٍ تتوالى في ذهنه. لم يكن ثمّة من ضجيجٍ سوى صياح ويكووكِت على مسافةٍ خلفه يُناديه أن ينتظرها، لكنّه كان يخشى أن تنطلق الصرخات في أيّ لحظة. أو لعلّ غرَنتِل السكران يقتل في صمت؟ ركض آل أسرع.
شعر بشيءٍ من الارتياح حين بلغ آخر بيتٍ دون أن يصادف أثراً لقرويّين يُعتدى عليهم، لكنّ ما وجده هناك بعث فيه شيئاً من الرَّهبة وخيبة الأمل. كان الحمار مُلقىً على جنبه بلا حَراك، وغرَنتِل جاثمٌ إلى جواره. «ماذا فعلت؟!» صاح آل في ضِيقٍ شديد.
رفع الحمار رأسه مُترنّحاً ونهق في وجه آل بآخر قُواه المُحتضِرة...
مهلاً...، فكّر آل. ثمّة شيءٌ ليس على ما يُرام. تسلّق السياج واقترب بحذر. التوى رأس الحمار لينخفض بأنفه أوّلاً نحو الأرض. رفع غرَنتِل قبضته.
صار آل الآن قريباً بما يكفي ليرى أنّ قبضة غرَنتِل تُمسِك قَدَحاً. وتبيّن أنّ الأصوات الرطبة المكتومة الصادرة من ناحية رأس الحمار إنّما تأتي من القَدَح الآخر، القابع على الأرض وقد غُرِس فيه أنف الحمار.
«الحمار فاز. كان عليّ أن أُحضِر الشراب،» قال غرَنتِل.
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion