Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 44
عرضت غيرترود أن تتولّى ذبح صيد غرَنتِل وتقطيعه، فكان لحمُ الأيّل المشويّ تلك الليلة وفيراً لا ينفد فيما يبدو. وعاد بوته من تجواله في أنحاء القرية في اللحظة التي فرغ فيها آل وويكووكِت وغرَنتِل من إعادة أمتعتهم إلى الغرفة، وجلسوا إلى مائدةٍ ليأكلوا. فانضمّ إليهم بابتسامةٍ راضية، وأصغى في انتباهٍ بينما حاول آل أن يشرح لهم ما تعلّمه في بحثه وتجاربه ذلك اليوم. لم يكن نقلُ مفاهيم فنّ السِّحر الباطنيّة إلى مَن لا تحصيل لهم فيها أمراً هيّناً في العادة، لكنّ آل وجد أنّ محاولة شرح الأمور للآخرين تُعينه هو على فهمها فهماً أفضل.
شرح تعديلاته على تعويذة «القُرص العائم» عمّا لُقِّنه منها في الأصل. لم تكن التفاصيل السحريّة ذات معنًى كبيرٍ لأحدٍ غيره، لكنّه استطاع على الأقلّ أن يصف كيف اهتدى إلى طريقةٍ لتغييرها، بحيث يُقايض مقدارَ ما تستطيع حمله بطول ما تدوم، أو العكس.
«ليست بكفاءة الصيغة المنشورة المُعتمَدة، لكنّي أستطيع أن أُخفّفها في المكان كي أُركّزها في الزمان، أو أُخفّفها في الزمان كي أُركّزها في المكان. الأمر في الحقيقة بسيطٌ جدّاً متى رأيتَ كيف يُنظَّم النَّسَق.»
«صحيح، بسيط، بالطبع. لكن دعك من ذلك،» استفسرت ويكووكِت، «الجزء المهمّ الذي أسمعه هو أنّ في وُسعي الآن أن أركب العربة السحرية الخفيّة طوال اليوم ما دمتُ لا أحمل معي الكثير؟»
تنهّد آل. «أجل، من حيث المبدأ. غير أنّ ثمّة حدّاً لمقدار ما أستطيع فرضه على العالم من هذا الضرب من النِّيّة السحريّة في الوقت الحاضر، فلا ينبغي أن نُبدّدها. وبمناسبة الحديث عن النِّيّة السحريّة المفروضة على العالم...»
حاول أن يشرح ما تعلّمه حتى الآن من قراءة آم دي أوسفيلته زاخِن أوند دي فيندِه داتسفيشِن. لكنّه كان أقلّ توفيقاً هذه المرّة. فقد بدأت تعابير وجه ويكووكِت توحي بأنّها تحسبه يختلق كلّ ذلك على سبيل المُقلَب، وشرع غرَنتِل خِلسةً يحاول أن يمدّ يده عبر ظلّه هو، في لحظةٍ حاول فيها آل أن يشرح كيف أنّ بلاد الأحلام أشبه بـ«ظلٍّ للعالم اليقظ».
«أرى أنّ للسَّحَرة أسرارَهم الخاصّة التي يُصارعونها،» قال بوته أخيراً حين فرغ آل. «لكنّي أحسبني فهمتُ بعضاً منه على الأقلّ. ما تقوله هو أنّ تقوية النِّيّة الدنيويّة في المرء تحميه من تأثير الكائنات الأخرويّة التي تسلّلت إلى وجودنا، أليس كذلك؟»
«هذا هو الجزء المهمّ الذي أفكّر فيه، أجل. لكنّي لا أظنّني قادراً على ذلك بمحض قوّة إرادتي وحدها في الوقت الحاضر، فسأحتاج إلى استعمال مادّةٍ ما تُعين على تثبيت النِّيّة نوعاً ما على مَن تحميه. أظنّني قد أستطيع ذلك بمعدنٍ أو أكثر. فللفضّة والحديد كليهما سُمعةٌ في التأثير على ضروبٍ بعينها من الكائنات الأخرويّة، فلعلّه أحدهما، أو خليطٌ منهما؟»
أعمل بوته فيها فكره. «أو لعلّها مادّةٌ تحمل بركةَ إلهٍ من آلهة عالمنا؟» سأل.
«لم يخطر لي ذلك أصلاً،» تأمّل آل. «شيءٌ كهذا يُتوقَّع منه بلا شكّ أن يحمل النوع الصحيح من التركيز على قوانين عالمنا. وقد يكون بالغ الجودة إن كانت بركةً من إلهٍ دنيويٍّ إلى أبعد حدّ. أثمّة ما يشبه إلهاً للتراب؟»
«لكلّ ما هو كائنٌ في هذا العالم آلهةٌ تتخلّله جواهرُها. وللتراب عدّةُ آلهة، بحسب السياق الذي تتحدّث فيه. سأطلب الهداية قبل أن آوي إلى النوم الليلة،» أجاب بوته.
عاد آل إلى غرفتهم بعد العَشاء ليُتابع القراءة. وأخرج كذلك المُجلَّد الذي أهدته إليه ميليسا، ليقرأه بعد أن يتوغّل أكثر في أوسفيلته زاخِن. فما دام مُقبِلاً على مُحاولة تدبير أمر غُنول، فقد أراد أن يفهمهم خيرَ فهم، ويبدو أنّ ميليسا أرجحُ مَن قد يجده في أيّ مكانٍ من الباحثين خبرةً في هذا الموضوع. كما بدت رسّامةً بارعة، بالنظر إلى الرسوم التي وضعتها لقسم «التشريح المُقارَن» من العمل، حيث وُثِّقت الفروق في تركيب الجسد وبِنية العظام وترتيب الأعضاء الداخليّة بين الغُنول، والوحوش التي اشتُقّوا منها في الأصل، والأجساد «شِبه» البشريّة. كانت أوجه الشبه كثيرةً بين التشريحات الثلاثة جميعاً، لكنّ التأثير الشيطانيّ أحدث بعض التغييرات الجليّة.
ودخل غرَنتِل، ثمّ ويكووكِت، ثمّ بوته أخيراً، واحداً بعد الآخر في نهاية المطاف، وناموا، بينما سهر آل حتى وقتٍ متأخّرٍ من الليل يتنقّل جيئةً وذَهاباً بين حديث ميليسا عن الطبيعة الروحيّة للغُنول وما كُتب في أوسفيلته زاخِن عن كيفيّة فرض العوالم الجحيميّة نفسها على العالم المألوف. وحين غلبه النوم دون أن يقصد، حلم أنّه ما زال يقرأ.
تبخّرت سريعاً أحلامُ آل الغريبة عن التجوال في مشاهدَ لا تنفكّ تتبدّل، إذ أيقظته شمسُ الصباح. كانت ويكووكِت وغرَنتِل قد خرجا دون أن يوقظاه. وافترض آل أنّهما ذهبا إلى الصيد من جديد. ولم يكن له أن يشكو. فقد كان عليه أن يعترف بأنّ طبخ القرية، على بساطته، أطعمهم في الأيام القليلة الماضية خيراً ممّا أكلوا منذ أن غادروا بيته في القِمم المُشرِقة ليبدأوا هذه المُغامرة كلّها.
اعتدل بوته جالساً وهو يتثاءب في رضاً. «قبل أن تغوص من جديدٍ في أعماق بحثك الغامض، ثمّة شخصٌ ينبغي أن آخذك للقائه.»
«إن سألتُ مَن يكون، فهل بوته الذي أُكلّمه من النوع الذي يُخبرني فعلاً؟»
«بطرحك هذا السؤال، تجعل الأمر يبدو كأنّك ما زلت لا تفهم طبيعة بوته.»
«وهكذا ببساطة، أجبتَ عن سؤالي دون أن تُجيب عن سؤالي فعلاً.»
«إذن، أنت تفهم بعض طبيعة بوته،» ردّ بوته بابتسامةٍ عريضة.
كان آل شبه واثقٍ أنّه لو سأل مباشرةً لنال على الأرجح جواباً مباشراً، لكنّ ذلك يكون استسلاماً. أفطرا على لحم أيّلٍ باردٍ وخرجا يجتازان القرية. قاد بوته آل متعرّجاً بين الأكواخ وقِنان الدجاج. وبلغا في النهاية كوخاً وقِنّاً يشبهان سائرها كثيراً، وإن بدا أحسنَ صيانةً وأوسعَ أرضاً من حوله. اتّجه آل نحو باب الكوخ لكنّ بوته أوقفه.
«لا، سنجدها هنا في الخلف، في الخارج،» قال مشيراً إلى فِناء الدجاج خلف الكوخ.
وعلى الرغم من تأكيد بوته، لم يرَ آل أحداً في فِناء الدجاج. وكان هناك أيضاً غيابٌ مُستغرَبٌ للدجاج. لم تكن ثمّة سوى دجاجةٍ بيضاء واحدة، تنقر الأرض على مَهَل. وكانت، بحقّ، دجاجةً مثاليّة. مُمتلئةً نظيفة، لا رِيشة فيها في غير موضعها، تختال في الفِناء بزهوٍ وهي تنقر كلّ حشرةٍ أو بذرةٍ تجرؤ على الظهور. ومهما بلغت من إثارةٍ للإعجاب، فقد ظلّ آل حائراً حين توقّف بوته عند بوّابة فِناء الدجاج وانحنى لها في إجلال.
«هذا آل، الذي حدّثتك عنه بالأمس. أتأذنين لنا بدخول حَرَمك؟» قال بوته. وعلى قَدر ما استطاع آل أن يتبيّن، تجاهلتهما الدجاجة ومضت تُدَجْدِج في أرجاء الفِناء، لكنّ بوته بدا كأنّه عدّ ذلك جواباً. ففتح البوّابة وأومأ لآل أن يدخل. لم يكن آل واثقاً ممّا يجري، لكنّه انحنى للدجاجة في أدبٍ هو الآخر، وألقى على بوته نظرةً حائرة.
«هي راضيةٌ عن الخدمة التي أدّيناها لمأوى الدجاج. لك هديّةٌ في عُشّها.»
«الدجاجة راضية ولديها هديّةٌ لي؟» سأل آل غير مُصدِّق.
«هذا ما قلته، أجل. تعالَ، من هنا. قصرها هناك عبر الساحة،» أجاب بوته مشيراً إلى قِنّ الدجاج على بُعد عشرين خطوةً تقريباً. قاده إليه وأشار إلى الفتحة. هزّ آل رأسه غير مُصدِّقٍ ونظر في الداخل.
لو أنّ أحداً طلب من آل أن يتخيّل عُشّ دجاجة، لجاء خيالُه مطابقاً تماماً لما رآه في الداخل. مجرّد وِسادةٍ بسيطةٍ من الأعشاب والقشّ، في وسطها غَورٌ ضحلٌ يحفظ بيض الدجاجة آمناً دافئاً وهي ترقد عليه. لكن بدلاً من البيض، كان في هذا العُشّ ثلاث قواريرَ زجاجيّةٍ صغيرةٍ مُستديرةٍ مملوءةٍ بما يشبه الماء. وعرف آل على الفور أنّها القوارير التي حوت يوماً جُرعات الشفاء التي أخذوها من قصر نوتاميمِك.
«هديّةٌ من ثلاث قواريرَ من... ماء الدجاج؟»
«هو ذاك بالضبط!» أجاب بوته وقد بدا شديد الرضا.
لم يكن آل يعرف بوته إلّا منذ أسبوعين ربّما، بالقَدر الذي يُقال فيه إنّ شخصاً غامضاً كبوته يمكن أن يُعرَف، لكنّها كانت المرّة الأولى التي يشكّ فيها أنّ بوته قد يكون صاحب مُقالبَ بحقّ، لا مجرّد مُولَعٍ بالألغاز التي لا تُفهَم. فقرّر آل أن يُجاريه.
«أقبل هذه الهديّة الكريمة بالروح التي قُدِّمت بها،» قال للدجاجة مع انحناءةٍ مُهذَّبةٍ أخرى. وأومأ له بوته إيماءةَ استحسانٍ وهو يمدّ يده إلى داخل القِنّ فيُخرج القوارير الثلاث. كانت دافئة.
وحين غادرا، انحنى آل للدجاجة انحناءةً أعمق، مع نظرةٍ خاطفةٍ إلى بوته ليرى ردّ فعله، لكنّ بوته بدا راضياً ليس إلّا.
كادا يبلغان النُّزُل حين استسلم آل أخيراً.
«حسناً، أنت الفائز. لستُ أفهم. لماذا لدينا هديّةٌ من قواريرَ من ماء الدجاج؟»
«قلتَ إنّه سيكون نافعاً لك، فملأتُ بعض قواريرنا الفارغة من البئر، ورقدت عليها طوال الليل.»
«ومتى قلتُ إنّ لي حاجةً بماءٍ جلست عليه دجاجة؟»
«لم تجلس على هذا دجاجة.»
فرك آل جبهته. «قلتَ للتوّ إنّ الدجاجة رقدت عليه طوال الليل.»
«أجل. آه، فهمت، ظننتُك فهمت. تلك هي الدجاجة. تجسُّدٌ للإلهة غالينا.»
تعثّر آل، وقد شرد ذهنه.
«كنتُ واقفاً في حضرة ألوهيّةٍ حقيقيّة؟ هذا ماء دجاجٍ مُقدَّس؟»
«حسنٌ أنّك كنت مُهذَّباً كما ينبغي.»
«لم أظنّ قطّ في حياتي كلّها أنّ تجلّياً لإلهٍ حقيقيٍّ سيكون قريباً منّي، ولا سيّما أن يلتفت إلهٌ حقيقيٌّ إليّ أنا بالذات.»
«وليست هي المرّة الأولى على أيّ حال،» ردّ بوته بابتسامةٍ عريضة. تسمّر آل في مكانه، أمّا بوته فمضى في سيره ولم يزد.
هذه المرّة، أبدى بوته رغبةً في رؤية آل وهو يعمل، فصار له جمهورٌ يحاول أن يشرح له الأمور وهو ماضٍ فيها. وأعان ذلك آل على صفاء الفكر وهو يُعاود قراءته من اليوم السابق ويستخرج الأنساق والعزائم المُناسبة لما أراد إنجازه. دوّن الإجراء بحواشيه في كتاب ملاحظاته، والتقط واحدةً من قوارير الماء التي بُوركت، فيما يبدو، بركةً خاصّةً من مؤخّرة الدجاجة المُقدَّسة. وعلى الرغم من بقائها على الأرض ساعاتٍ عدّة، فقد ظلّت دافئة. نزع آل السِّدادة عن القارورة وتذوّق رشفةً صغيرةً من مُحتواها، فإذا هي لا تتمايز في شيءٍ عن ماءٍ نظيفٍ عاديٍّ تماماً، عدا ذلك الدفء غير الطبيعيّ لكن اللطيف الذي بدا أنّه يمتدّ نازلاً في حلقه إلى آخره. ورشّ قليلاً منها على يديه ومسح به وجهه، ثمّ أدّى ما ابتكره من أناشيدَ وإشاراتٍ لا تستغرق سوى ثوانٍ معدودة. فسرى الدفء في جسده كلّه.
«أظنّها تعمل،» أعلن آل وهو يتأمّل ما يشعر به. «أشعر أنّها ستنسلّ منّي إن كففتُ عن التفكير فيها، لكنّ الأمر أشبه بأنّني أجعل نفسي أكثر... صلابةً؟ واقعيّةً؟ لن أعرف على وجه الدقّة ما الذي يُحقّقه ذلك حتى أختبره بطريقةٍ ما، لكنّي واثقٌ أنّه يمنحني قَدراً من الحماية من التأثيرات الأخرويّة. همممم، تُرى هل يكون لهذا أثرٌ على غرَنتِل؟»
وبعد لحظات، ارتفع في الخارج وقعُ خطواتٍ صغيرةٍ سريعةٍ راكضة، وانفتح الباب مشدوداً بسرعةٍ عن ويكووكِت وقد انقطع نَفَسُها. فبادرت تُلقي طلبها المُلحّ وهي تلهث.
«اتبعوني! غرَنتِل يحتاج إلى المساعدة! آل، أحضِر العربة الخفيّة!»
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion