Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 46
هرول بوته ليلحق بهم. «لَطُولُ ساقَي المرء أثرٌ في حياته أعظمُ ممّا يُقدّره بعضُهم،» قال وهو يصل. ولمّا رأى آل وغرَنتِل يتأهّبان للقتال، فعل بوته مثلهما، فرفع مطرقته.
«ماذا نُقاتل؟» سأل القزم، ناظراً إلى الأدغال على جانب الطريق التي بدت شاغلةً انتباه رفيقَيه.
«يقول غرَنتِل إنّ أحداً يتبعنا،» أجاب آل. ضيّق عينَيه محاولاً دون جدوى أن يرى مَن أو ما عساه يكون هناك.
اهتزّت أُذنا غرَنتِل. «أكثر من واحد،» زمجر.
«وما هم؟»
«صِغار،» كان ذلك كلَّ ما ناله آل من جوابٍ عند غرَنتِل.
«حسنٌ، أيّاً كانوا وأيّاً كان ما هم، لا تهاجمهم إلّا أن يهاجمونا.»
نفخ غرَنتِل، ثمّ بعد صمتةٍ أطلق هَمهمةَ موافقةٍ على مضض.
انفجرت قهقهةٌ حادّةُ النَّبرة من الشُّجيرات التي تسبقهم بقليل أعلى الطريق. عبس آل وتحفّز للقتال حين رأى ذلك الشخص الصغير أخضرَ البشرة يثب خارجاً ويجري في اتّجاههم، ولا يزال يُقهقه. كان المخلوق جامحَ العينَين، يكسوه جلدٌ أسودُ واقٍ بدا نابياً على غوبلن؛ بدا أشبه بزيٍّ نظاميّ، على نقيض الخليط المرقَّع الذي كان آل يتوقّع أن يلبسه الغوبلن. وبدا سيفه الصغير المُقوَّس مصقولاً مسنوناً. ولاحظ آل أيضاً أنّه ما زال معلّقاً في حزام الغوبلن.
«إنّه لا يهاجم، احترسا من غيره!» نادى آل غرَنتِل وبوته وهو يتراجع ويُلقي نظرةً جانبيّةً نحو الشُّجيرات التي خرج منها. كان عدّةُ أشخاصٍ آخرين، خُضْرِ البشرة سُودِ اللباس، يخرجون من هناك في صمت. أمّا الذي هرع نحوهم فانحرف مبتعداً عن آل، ومرّ بغرَنتِل على مبعدةٍ يسيرةٍ من متناوله، ثمّ غاص في الشُّجيرات على الجانب الآخر من الطريق.
لم يفهم آل ما كان الغوبلن يصرخون به، لكنّه بدا شتائم. تطايرت قذائف المِقلاع، فاستحضر آل بلا رويّةٍ حاجزاً واقياً في الوقت المناسب ليصدَّ واحدةً صُوِّبت إليه. أمّا بوته فلم يكن بمثل تلك السرعة، فتلقّى في عَضُده ضربةً بدت مؤلمة. ولم يتحرّك غرَنتِل قيدَ أنملةٍ حين ارتدّت كتلةٌ ثالثةٌ ثقيلةٌ عن أعلى صدره. وقبل أن يتمكّن أيٌّ منهم من الردّ، غاص الغوبلن عائدين إلى الشُّجيرات فتوارَوا عن الأنظار.
أعِد ذلك. هيّا. أعِد الكَرّة. سأقتلك. فكّر آل في نفسه، مُبقياً انتباهه على الشُّجيرات. وخلفه سمع أوّل الغوبلن يظهر ثانيةً، وسمع في الوقت نفسه صوت سيفٍ يُسَلّ من غِمده. جرى المخلوق جرياً جامحاً، يلوّح بسيفه ويُبدّل اتّجاهه كثيراً، مُقهقهاً بخُبثٍ من جديد. هوى مِخبطُ غرَنتِل حين تفادى الغوبلن مروراً به، لكنّ المخلوق قفز جانباً في الوقت المناسب فأفلت دون أن يُبطئ. تجاهله آل وظلّ يراقب الشُّجيرات بينما غاص فيها ذاك الذي مرّ بينهم للتوّ. وجاءت اللحظة التي كان آل ينتظرها حين خرج المِقلاعيّون معاً من الشُّجيرات من جديدٍ ليُطلقوا عليهم رشقةً أخرى. ومن غير أن ينتبه إلى ابتسامته المنتصرة المُنتقِمة، استحضر السِّهام الثلاثة من القوّة السحريّة. اقتضى الأمر شيئاً من التركيز، لكنّه وجّه كلَّ سهمٍ منها إلى مهاجمٍ مختلف، فأصاب كلٌّ منها صدر غوبلن إصابةً مباشرة. انطلقت من كلٍّ منهم صيحةُ ألمٍ غاضبة، لكنّهم مع ذلك أطلق كلٌّ منهم قذيفةَ مِقلاعٍ أخرى. وهذه المرّة ارتفع تُرس غرَنتِل في الوقت المناسب ليصدَّ التي صُوِّبت إليه، وتنحّى بوته عن طريق نصيبه، أمّا آل فأُصيب في أعلى صدره تحت كتفه اليسرى مباشرة. ثمّ تصايحوا فيما بينهم بتلك اللغة المجنونة أيّاً كانت التي يتكلّمها الغوبلن، واختفوا جميعاً عائدين إلى الشُّجيرات، وسُمع وقعُ ابتعادهم فيما بدأ آل يخطو نحوهم.
«الأجدرُ بكم أن تهربوا!» صاح آل فيهم وهو يندفع إلى الأمام ليطاردهم. ولمّا رأى غرَنتِل ذلك أطلق ضحكةً نابحةً متحمّسة، وانطلق يعدو خلفهم هو أيضاً. اقتحم الأوراق الكثيفة عند حافّة الغابة حيث اختفى الغوبلن. وكان آل خلفه مباشرةً، تدور في ذهنه صُوَرُ انتقامٍ لا يتناسب مع الجُرم. ثمّ توقّف حين همس صوتُ بوته في أذنه على نحوٍ ما.
«أيُّ آلٍ ذاك الذي يندفع بتهوُّرٍ إلى كمينٍ محتمل؟» سأل الصوت.
مهلاً... ماذا أفعل؟ هذا جنون. فكّر آل في نفسه. توقّف وصاح إلى الأمام: «غرَنتِل! عُد!»
ثمّ التفت إلى الوراء فرأى بوته يشير في اتّجاهه وعلى وجهه تعبيرُ قلق.
«لا يوجد أبداً سوى آل الذي تخاطبه أنت، صحيح؟ أيّاً كان معنى ذلك،» قال له آل.
«آه، ها أنت ذا،» أجاب بوته وبدا أنّه استرخى قليلاً. «لم نُسافر معاً إلّا أسابيع قليلة، لكن أمن الممكن أن يكون بيننا آلٌ جديدٌ منذ أن انطلقنا؟»
«ماذا، أحسِبتَ أنّ مُنتحِلاً أو ما شابه قد حلّ محلّي؟» سأل آل. وفي عُمق الغابة كان يُسمع صوت غرَنتِل وهو يشقّ النبات اقتحاماً. ثمّ جاء صوتٌ أشبه بمَن يقذف حجراً فيرتدّ عن جِذعٍ مقطوع، أعقبته على الفور زمجرةُ غضبٍ وقهقهاتٌ خبيثةٌ متفرّقة.
«غرَنتِل! إنّه فخّ! عُد!» صاح آل في ذلك الاتّجاه. فعاد إلى أذنَي آل مزيجٌ من أنينٍ وهَدير، فيما خَبا صوت القهقهة مبتعداً في المدى. ثمّ عاد إلى حديثه مع بوته.
«لا، ليس مُنتحِلاً،» أجاب بوته عن سؤال آل السابق، «لكن لعلّ آلَ إضافيّاً آخذٌ في التكوّن.»
«حسنٌ، قالت ويكووكِت إنّ هذا الضرب من التجارب يُغيّر الناس فعلاً،» قال آل، فيما خرج غرَنتِل من بين الأشجار ووجهُه مُطبَقٌ على زمجرةٍ عابسة. بل إنّه توقّف ليعضّ عضّةً عميقةً في جِذع شجرة بتولا وهو يمرّ بها. وبينما كانت الشجرة البريئة تُنكَّلُ بها، ذهب آل يلتقط القذائف التي رشقهم بها الغوبلن. كانت كُتَلاً من الرصاص تقارب شكل البيضة، عليها علاماتٌ تبيّن أنّها كتابةٌ محفورة. وبدلاً من تلك اللغة الغريبة أيّاً كانت التي يستعملها الغوبلن، كانت موسومةً بإهمالٍ باللغة المشتركة. أمسِكْ، حملت إحداها. وحُفِر على غيرها انحنِ، أو كُلْ هذا، أو آخْ. تمتم آل بلعناتٍ على تلك المخلوقات الصغيرة الخبيثة وهو يفرك الموضع المؤلم الذي أصابته إحداها. لم يشعر بشيءٍ مكسور، لكنّها لا محالة ستُخلّف كدمةً بشعة.
«هيّا، علينا أن نلحق بها ونطمئنّ أنّها بخير،» تابع آل بعد أن منح غرَنتِل ثوانيَ قليلةً يُفرّغ فيها إحباطه في الشجرة.
واصلوا طريقهم هرولةً. ولم يطل الأمر حتى لمحوا ويكووكِت على قدمَيها تُهرول نحوهم على امتداد الطريق. وعلى مسافةٍ خلفها كان فَخْذة لا يزال يجرّ العربة بخطىً بطيئةٍ متلكّئة. ثمّ أسرع الحمار ولحق بويكووكِت ما إن رأى الآخرين مُقبلين.
«قلتُ لك إنّ الأمر على ما يُرام!» أنّبت ويكووكِت الحمار، الذي أبطأ من جديدٍ ليُوافق خُطاها، لكنّه فيما عدا ذلك لم يُعِرها من الانتباه أكثر ممّا يفعل أيُّ حمارٍ آخر. «أعندكم فكرةٌ عمّا قد يكون أفزعه هكذا؟»
«كمينُ غوبلن! الجبناءُ الصِّغار الملاعين ضايقونا وتوعّدونا، ثمّ فرّوا ما إن توعّدناهم بدورنا،» شرح آل، ولمعت في صوته ومضةُ غضبٍ لحظةً واحدة. «خشينا أن يكونوا يطاردونكِ أنتِ أيضاً. ماذا؟»
كانت تلك الكلمة الأخيرة موجّهةً إلى بوته، الذي لاحظ آل أنّه يبدو مُراقباً له عن كثب.
«لا أذكر أنّه كان ثمّة آلٌ بهذا الغضب حين كمن لنا الغوبلن أوّل مرّة،» علّق بوته ناظراً في عينَي آل. «من أين يأتي هذا الغضب الجديد؟»
ردّ آل النظر غيرَ مُصدِّق، فالجواب في نظره بديهيّ والسؤال عبثيّ.
«لقد... لقد هاجمونا. تعقّبونا، وعبثوا بنا، وتوعّدونا، وهم يضحكون طوال الوقت. أليس من الطبيعيّ أن أشعر بأنّهم خطرٌ على رفقتي ينبغي استئصاله، أو على الأقلّ تلقينُه أنّه لا يُفلت بفعلته؟»
هَمهم غرَنتِل موافقاً، فاستدرج من آل إيماءةً لا واعيةً نحوه كأنّها تقول أرأيت، غرَنتِل يفهم. وأومأ بوته إيماءته هو أيضاً وابتسم ابتسامةً عريضة.
«نعم، أحسبُه كذلك. أظنّني بتُّ أفهم طبيعة هذا الآل فهماً كافياً الآن،» قال بوته راضياً.
«أسبق أن نبّهك أحدٌ إلى أنّك تتكلّم بطريقةٍ غريبةٍ أحياناً؟» سألته ويكووكِت.
«نعم. بل كان بعضُهم أنا،» أجاب بوته. فضحكت ويكووكِت. وحاول آل أن يُعيد الحديث إلى الموضوع المطروح.
«إذن، لم تُصادفي أيّة متاعب، ولم تلحظي شيئاً يحاول مطاردتك؟» سألها. فهزّت رأسها نافية.
«عدا أنّ فَخْذة فزع وانطلق يعدو بلا سببٍ ظاهر، لا. جرّني معه دقائقَ عديدة، وإنّي لأعجبُ كيف نجحتُ في منع كلِّ شيءٍ من السقوط عن العربة. ثمّ أبطأ أخيراً وتوقّف، ووقف هناك ينظر إلى الوراء في الطريق الذي جئنا منه. حاولتُ أن أجعله يستدير ويعود، لكنّه لم يشأ. وحين استسلمتُ آخر الأمر وبدأتُ أمشي عائدةً وحدي، تبعني مع ذلك. كنتُ أخشى أن يحاول الفرار، لكنّه اكتفى بالبقاء خلفي. لعلّه لم يُرِد أن يُترَك وحيداً.»
«على الأقلّ لا يبدو أنّهم طاردوكِ إذن. غرَنتِل، إلى أيّ جهةٍ كانوا متّجهين حين كنتَ تتبعهم في الغابة؟» سأل آل. فأشار غرَنتِل.
«هذا سيمرّ بهم على مقربةٍ من حِصن وولفكِن، أليس كذلك؟ ربّما ينبغي أن نذهب لنُنذر البارون بأنّ ثمّة غوبلن يجوسون في المنطقة.»
«أنا واثقةٌ أنّ صاحب الجلالة قادرٌ على رعاية نفسه،» اقترحت ويكووكِت بكراهيةٍ بيّنة.
«الجلالة تُخصَّص عادةً للمَلِك الحاكم،» نبّه آل.
«سُمُوّه البارونيّ الأسمى إذن. أيّاً كان، أقول دعوه يتدبّر الأمر، لا أريد العودة إلى هناك.»
«يا للعجب، أنتِ تكرهينه حقّاً، أليس كذلك.»
«إنّه مُدَّعٍ من الطراز الأوّل!» كادت ويكووكِت أن تصرخ بها، فبدا أنّ ذلك أفزع الحمار حتى نهق. «ثمّ إنّي لا أظنّ فَخْذة يريد أن يجرّ العربة أقربَ في ذلك الاتّجاه هو أيضاً.»
«لا يبدو صواباً ألّا نقول شيئاً على الأقلّ. وليس الأمر كأنّ علينا أن نقطع مسافةً بعيدة، فنحن لم نتجاوز المُنعطَف إلّا منذ قليل،» حاجّ آل.
«لا نعرف إلى حِصن وولفكِن إلّا مدخلاً واحداً، عدا النافذة الوحيدة. والأرجح أنّه حصينٌ بما يكفي في وجه مضايقةٍ عابرة. ومع ذلك، لعلّ من اللياقة أن نُخبرهم،» وافق بوته.
«حسنٌ، اذهبا أنتما الاثنان وأخبراه إذن، وأنا سأنتظر هنا وأحمي فَخْذة من الخطر،» أصرّت ويكووكِت، مُستلّةً سيفها الرفيع الوفيّ ومُتّخذةً وقفةً مسرحيّة.
«وماذا لو عاد الغوبلن من جديد؟» اعترض آل، لكنّه لان حين رأى ابتسامة غرَنتِل الخبيثة المُتشوّقة عند سماع سؤاله. زمجر غرَنتِل في هدوءٍ وهو يرفع يده يفرك ورماً صغيراً ينزف قليلاً في جانب رأسه.
«حسنٌ،» تنهّد آل، «غرَنتِل، يمكنك أن تنتظر هنا مع ويكووكِت تحسُّباً لعودتهم. وأنا وبوته نصعد إلى الحِصن لنطمئنّ عليهم ثمّ نعود، ولن يستغرق هذا طويلاً. فقط... كونا حذرَين. ما من حكايةٍ تقول خيراً عن تقسيم الرفقة.»
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion