Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 48
استغرقت الحكايةُ وقتاً طويلاً؛ فالحكايةُ نفسُها لم تكن طويلة، لكنّ فهمَ ما كانت ديزي سو تحاول قوله بتلك اللهجة الريفيّة المُبالَغ فيها على نحوٍ سخيفٍ لا يُصدَّق، بل مُهينٍ، هو الذي استغرق وقتاً طويلاً.
تقول حكايات أهل المكان إنّ المستوطنين الأوائل حين وصلوا قبل أجيالٍ كثيرةٍ ليقيموا مزارعَ صغيرةً هنا، في رقعةٍ من الأرض الصُّلبة يحيط بها المُستنقَع من أكثر جهاتها، وجدوا بالفعل بقايا قديمةً لبضعة أساساتٍ عتيقةٍ من سُكّانٍ سابقين، وعلى مسافةٍ قصيرةٍ إلى الشرق قبراً لا يقلّ عنها قِدَماً، غير أنّه ما زال سليماً. ولم يبدُ قطّ أنّ حيواناتٍ بريّةً أو هوامَّ خَطِرةً أخرى تُزعِج المستوطَنة، وهو ما زعم أحدُ الشيوخ الأوائل أنّه رُوحُ المدفون في ذلك القبر تحمي الأرض.
وظلّ قائماً سنواتٍ طويلةً تقليدٌ سنويٌّ يقضي بحمل الزهور ووضعِها على قبر البطل شُكراً على حمايته. ثمّ، قبل أجيالٍ عدّة، أُخِذ بعبادة هولوس شُكراً على غِلالٍ من المحاصيل الجذريّة تزداد جودةً عاماً بعد عام، فلم تعُد حمايةُ البطل المجهول لازمةً بعد ذلك.
وفي السنوات الأخيرة، أخذ هولوس يُلمِّح أكثر فأكثر إلى أخطارٍ آتيةٍ من خارج الجماعة، ووعد بأن يحميهم. اتّسعت الحقولُ حول القرية وفاضت بالخير، إلا حيث يرقد القبر، فهناك ظلّت الأرضُ مُستنقَعيّةً تمنع أيَّ محصولٍ جذريٍّ من النموّ. ولم يكن أحدٌ من القرويّين يرتاح إلى الاقتراب من تلك البقعة. وزعمت ديزي سو أنّ هولوس كلَّمها منذ عهدٍ قريبٍ مباشرةً من بطاطا حلوةٍ مُعفِّنة، آمراً بأن تُجمَع باقةٌ بعينها من الزهور، وأن يتولّى إيصالَها إلى مرقد البطل شخصٌ ليس من أهل القرية، فتُحَلّ المشكلة عندئذٍ.
كان الظلامُ قد بدأ يحلّ في الخارج حين انتهت الحكايةُ وفُهِم مغزاها أخيراً. أكّدت الشريفة ديزي سو أنّ عليهم الرحيل في الصباح، ولم يبدُ أنّ احتمال رفض الرِّفقة للمهمّة قد خطر لها أصلاً، وأنّ القرية ستوفّر لهم الطعام والمبيت تلك الليلة. ولم يُقنِع آلَ بالمُضيّ في الأمر إلا احتمالُ التخبّط في مستنقَعٍ وسط العتمة، أو الوقوعُ في مفاوضةٍ طويلةٍ مُلحّةٍ على نحوٍ مُزعِجٍ لو حاول التراجع عند هذا الحدّ.
«تعالوا،» قالت للرِّفقة، «سنُجهِّز لكم فِراشاً وزاداً عند كليتَس واين.»
كان فَخْذة لا يزال ضَجِراً ينتظر مع كلّ مُؤَن الرِّفقة على العربة حين خرجوا من «الكِنيسه». فكّت ويكووكِت رِباطَه، وتوجّهوا جميعاً إلى النُّزُل. وفي الطريق سألت ديزي سو آلَ عن رأيه في بذرة اللفت.
«إنّها... نبيلةٌ جداً،» اقترح آل بأقصى ما استطاع حشدَه من لباقة، بينما ضيّق رجلٌ ذو وجهٍ مُتكتِّلٍ عينَيه في ارتيابٍ نحو الرِّفقة العابرة.
«بارَك الله في قلبك،» ردّت ديزي سو بصوتٍ وُدّيٍّ للغاية.
أجفل آل، متسائلاً كيف استطاعت أن تجعل تلك العبارة تبدو كأنّها لعنةٌ مُروِّعة. «آسف،» تمتم معتذراً.
«لا بأس،» جرّت ديزي سو حروفَها بلُطف، وهذه المرّة بتعاطفٍ صادق، «أنتم لا تنتمون إلى هذا المكان. ولا يُفترَض أن تكونوا مرتاحين فيه. أنا أعرف أنّكم تريدون الرحيل. وشكراً لكم على فِعلها مع ذلك. وسنَدفَع لكم أيضاً حين تذهبون لأخذ الوَرْد صباحاً، حتى لا تحتاجوا الرجوع. هكذا الدنيا، هذا كلّ ما في الأمر.»
تصاعد من مكان كليتَس واين ضحكٌ عالٍ بلا داعٍ وضجيجٌ موسيقيّ. كان هناك رنينُ وترٍ إيقاعيٌّ متفاوتُ الجَوف، ونَفَخاتُ صفيرٍ أجوفَ إيقاعيّة، وصوتُ حَكٍّ منتظم، ودَقُّ أقدامٍ على الإيقاع نفسه. دفعت ديزي سو الباب ففُتِح، وألقت الرِّفقةُ نظرةً على الداخل. كانت جماعةٌ من القرويّين مُتحلّقةً عند أحد الجدران تصنع ذلك الضجيج الموسيقيّ بجِرارٍ من الطين، ولوحِ غَسيل، وأقدامِها، وأداةٍ معدنيّةٍ صغيرةٍ يُمسِكها أحدُهم بما تبقّى له من أسنان، ينقُرها فتُصدِر رنين الوتر. وتجمّعت جماعةٌ من رجال القرية ونسائها عند جدارٍ آخر، يتناوبون محاولة البُصاق في قِدرٍ على مسافةٍ منهم. أما جماعةٌ ثالثةٌ فقد التفّت حول طاولةٍ يتناوب أفرادُها ليَّ وجوههم في تكشيراتٍ بشعة، مما أثار مرح بقيّة المشاركين.
«يا جماعة! أهل المدينة وصلوا. سيتولّون شغلة الوَرْد لنا. عامِلوهم معاملةً طيّبة، اسمعوا!» أعلنت، فارتفعت هُتافاتٌ متفرّقة، وإن لم يُعِرها معظم الموجودين انتباهاً. ثمّ أمال غرَنتِل رأسَه فوق رأس ديزي سو لينظر إلى الداخل، فساد الصمت.
وكسر الصمتَ بعد ثوانٍ قليلةٍ صياحٌ عميقٌ أجشُّ من أحدهم: «ما هذا بحقّ الدنيا؟»
«يُساعِد أهل المدينة على قتال الوحوش،» شرحت ديزي سو. «سآخذهم ليستريحوا قليلاً. أعطوهم الزّاد الجيّد، سامعين؟»
كانت غرفتُهم فسيحةً جداً، لكنّ ذلك يعود في معظمه إلى كونها حظيرة. أغلبُ المرابط كان خالياً، وإن كانت في أحدها بقرة. اضطربت البقرةُ اضطراباً شديداً حين دخلت الرِّفقة. ولم تُفلِح ديزي سو في تهدئتها، فانتهى بها الأمر إلى اقتيادها بعيداً بعدما استقرّت الرِّفقةُ في الطرف الأقصى من الحظيرة. على الأقلّ بدا أنّ على الأرض قَشّاً طريّاً، وأنّ ثمّة مُتّسَعاً وافراً لإدخال العربة، ومَربِطاً يبدو مريحاً بدرجةٍ مقبولةٍ لفَخْذة. بل كان فيه أصلاً حَوضُ ماءٍ وكومةُ تِبن.
«هذا نوعٌ من مُجمَّعات الطوائف السرّيّة، أليس كذلك؟ هذا المكانُ كلُّه خطأٌ يُثير الاشمئزاز!» تذمّر آل بصوتٍ خافتٍ بعد أن غادرت ديزي سو.
«هولوس إلهٌ شرعيّ،» أكّد بوته، «لكنّ هذا يوحي فعلاً بشبهٍ شديدٍ بطائفةٍ سرّيّة. لا أشعر بأنّنا في خطرٍ هنا، وربما لسنا حتى غيرَ مُرحَّبٍ بنا حقّاً، لكنّنا بالتأكيد لا نَنتمي إلى هذا المكان. ولا أستطيع أن أقول لماذا.»
«كأنّ القرية نفسَها تريد أن تُبقي كلَّ من سواها بعيداً،» تأمّل آل.
«حسناً، ما دامت تُبقي الجميع بعيداً، فأظنّ أنّ من الأمان أن أُخرِجها من صندوقها. فنحن لم نحظَ بوقتٍ معاً يُذكَر،» أعلنت ويكووكِت متّجهةً إلى العربة.
«مَن؟» سأل آل في حَيرة.
«سيفي الجديد! لقد ظلّت حبيسةَ ذلك الصندوق زمناً طويلاً، فلا تكاد تخرج أبداً! لا بدّ أن أتعرّف إليها إن كنتُ سأطعن بها الناس!»
«هي؟»
«طبعاً، وهل من شكّ؟ سمعتُ في مكانٍ ما أنّ إناث العناكب هي الأكبر والأخطر، صحيح؟»
ولمّا كانوا لا يزالون بلا مفاتيح للصندوق، اضطرّت ويكووكِت أن تُمضي بعض الوقت بأدوات فتح الأقفال حتى فتحته، وستحتاج بالطبع إلى تكرار ذلك لتُقفِله لاحقاً، لكنّها الآن رفعت الغطاء وسحبت السيف الرفيع الموسوم بالعنكبوت من تحت أكياس النقود الثلاثة. ومع أنّه بطول ويكووكِت كاملاً، لم تجد عناءً في رفعه للتلويح والطعن، بفضل خِفّة السيف الرفيع غير الطبيعيّة.
الغنوم، كما قد يُخمِّن المرء، ليسوا مثالاً للقوّة الغاشمة. حتى الغنوم الرياضيّ نسبيّاً يشقّ عليه أن يغلب بشريّاً خامل الحركة في مباراة قوّةٍ عضليّة. لكن في المقابل، حتى ذلك القدر من القوّة، حين ينضغط في جسدٍ غنوميٍّ بالغ الصِّغَر، يُتيح ألعاباً بهلوانيّةً مُبهِرة. فالقفزُ مسافةً تتجاوز ستّة أقدامٍ من وقفةٍ ثابتة ليس أمراً لافتاً في حقّ البشر، أما أن تقفز مسافةً تزيد على ضِعف طولك فأمرٌ يُذهِل.
جرّبت ويكووكِت السيف الرفيع الجديد بالركض والقفز في أرجاء الحظيرة، تطعن أشياءَ شتّى لتتأكّد أنّها ليست وحوشاً مُتنكِّرة. وكلّما ألِفت النصلَ الطويل، تكيّف أسلوبُها في القتال. لم يكن مدى ذراعيها وساقيها القصيرتين كبيراً، لكنّ رشاقتها في الحركة عوّضت ذلك، فحلّت القفزاتُ والاندفاعاتُ الراكضة محلّ الطعنات والوثبات الأماميّة. بل أقنعت غرَنتِل أن يُبارزها للتمرين، فانشغلت الرِّفقةُ كلُّها حيناً بما يكفي لتنسى ضِيقَها بالمكان الذي هي فيه، وويكووكِت تركض وتقفز حول الغُنول الأضخم منها بكثير.
وانتهى المرحُ فجأةً حين ارتعشت أذنا غرَنتِل واستدار بعيداً على غير توقّع، يشمّ الهواء، غيرَ عابئٍ بطعنةٍ سطحيّةٍ في وَرِكه أوقعته فيها حركتُه المباغتة قبل أن تتمكّن ويكووكِت من سحب النصل. وأوقف آل يدَه الممتدّة دفاعاً إلى صولجانه حين رأى أنّ لُعاب غرَنتِل يسيل.
«هل أنتم مُتسَتِّرون هنا؟» نادى صوتُ شابّ، ثمّ فُتِح بابُ الحظيرة دون انتظار جواب. وكان الشابُّ الذي دخل يجرّ عربةً يدويّةً صغيرةً يملك فعلاً معظم أسنانه وشَعره، وقميصُه نظيفٌ إلى حدٍّ ما.
«جِئتُكم بالزّاد! عندنا عَراقيب وأكارِع، وكذلك مُصارين!» أعلن بمرحٍ وهو داخل. ثمّ توقّف، قلِقاً في صمت، حين رأى غرَنتِل يلوح بضخامته ولُعابُه يسيل من بين أسنانٍ حادّة.
ولمّا لم يُهاجَم بعد ثوانٍ عدّة، وجد صوتَه أخيراً.
«ما هذا بحقّ الدنيا؟»
«مَن، غرَنتِل؟» سألت ويكووكِت مشيرةً إليه إلى أعلى بسيفها الرفيع الذي بطول ويكووكِت. «لا تقلق، إنّه ودود، هو فقط يجد رائحة الطعام شهيّة. أليس كذلك يا غرَنتِل؟»
أطلق الغُنولُ هَمهمةَ موافقةٍ ولُعابُه ما زال يسيل. كانت رائحةُ اللحم المطبوخ تتصاعد في الهواء، وصار الآخرون يشمّونها هم أيضاً. على العربة رَصّةٌ من القِصاع، وحَوضٌ خشبيٌّ صغيرٌ مُحمَّلٌ بلحومٍ من نوعٍ ما تعذّر التعرّف إليها للوهلة الأولى. وخُيِّل إلى آل أنّه رأى قدمَ حيوانٍ بحافرٍ مشقوقٍ تبرز من الأعلى. وكانت هناك أيضاً جَرّةٌ كبيرةٌ من الطين مكتوبٌ عليها «XXXX» فحسب، وجَرّةٌ أخرى بلا أيّة علامات.
«سأترُكه هنا إن لم تُمانعوا،» اقترح موصِّلُ الطعام. وحدّق في ويكووكِت لحظة.
«كيف تحملين هذا الشيء الكبير هكذا؟» سأل.
«ماذا؟ آه، سيفي الجديد!» أجابت بعدما فهمت ما قاله، «تمرينٌ كثيرٌ لا أكثر!»
«هذا الشيء يكاد يكون أكبر منكِ، كيف تحمِلينه أصلاً؟»
وكانت هناك وقفةٌ أخرى لفهم السؤال، ثمّ هزّت ويكووكِت كتفيها وأجابت: «لا أحملها الآن، فليس لي بها غِمد، ولو كان لي غِمدٌ وحاولتُ تعليقها في حِزامي لجرَّت على الأرض.»
هزّ موصِّلُ الطعام رأسَه. «هذا ليس صحيحاً،» قال، «لا تذهبوا إلى أيّ مكان قبل أن أرجِع، بيلي واين سيُصلِح لكِ ذلك بسرعة،» جرّ حروفَه، ثمّ استدار مغادراً هرولةً.
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion