Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 49
اقترب آل من عربة الطعام، وغرَنتِل يتبعه لصيقاً. كانت رائحة الطعام طيّبةً بما يكفي، أشبه ما تكون برائحة لحم الخنزير. بل إنّه، كما أدرك آل، كان لحم خنزيرٍ من نوعٍ ما. فقد كانت عدّةُ سيقانٍ سُفلى لخنازير، ما تزال الأقدام مُتّصلةً بها، ناتئةً من محتويات الدَّلو.
«حسناً، رائحته ليست سيّئة، لكنّ منظره فظيع. يبدو أنّه أقدامٌ و... ما هذا، أمعاءٌ مسلوقةٌ في خَلٍّ كِبريتيّ؟»
قرقر بطنُ غرَنتِل. تنهّد آل وأخذ إحدى القِصاع. ولمّا لم يجد أدواتِ تقديمٍ موضوعةً هناك، غرف اللحمَ المجهول بالقصعة نفسها، مُجتهداً أن يُدخل فيها أكبر قدرٍ من الأقدام دون أن يكون ذلك بادياً أكثر من اللازم، ثمّ ناولها إلى غرَنتِل. لم يتردّد الغُنول لحظةً في التهام ما فيها. تهشّمت العظام والحوافر بقرمشة. وأطلق غرَنتِل هَمهمةً واحدةً استحساناً.
ذهب آل إلى حقيبته ونبش عن الملعقة التي أحضرها معه، ثمّ عاد ليغرف مُتردِّداً شيئاً من الأجزاء التي ليست أقداماً ولا سيقاناً في قصعة، ووقف جانباً يتذوّق قصعةَ الأمعاء بينما خدم الآخرون أنفسهم.
لم يكن الطعام بسوء منظره ولا رائحته. لم يشأ آل أن يفكّر في أيّ جزءٍ من الخنزير المُرجَّح جاء ما يأكله، لكنّه تبيّن أنّه طريٌّ، فيه حموضةُ الخَلّ وبصلٌ وثومٌ مفرومان، وكان المذاق الناتج، على الأقلّ، ليس أسوأ ما ذاقه في حياته. وخدم بوته وويكووكِت نفسيهما أيضاً. بل إنّ ويكووكِت أخذت إحدى الأقدام تنزع اللحم عن العظم بأسنانها.
«فيها بعض الفوضى، لكنّها ليست سيّئة،» أعلنت. وأعطت العظام لغرَنتِل حين فرغت.
فتح آل الجرّة التي عليها علامة XXXX، وندم على الفور على تقريبها من وجهه هكذا وهو يفتحها. أدمعت الأبخرةُ الكحوليّة القاسية عينيه. ولمّا تبدّدت الأبخرة بما يكفي ليرى جيّداً من جديد، ارتشف رشفةً صغيرة. ذكّرته قليلاً بـ«الغرَمب» الذي قُدِّم لهم في مأوى الدجاج، لكنّها أشدّ منه بأساً، وبلا حلاوةٍ ولا أيّ نكهةٍ مُستساغة. وعلى خلاف الغرَمب أيضاً، لم تكن الرشفة الثانية أطيبَ مذاقاً. وضع الجرّة. أصرّت ويكووكِت على تجربتها، وبعد أن سعلت عدّة ثوانٍ رفعت إبهامها استحساناً واقترحت أن يأخذوها معهم.
أمّا الجرّة غير المُعلَّمة فقد احتوت ماءً لحسن الحظّ، وإن كان طعمُه أشبه قليلاً بطعم التراب.
وبينما كانوا يُنهون طعامهم، طُرِق باب الحظيرة من جديد، وفتحته ديزي سو تجرّ عربةً يدويّةً صغيرةً أخرى عليها عدّةُ أكياسٍ مُمتلئةٍ متفاوتة الأحجام، منسوجةٍ نسجاً خشناً من نوعٍ من ألياف النبات. ومن أحد الأكياس الصغيرة كانت تبرز زهورٌ شتّى مشدودةٌ بعضها إلى بعض.
«جِبتْ لكم جزاكم والزّهور. الله يبارِك فيكم على هالصنيع،» قالت للمغامرين. «ما راح منّا أحدٌ لهناك من زمانٍ طويل، بس كلّ اللي عليكم إنّكم تلاقوا مَثوى البطل وتعطوه الزّهور.»
«ألا تخشَين أن نأخذ الجزاء ونهرب ببساطة؟» تساءل آل بصوتٍ مسموع.
«لا، ما راح تعملوها،» قالت ديزي سو بقناعةٍ راسخة.
«قال الإعلان إنّ القبر قد يكون خَطِراً، فماذا لو غادرنا بالجزاء ثمّ قُتِلنا؟»
«ساعتها اللي ينبعتوا وراكم ياخدوه لنفسهم. بس أنا واثقه إنّكم تقدروا. خُدوا الطريق الشرقيّ الطالع من البلده، وهو بيمرّ فيكم على القبر رأساً. ومَثوى البطل بمكانٍ ما جوّه.»
«الطريق الشرقيّ، حسناً. سننطلق في الصباح،» قال آل، وقد أقلقه قليلاً أنّ فهم لهجة القرويّين المُفرِطة صار أيسر عليه.
«يا جماعه، لسّاكم صاحيين؟» سأل الشابُّ الذي رأوه قبلاً من عند الباب المفتوح وهو يطرق. «آه، مرحبا يا شريفه ديزي سو. جِبتْ شي للسيّده الصغيره.» ورفع... شي. لوحين ضيّقين من خشبٍ رماديٍّ بالٍ يبدو أنّهما انتُشِلا من مكانٍ ما، وعلى أحد جانبيهما شريطٌ من حديدٍ صَدِئٍ قليلاً يمتدّ على الطول وعبر الأسفل، مُثبَّتٌ بمساميرَ دُقّت من جهةٍ وثُنِيت من الأخرى. وكان أحد المسامير ناتئاً إلى نصفه، منثنياً بزاويةٍ مجنونةٍ بلا سببٍ ظاهر. وقد رُبِطت قِطعٌ بسيطةٌ من أحزمة الجِلد قرب الأعلى وفي الوسط.
«ما هذا؟» سألت ويكووكِت بقدرٍ متساوٍ من الفضول والتشكُّك.
«هذا لـسيفِك يا سيّدتي،» أجاب داخلاً الحظيرة ومقترباً. «ممكن أشوفه؟» وأشار إلى حيث كان السيف الرفيع الموسوم بالعنكبوت مُسنَداً إلى عمودٍ بينما كانت ويكووكِت تأكل.
«حسناً... أظنّ ذلك. لكن كن لطيفاً معها، فأنا لا أعرف اسمها بعد،» أجابت ويكووكِت، والتقطت السيف وحملته إليه. سلّمته إيّاه برفق.
«ما بيوزن ولا شي أبداً!» تعجّب وهو يلوّح به مُجرِّباً.
«مش لُعبه يا بيلي واين،» زجرته الشريفة ديزي سو، «ومش لَك كمان.»
«آسف يا سيّدتي،» قال بيلي واين. ثمّ غرز طرف السيف الرفيع في الفُرجة بين اللوحين، من الجهة غير المُطوَّقة بالحديد الصَّدِئ، قرب الأسفل، ثمّ أدخل بقيّة النصل بينهما دفعاً كالرافعة. فاستقرّ في مكانه بفرقعةٍ داخل أُخدودٍ كان قد حُفِر في وسط اللوحين قبل أن يُشدّا معاً. ثمّ أخرجه بالطريقة نفسها التي أدخله بها، ونتش الطرف حتى تحرّر. وبعد أن أعاده مرّةً أخرى، ابتسم.
«تحِبّي تجرّبي؟» سأل ويكووكِت مادّاً الحزام العلويّ. تركته ويكووكِت يُثبّت الشيء عليها، فمرّ الحزام العلويّ فوق كتفها اليسرى وتحت اليمنى، والحزام السفليّ حول خصرها بارتخاء. وشُدَّ الحزامان بإبزيمين خشِنَي الصنع بدا أنّهما رُكِّبا من مساميرَ وخُردةِ معدنٍ ثُنِيت معاً ببراعة. تدلّى الغِمد الخشبيّ السخيف مائلاً قليلاً عبر ظهر ويكووكِت، ومقبضُ السيف الرفيع خلف رأسها وإلى يمينه بقليل. مدّت يدها مُتحسِّسةً وقبضت على المقبض، وجذبته إلى اليمين لتُخرج النصل. كان تحرير الطرف عسيراً بعض الشيء، لكنّ الدفع إلى الأعلى وإلى يمينها أخرج السيف. واقتضاها الأمر محاولاتٍ عدّة لتُصيب الزاوية الصحيحة، لكنّها استطاعت في النهاية أن تعكس العمليّة فتُعيد الطرف وتُثبّت النصل بفرقعةٍ بين اللوحين.
«غالباً لازم تشتغلي عليه شويّ، بس راح تِتقنيه،» قال بيلي واين بابتسامةٍ راضية.
«سيحتاج الأمر إلى شيءٍ من التعوُّد، لكنّي أظنّ أنّ هذا سينجح،» تأمّلت ويكووكِت، وامتنعت تأدُّباً عن أن تُضيف في الوقت الحاليّ. «والآن صار بوسعي أن آخذها معي في المغامرات! شكراً يا بيلي واين!»
«ما فيها شي يا سيّدتي. لمّا تخلّوا الميّت يفِلّ من طريقنا، أنا راح أزرع بطاطا حِلوه بمكانه، فأنا مبسوط إنّي ساعدت.»
«طيّب يا بيلي واين، خلّينا نترك أهل المدينه ينامو،» قالت الشريفة ديزي سو وهي تطرده خارجاً.
«شكراً لك مرّةً أخرى على هذا يا بيلي واين!» قالت ويكووكِت وهي تلوّح مُودِّعةً، مُشيرةً إلى الأداة على ظهرها حيث استقرّ سيفها الرفيع الجديد، «تبدو مرتاحةً هناك في الخلف!»
لوّح بيلي واين مُجيباً ثمّ انصرف. وتوقّفت ديزي سو لحظةً قبل أن تُغلق باب الحظيرة خلفهما.
«أهلاً فيكم إذا حبّيتوا ترجعوا لمّا تخلّصوا، بس أنا عارفه إنّكم ما بتحبّوا. بذرة اللفت مش مكان لكلّ الناس، بس لازم أعرض عليكم لأنّكم بتعملوا لنا معروف. عمرَكم ما راح تصيروا مِنّا، بس إنتو ناس طيّبين، لأهل مدينه.»
ثمّ لوّحت لهم هي أيضاً وقالت بمرحٍ: «وإيّاكم تموتوا علينا، سمعتوا؟» وهي تُغلق الباب.
«ما زلتُ غير مرتاحٍ لوجودنا هنا، لكنّهم مِضيافون على الأقلّ،» علّق آل، وتحرّك يفحص الجزاء الذي تُرِك لهم. كان الكيس الذي تبرز منه الزهور مملوءاً بالتراب فعلاً، بالتُّربة، صحّح آل لنفسه مُتسامحاً، وخمّن أنّها نباتاتٌ كاملةٌ لا زهورٌ مقطوفة. فذلك على الأقلّ قد يمنعها من الذُّبول قبل تسليمها إلى مَثوى البطل الميّت. وصرَف رنينُ النقود المُتقعقِعة في كيسٍ آخر ويكووكِت عن تمرينها على غِمد السيف الجديد.
«أعرف هذا الصوت، وأُحبّه!» قالت مُهرولةً لتنظر. تركها آل تأخذ الكيس لتعدّ ما فيه بينما تفقّد هو البقيّة. كان الكيس الأكبر مُتكتِّلاً، وقد احتوى، لخيبة أمل آل وإن لم يكن ذلك مُفاجئاً له، تشكيلةً من البطاطا واللفت والبطاطا الحلوة والفُجل.
قعقع الكيسُ الأصغر وتخضخض حين رفعه آل. كان في داخله أربع قوارير معدنيّة، رفيعةٍ مستطيلةِ الشكل، في حجم كفّ آل وأصابعه وسُمكها تقريباً، لكلٍّ منها سِدادةٌ خشبيّةٌ مربوطةٌ إلى القارورة بسلسلةٍ معدنيّةٍ صغيرةٍ كي لا تضيع. وعلى غير المتوقّع بالنظر إلى حال كلّ شيءٍ آخر في القرية، كانت مصقولةً جيّداً، وإن حملت كلٌّ منها عدّة انبعاجاتٍ صغيرةٍ وعلاماتٍ أخرى تدلّ على استعمالٍ كثيف. نزع آل سِدادة إحداها وأعادها في الحال حين لسعت عينيه أبخرةُ ما يكون XXXX.
«على الأقلّ سنكون مُستعدّين إن احتجنا إلى إذابة شيءٍ من الغِراء. أو أكبادنا،» تندّر آل. «يبدو أنّ لكلٍّ منّا واحدة.»
ووزّع القوارير على الآخرين. أخذت ويكووكِت قارورتها دون أن ترفع بصرها عن عدّ النقود. نزعت السِّدادة وارتشفت رشفة، ثمّ أعادتها وهي تسعل. وأخذ بوته واحدةً كذلك وفعل مثلها، غير أنّه بدا، بدل أن يسعل، كأنّه يتأمّل النكهة بعناية.
«إنّه قاسٍ جدّاً، وقويٌّ حتى بمقاييس قومي أنا. ما كنتُ لأُكثر من شُربه، لكنّي شاكرٌ لهذه الهديّة،» أعلن.
وبعد أن راقب الآخرين، قبِل غرَنتِل قارورته وفتحها. ولدهشة آل، تجعّد خطمُه في زمجرة، وأعاد السِّدادة دون أن يذوق.
«أكثر من اللازم،» هَمهم غرَنتِل، وألقى القارورة في حقيبته.
وساعد آل ويكووكِت على إتمام فرز القطع النحاسيّة والفضّيّة والذهبيّة التي اختلطت في الكيس، ثمّ ساعدها في العدّ.
«579 قطعةً نحاسيّة، و243 فضّيّة، و44 ذهبيّة!» أعلنت ويكووكِت حين انتهى العدّ.
«هذا أكثر ممّا توقّعتُ من منظر البلدة،» اعترف آل، «هذا يكفي على الأقلّ ليشتري لنا نُزُلاً طيّباً لبعض الوقت.»
«لا يبدو هذا مكاناً له حاجةٌ كبيرةٌ إلى المال،» رأى بوته، «فلعلّهم يتقايضون على ما يحتاجون إليه، ولا يدّخرون المال إلّا للمعاملات مع الغرباء التي تستلزمه.»
تثاءب آل. كان يوماً آخر طويلاً مُنهِكاً.
«أظنّ أنّ في هذا وجاهة. يبدون قوماً يُؤثرون الانطواء على أنفسهم في الأغلب. سأذهب لأنام، وأنصحكم جميعاً بذلك. كلّما أسرعنا في النوم، أسرعنا في الاستيقاظ وتركِ هؤلاء الناس إلى عُزلتهم من جديد.»
أخرج آل لفافة فِراشه وبسطها على الأرض جانباً، قرب مَربِط فَخْذة. وفكّر في أيّ كتابٍ يُخرجه ليقرأ، لكنّ تعبَ اليوم أدركه فقرّر ألّا يُعنّي نفسه. خلع حذاءه ورداءه وقميص الزَّرَد، ثمّ دسّ نفسه في لفافة الفِراش وانساب سريعاً إلى أحلامٍ غريبةٍ يُدفَن فيها دفناً مُريحاً.
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion