Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 50
في الصباح التالي، كان جوعُ غرَنتِل باديًا لا يخفى. مال نحوه حتى لم يعد يفصل وجهَه الوحشيَّ عن وجه آل سوى بضع بوصات، وقال بصوته العميق المُزمجِر: «حَنجيب الزّاد على طول.»
ثمّ جاء صياحُ ديكٍ فأيقظ آل وأنهى الكابوس. كان واثقاً أنّه سمع «يا جماعه» في ذيل إعلان الديك عن شروق الشمس، وهو يعود إلى وعيه ويتنبّه لملمس المكان ورائحته. كان دافئاً، محميّاً، بل ربّما حميماً. حمل الهواءُ روائحَ قويّةً من تراب وتِبنٍ وعَرَق، ومن سَمادٍ وكِبريتٍ وكلبٍ مبلول... انفتحت عينا آل فجأةً، فجلس مُنتصباً في هواء الصباح البارد، مستيقظاً في الحال. كبراعم أوراق اللفت وهي تطلع من تربةٍ دافئة، فكّر آل، ثمّ هزّ رأسه ليصفو ذهنه. كفى. لقد صار مُقرَّراً رسميّاً أنّي أمضيتُ في هذا المكان وقتاً أطول ممّا ينبغي.
أمّا «الوسادة» التي ظنّ أنّه كان مُتّكئاً عليها فقد كانت غرَنتِل نفسَه، مُتكوِّراً مُلتصقاً بجَنب آل مباشرةً. وكان بوته على الجانب الآخر من آل، وويكووكِت في فِراشها فوق غرَنتِل. وفي الأعلى تماماً، حدّقت عينا فَخْذة إلى آل، ورأسُ الحمار مائلٌ فوق باب المَربِط. نهق فَخْذة، فحرّك البقيّة إلى اليقظة.
«لماذا نحن مُتكدِّسون هنا جميعاً؟» سأل آل وهو ينهض ناعساً ويتعثّر خارجاً من الكومة.
«لستُ على يقين،» أجاب بوته وهو يجلس مُنتصباً بادي الحَيرة. «لا أذكر أنّي تحرّكتُ في أثناء الليل.»
أطلقت ويكووكِت صيحةَ احتجاجٍ حين وقف غرَنتِل ومَطّ جسده، فأسقطها إلى الأرض. تمطّت هي الأخرى على مضض، ثمّ أخرجت نفسها من فِراشها ببطء.
«كيف صعدتُ إلى هناك؟» تساءلت بصوتٍ مسموع. «لو كنتُ أعرف أنّه بهذه الراحة لجرّبتُه من قبل.»
وبينما كانت الجماعةُ تحزم أمتعتها وتتهيّأ للرحيل، سُمِع طَرقٌ على الباب.
«لِسّاكُم هِنا يا جماعه؟» سألت الشريفةُ ديزي سو وهي تدفع البابَ فتحاً. بدت مسرورةً برؤيتهم. «حسبتكُم رِحتوا بدري. حَجيب لكُم الزّاد قبل ما تروحوا. ديبي سو عمِلت أقراص خُبز وبيتي سو عندها صَلصه.» ثمّ انصرفت من غير أن تنتظر جواباً.
«يبدو هذا أفضل من الأقدام والأمعاء التي نالَتْنا البارحة،» اعترف آل وهو يضع كيسَ القطع النقديّة المُتناثِرة، المأخوذ من عربة المكافأة، في الصندوق المُبطَّن بالرَّصاص، ثمّ رفع جوالَ الخُضَر الجذريّة إلى عربتهم.
عادت الشريفةُ ديزي سو حين كان آل قد أنهى معظم أعماله وأخرج مراجعَ فنّ السِّحر ليتهيّأ للمهمّة إلى القبر. كان على كتفها الأيمن جوالٌ خشِن، وفي يدها اليسرى دلوٌ من وحلٍ رماديٍّ يتصاعد منه البخار. تراجعت خطوةً في توتّرٍ حين شمّ غرَنتِل الهواءَ ثمّ انطلق نحوها يسيل لُعابه، لكنّ الغُنولَ لم يُعِرْها انتباهاً، بل جثا ببساطةٍ ليشمّ الدلو.
«جِعان يا صغيّر، صحّ؟» قالت له، وهي لم تحسم بعدُ رأيها في غرَنتِل. نظرت إلى آل تطلب إرشاده. ولسببٍ ما، فعل غرَنتِل الشيءَ نفسه.
«الشَّرَه من أحبّ الأشياء إليه،» شرح آل، «لا بدّ أنّ رائحة ما في ذلك الدلو طيّبة. مهلاً يا غرَنتِل، دَعْنا نُجرّبه نحن أوّلاً. لكن يمكنك أن تأخذ ما يتبقّى منه بعد ذلك.»
«دي صَلصة السَّجَق اللي بتعملها بيتي سو، مشهوره في الدنيا كلّها، وجايبه لكُم أقراص ديبي سو. حَتحُطّ لحماً على عضامكُم وشَعراً على صدوركُم.»
افترض آل أنّ ذلك مجرّد تعبيرٍ مجازيّ. أطلق شخيراً للصورة التي ارتسمت في ذهنه: غرَنتِل ينبت على صدره قدرٌ سخيفٌ من الوَبَر، وهو يُخرج ملعقته من حقيبته مرّةً أخرى ويجلب أحد الأوعية من طعام الليلة الماضية. تبيّن أنّ الأقراص أرقى ممّا توقّع آل. فبدلاً من كُتَل العجين المخبوز التي كان يتوقّعها، بدت وكأنّها قُطِّعت أقراصاً مستديرةً نظيفة، وكان العجين مُطبَّقاً بحيث يسهل فصلُ أعلاه عن أسفله. أمّا دلو الصَّلصة الثخينة فلم يكن منظره يَعِدُ بكثير، لكنّه احتوى نسبةً وافرةً من قِطَع السَّجَق.
«خَلّوا بالكُم ما تشربوا كتير من الشان،» حذّرتهم ديزي سو، «هوّ يداوي كلّ عِلّه فيكُم، بس لو شربتوا كتير ما حَتقدروا تمشوا عَدل.»
«شان؟» سأل آل، «الذي في الجرّة المكتوب عليها XXXX؟»
«صحّ! أنتُم مباركين إنّكُم تاخدوا منّه. دا سِرٌّ مقدّس! الآرثشان إكسيرٌ سرّيّ مُوحًى به من فوق. ما تلاقوه في مكانٍ تاني أبداً.»
«اسمه إيرثشاين؟» فسّر آل.
«أيوه. معمول من الجُدور. وصفه سرّيّه.»
«آه، نعم. بالطبع هو كذلك. حسناً، شكراً لكِ عليه،» قال آل بلباقةٍ دبلوماسيّة، وجلس على الأرض ليأكل.
كان آل يودّ لو زاد المِلح، وكانت الأقراص جافّةً بعض الشيء، لكنّها كانت في جملتها وجبةً طيّبة. أخذ غرَنتِل الدلوَ بعد أن أخذ بوته وويكووكِت نصيبهما أيضاً. وبعد دقائق قليلة سقط الدلو فارغاً قد لُعِق حتى نَظُف. راقبتهم ديزي سو وهم يأكلون نظرةَ رضا.
«ما بدأتوا تتراجعوا، صحّ يا جماعه؟» سألت الرفقةَ في مَرَح.
«لا،» أجاب بوته بحزم، «لا بدّ أن أمضي بهذا إلى نهايته.»
رمقهم آل بنظرة، مُتفاجئاً من ردٍّ بهذا التوكيد. أشار بوته إلى الكيس الذي فيه الأزهار.
«هذه رسالة. وهذا يقع تماماً ضمن واجباتي في خدمة إنديسينا. وسأحرص على إيصال هذه الرسالة.»
«أحسبُ أنّه لو كانت تُراودنا شكوك، فهذا يحسمها،» قال آل وهو ينهض واقفاً، «الأرجح أنّ الوقت قد حان للبدء. بقي لديّ قليلٌ من التحضير قبل أن ننطلق، هل يستطيع أحدكم أن يُخرج فَخْذة ويربطه بالعربة؟»
وبينما كان آل يلتقط ملاحظاته في فنّ السِّحر من جديد، فوجئ برؤية غرَنتِل هو مَن ذهب ليفتح باب مَربِط فَخْذة. بل إنّ الحمار تبع الغُنولَ إلى مقدّمة العربة. حدّق غرَنتِل في حَيرةٍ إلى تلك السيور المُتشابكة حتى جاءت ويكووكِت لتساعد في تسخير فَخْذة كما ينبغي. عبّرت ديزي سو عن شكرها مرّةً أخرى، ثمّ انصرفت ومعها عربات اليد التي جاء بها القرويّون. عاد آل فجلس ليُراجع ملاحظاته.
إنّ مُمارسة فنّ السِّحر تقوم في جوهرها على تعلُّم توجيه نيّة المرء إلى مفاهيم لا تقوى العقولُ الفانية بطبعها على استيعابها. وأصعبُ ما في تعلُّم العمل السحريّ على الساحر أن يُفلح في إدخال ذلك المفهوم الأوّل، البسيط، المُستحيل قليلاً فحسب، إلى عقله، ليؤدّي أوّل عملٍ ممّا كانت ويكووكِت تسمّيه سِحراً حقيقيّاً. أمّا حِيَل الذاكرة من «كلماتٍ سحريّة» وإشاراتٍ مخصوصة ورموزٍ سحريّة وكتابة، فكلّها موجودةٌ لتُعين الساحر على استحضار عناصر تلك المفاهيم «المستحيلة» إلى ذهنه عند الحاجة.
ومع المِران يزداد عددُ هذه المفاهيم وتعقيدُها ممّا يستطيع الساحر أن يحفظه في ذهنه في الوقت الواحد، ويزداد كذلك مقدارُ النيّة التي يستطيع أن يضعها فيها قبل أن يجعل الإرهاقُ الذهنيُّ التركيزَ عليها أصعبَ ممّا يُحتمَل، غير أنّ ثمّة حدّاً في كلّ حال. وكان على آل أن يُقرّر أيّاً من ضروب السحر التي يُحسن عملها سيكون هو ما يستظهره ليتمكّن من استعماله.
نحن ذاهبون إلى قبر، فكّر آل، إذن علينا أن نحسب حساب المخاطر المُحيطة، كانهيار البِناء أو غَرَقه بالماء. والأرجح أنّنا سنودّ أن نكون مستعدّين للتعامل مع أيّ مخلوقات مستنقعٍ خطِرةٍ تكون قد سكنَتْه. أرجو ألّا يكون أحدٌ من الموتى قَلِقاً في داخله. قد يلزم الاستعداد لذلك أيضاً...
استقرّت تأمّلاته على التعويذتين كلتيهما اللتين علّمَتْه إيّاهما ميليسا، وعلى مجموعةٍ مختارةٍ من السحر الأنفع ممّا بدا أنّه سيُفيد في استكشاف قبرٍ قديم وفي الوقاية ممّا قد يكون بداخله. واستغرق إعدادُ الذهن وقتاً أقلّ ممّا استغرقه اختيارُ ما يستظهره، فكان آل جاهزاً للانطلاق في أقلّ من رُبع ساعة. فتحت الرفقةُ بابَ الحظيرة وخرجت، تشقّ طريقها عبر القرية نحو الشمس الطالعة. أمّا القرويّون الجالسون على كراسيَّ مُتهالكةٍ أمام أكواخهم فقد راقبوهم في معظمهم بريبةٍ وهم يمرّون، وإن لوّح لهم قليلٌ منهم تشجيعاً.
وكانوا يشعرون بلحظة خروجهم من حدود القرية. فقد تلاشى الانزعاجُ المُلِحّ في معظمه حين مرّوا بلافتة طريقٍ خشبيّةٍ خارج القرية مباشرةً. كانت عموداً بسيطاً مغروساً في الأرض، مسمّراً عليه ألواح. حمل أحدها كلمة بذرة اللفت مدهونةً بأحرفٍ سوداء غليظة، وأشار إلى حيث أتوا. وأشارت لافتاتٌ تحمل القبر ومِغطَس الجحيم والسور الجنوبي إلى ما هو أبعد على الطريق الموحل. وانحدر الطريقُ بهم وهم يمضون، إلى ضبابٍ كثيفٍ يلتصق بالأرض، تماماً حين وجدوا لافتةً أخرى تشير إلى القبر عن يمينهم مباشرةً، على درْبٍ شديد التشابُك بالنبات ما كانوا ليلحظوه لولا أنّ اللافتة دلّتهم عليه. وكان الدرْبُ يمضي إلى أرضٍ تزداد نَقْعاً، وازداد الضبابُ كثافةً أكثر. واشتدّت روائحُ الطين الراكد والنبات المُتعفِّن والكِبريت، وبدا الهواءُ أدفأ في البداية قبل أن تُعيده الرطوبةُ بارداً من جديد.
وبلغتهم أصواتٌ ضخّمها الضبابُ الكثيف، ومعها أثرٌ خفيفٌ من دخان الحطب. لم يفهم أحدٌ منهم ما تقوله تلك الأصوات، لكنّ اللغة بدت مألوفة. شخر فَخْذة في توتّرٍ وأبى أن يمضي أبعد من ذلك.
عبس آل حين شمّ غرَنتِل الهواءَ وأكّد ظنَّ آل بابتسامةٍ خبيثة.
«الغوبلن.»
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion