Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 51
توقّف آل ما إن سمع الأصوات، فتوقّف الآخرون خلفه. كان الضبابُ أكثفَ من أن يُرى منه مصدرُ تلك الأصوات، بل كان من الصعب حتى تقديرُ بُعدها، وضجيجُ نقيق الضفادع وأزيز الحشرات يُصعّب تمييزَ ما سواه. بدا ذلك الكلامُ الخافتُ الكريه صادراً عن أفرادٍ عدّة، ربّما يتنازعون فيما بينهم، غير أنّ عددهم لم يكن واضحاً. أشار آل إلى رفاقه أن يقتربوا، فانحنَوا مُتربّصين أمام العربة.
همس آل: «دورُنا نحن لنكمن لهم. كم عددُ المُختبئين منهم في الضباب؟»
همست ويكووكِت مُجيبةً: «لستُ متأكّدة، لكن بوسعنا أن نعرف! سأتسلّل أقربَ وألقي نظرة.»
«حسناً، لكن كوني حذرة. إن ساء شيءٌ ما، فعودي إلى هنا إن استطعتِ.»
رفعت ويكووكِت إبهامَها بحماسة، ومدّت يدها لتتأكّد أنّ سيفها الجديد في موضعٍ يسمح بسَلّه سريعاً. ثمّ انسلّت في هدوءٍ وذابت في الضباب صوب الأصوات. وبلا أن يُطلَب منه شيء، تبِعها غرَنتِل بعد أن تركها تسبقه مسافةً ما. تركه آل يذهب، فقد أثبت أنّه بارعٌ في التسلّل، وارتاح آل لوجود سَندٍ قريبٍ إن انكشف أمرُ ويكووكِت. فضلاً عن ذلك، فإنّ حماسَ غرَنتِل للقتال كفيلٌ بأن يُنذرهم فوراً وبصخبٍ إن ساءت الأمور. سحب آل صولجانه بحذرٍ وأصغى مُتوتِّراً. مرّت دقائق. ثمّ اخترق أصواتَ الغوبلن صريرٌ عالٍ ذكّر آل بالجرذان العملاقة التي رأوها في حِصن وولفكِن، فانقلبت نبرةُ الغوبلن على الفور حَذِرةً مُتيقّظة. تهيّأ آل على مضضٍ للاندفاع، لكنّ الأمر لم يتصاعد أكثر. وبعد حينٍ عادت الأصوات إلى نبرة حديثها السابقة.
خرجت ويكووكِت من الضباب في صمت، يتبعها غرَنتِل عن كثب.
همست ويكووكِت بصوتٍ خفيضٍ وهما يقتربان: «كان ذلك وشيكاً. يبدو أنّ لديهم جُرَذَين أليفَين، وأظنّ أنّ أحدهما شمّ رائحتنا أو سمعنا. هناك أربعةٌ أو خمسةٌ من الغوبلن يُخيّمون في الضباب هناك، أمام مبنًى حجريٍّ كبيرٍ عتيق، لكنّي لا أظنّهم أدركوا أنّنا كنّا نراقبهم.»
همس آل: «وماذا يفعلون؟»
«يبدو أنّ ثلاثةً منهم جالسون حول نار المُخيَّم لا غير. وقد نصبوا خِياماً أمام ما يشبه باباً كبيراً يفضي إلى المبنى، وواحدةٌ أو اثنتان منها يبدو أنّ فيها أحداً. وأحسبُ أنّ المبنى هو القبر الذي علينا الدخول إليه.»
تأمّل بوته بهدوءٍ وهو يترقّب ردّ فعل آل: «إذن، علينا أن ننتظر رحيلهم، أو نُقنعهم بالرحيل، أو نتخلّص منهم بغير ذلك.»
وجد آل نفسه مُتردِّداً. فاحتمالُ تفادي القتال لم يخطر له أصلاً. ولم يدرِ ما عساه يظنّ بحقيقة أنّه كان يكاد يتشوّق إلى التنكيل بأولئك الخُضر الصِّغار...
رمق بوته بنظرةٍ حائرة. وقال بصوتٍ خفيض: «من الطبيعيّ أن يرغب المرء في التخلّص منهم وحسب... أليس كذلك؟ لا أشعر أنّ بوسعنا الوثوق بأنّهم سيمضون في حال سبيلهم من تلقاء أنفسهم. في كلّ مرّةٍ التقينا فيها بالغوبلن هاجمونا.»
سأل بوته: «وكم مرّةً كان ذلك؟»
تفكّر آل: «...مرّتان؟ ليس بالكثير، أليس كذلك.» ثمّ أضاف: «ما زلتُ أشعر أنّهم يُبيّتون شرّاً.»
زمجر غرَنتِل مُوافِقاً: «عشيرةٌ عدوّة.»
أومأ بوته: «ليس لديّ ما يدعوني إلى الاعتقاد بأنّ رأيك خاطئ، وإن كنتُ أجد من المُثير للاهتمام مدى تشبُّث آل هذا به.»
فكّر آل لحظةً ثمّ قال: «حسناً. ربّما لا يتحتّم علينا أن نقفز رأساً إلى مهاجمتهم، ما لم تحاول هذه الجماعة مهاجمتنا هي الأخرى.»
زمجر غرَنتِل في هدوء.
حاول آل طمأنته: «إن كنتُ على حقّ فسننتهي إلى قتالهم على أيّة حال، لكنّ بوته مُحقّ، ولعلّ عليّ أن أفكّر في بدائلَ عن الاندفاع إليهم وحسب. لا أدري حقّاً لماذا أشعر هكذا تجاه الغوبلن. بوته، ذكّرني أن أطلب منك أن تُلقي نظرةً على روحي متى فرغنا من هذه المهمّة.»
طمأنه بوته: «سأتذكّر أن أُبلّغك هذه الرسالة الواردة منك.»
سألت ويكووكِت: «إذن، ما هي الخطّة؟» فتحلّقوا جميعاً يتشاورون. لم يستطع آل أن ينفض عنه افتراضَ وقوع القتال، لكنّهم استقرّوا على خطّةٍ تمنح الغوبلن فرصةً لإقناعهم بغير ذلك.
سحبت ويكووكِت سيفها الجديد برفقٍ من حاملته الخشبيّة البدائيّة على ظهرها، وتسلّلت في هدوءٍ على الطريق داخلَ الضباب الكثيف، عائدةً صوب مُخيَّم الغوبلن. وهيّأ غرَنتِل مِخبَطه وتُرسَه وتبِعها صامتاً، قريباً بما يكفي ليرى أين هي. وهيّأ بوته وآل سلاحَيهما وتبِعا بأقلّ ما استطاعا من ظهور، مُحاولَين أن يُبقيا في مَرمى البصر ذلك الشكلَ الداكن في الضباب، أي غرَنتِل.
ومن مكانٍ في الضباب أبعدَ ممّا يبلغه بصرُ آل، دوّى صوتُ ويكووكِت، ورأى آل شكلَ غرَنتِل الداكنَ الماثل ينخفض ليَجثِم لاصقاً بالأرض.
سأل صوتُ ويكووكِت: «مرحباً بكم! أتودّون أن نكون أصدقاء؟» فكان جوابُها ضجيجاً مُتنافراً من أصوات غوبلن هائجين، وفحيحِ الجرذان الغاضبة وقَرقرتها، وأصواتِ نِصالٍ تُسَلّ من أغمادها. ثمّ أقبل وَقعُ خُطى ويكووكِت السريعة راكضةً عائدةً وهي تصيح:
«لا أظنّهم يريدون أن نكون أصدقاء!»
تقدّم آل وبوته فيما ارتفع وَقعُ أقدامٍ راكضةٍ كثيرةٍ خلفها مباشرةً، وظهر شكلُ ويكووكِت الصغير وهي تنعطف مُحتميةً خلف غرَنتِل. ولمّا اقتربوا بما يكفي للرؤية بوضوح، برز ثلاثةٌ من الغوبلن يكشّرون بخُبث، يتوقّعون في غنومٍ وحيدةٍ ضحيّةً سهلة. فتبدّلت ملامحُهم حين انفكّت تلك الكُتلةُ الجاثمة عن غُنولٍ مُنقَضّ، انطلق مِخبَطه إلى الأمام فأطاح بأحدهم في الهواء مع طَقْطَقةٍ لحميّة. ونجا غوبلنٌ ثانٍ من فكَّي غرَنتِل المُطبِقَين بغَطسةٍ مذعورة، أمّا الثالث فوجد نفسه يرتطم بسِنِّ نصل ويكووكِت الموسوم بالعنكبوت، وقد سدّدته جيّداً وهي تنطلق من خلف غرَنتِل لتعترضه.
وفي الوقت نفسه، اقتربت خُطًى راكضةٌ أخرى من كلا الجانبين. ضرب آل الغوبلن الذي انبثق من الضباب في جهته، فلم يُفلح إلّا في إحداث ثَلمةٍ في حدّ النصل المُقوَّس الذي صدّ به الغوبلن صولجانَه. وسمع آل الوَقعةَ الثقيلة وسقوطَ جسدٍ حين أصابت مطرقةُ بوته الآخر. ثمّ جاء دورُ آل في الصدّ، إذ اندفع خصمُه الأخضر الشرس ليطعن، ثمّ وثب إلى الوراء وانطلق راكضاً حتى غاب في الضباب.
أمّا الغوبلن الذي أفلت من عضّة غرَنتِل فتدحرج ببراعةٍ واندفع إلى أعلى، فشقّ في وَرِك غرَنتِل جُرحاً نازفاً أسرعَ من أن يُتفادى. ثمّ ارتدّ هو الآخر إلى الضباب مثل صاحبه. وكان آل يسمع وَقعَ أقدامهما أمامهم؛ ولم يبدُ أنّهما ينسحبان بعيداً.
سمعت ويكووكِت ضحكَ غرَنتِل النابحَ المُتحمِّس يعلو، فانتظرت أن يتحرّك. ثمّ تبِعته حين اندفع في الضباب في إثر الغوبلن الذي أصابه. وفي الأمام، صاحت أصواتُ الغوبلن في عَجَلةٍ فوق صخب الجرذان العملاقة الهائجة. وخرج الغُنول والغنوم من الضباب عند نارِ مُخيَّم. كان هناك غوبلنان يتجادلان فيما يبدو، وهما يعملان بجهدٍ محمومٍ على قطع رِباط جُرَذَين عملاقَين. وانقطعت الحبال في اللحظة التي انقضّ فيها غرَنتِل، فهشّم أحد الغوبلن إلى الأرض بمِخبَطه، ثمّ غيّر اتّجاهه ليَعَضّ كتفَ الغوبلن الآخر. فتمزّق لحمٌ أخضرُ الجلد حين انتزع المُصابُ نفسه وفرّ. وطعنت ويكووكِت إلى الأمام حين تنحّى غرَنتِل، فنفذت في رأس أحد الجُرَذَين، وغاص النصلُ عميقاً في جُمجمته، فارتعش الجُرَذ وسقط ميتاً. وانطلق غرَنتِل في الضباب خلف الغوبلن الهارب، بينما داهمت الجُرَذَ العملاقَ الباقيَ نوبةٌ مُوفَّقةٌ من الغريزة، ففرّ بحكمةٍ في الاتّجاه المُعاكس فيما وصل آل وبوته للمساعدة.
قيّم آل وبوته وويكووكِت مُخيَّم الغوبلن، وأصغَوا إلى أصوات غرَنتِل وهو يطارد آخرَ الغوبلن هناك في الضباب. لم يبدُ أنّه بحاجةٍ إلى عون. كانت السَّكَنات تتخلّلها أصواتُ حركةٍ محمومة، وصوتُ غوبلنٍ يائسٍ يتوسّل، ووَقعُ أقدامٍ راكضة، كلّما عثر عليه غرَنتِل مرّةً بعد مرّةٍ ليُفلت منه من جديدٍ نازفاً عبر الضباب الكثيف.
بدا أنّ الغوبلن لم يمكثوا هناك طويلاً. فلم يكن في نار المُخيَّم رمادٌ كثير، وقدّر آل أنّها لم تشتعل أكثر من يومٍ واحد. ولم يكن حولها سوى عِظامٍ قليلةٍ مَنخورةٍ بالأسنان، ومن غير المُتصوَّر أن ينظّف الغوبلن مُخيَّمهم، فلو أنّهم مكثوا أطولَ لكان المكان أشدّ قذارةً بكثير، على ما افترض. وكانت هناك خيمتان مصنوعتان من جلود بقرٍ خِيطت معاً خِياطةً فَجّة، ومنصوبتان على أغصان شجرٍ مكسورة.
ومن مكانٍ في الضباب جاء صوتُ شَمٍّ، ثمّ بعد لحظاتٍ صرخةٌ وزمجرةٌ وخَبْطةٌ رطبةٌ أنهت الصرخة. وسرعان ما عاد غرَنتِل إلى مَرمى البصر يجرّ جُثّة الغوبلن التي أساء إليها إساءةً بالغة، فألقاها قرب نار المُخيَّم فيما تحرّك بوته ليُلقي نظرةً على إصابة غرَنتِل.
نصح بوته: «لا تبدو خطيرةً كثيراً، لكن لعلّ علينا أن نأخذ بعض الوقت لمعالجتها كما ينبغي. فهذا المكان ليس نظيفاً البتّة، وأشكّ في أنّ الغُنول أنفسهم بمَنجاةٍ من عدوى الجراح.» فأطلق غرَنتِل هَمهمةَ موافقةٍ وجثم ليدع بوته ينظّف الشَّقّ ويضمّده.
لم تكن عدوى الجراح سبباً نادراً للموت في ما يذكره غرَنتِل من عشيرته الأصليّة. أمّا في عشيرته الجديدة، التي كانت طقوسُ الطبابة فيها قويّةً ناجعة، فلم يرَ حالةَ موتٍ واحدةً من ذلك السبب. وقد استغرق غرَنتِل حيناً بعد ضمّه إلى هذه العشيرة الجديدة حتى استساغ فكرة بذل الجهد والوقت والموارد الثمينة في نجدة شخصٍ آخر أوقع نفسه في الأذى، لكنّه بعد توجيهٍ طويلٍ من رفقته بالتبنّي صار يعُدّ سائرَ أفراد العشيرة كنزاً مملوكاً للعشيرة نفسها. فقد جرت العادة أن يكون على كلّ غُنولٍ بمفرده أن يحمي غنائمه الشخصيّة من أن ينتزعها منه أفرادٌ أقوى في العشيرة، أمّا أن يسرق دخيلٌ من العشيرة أو يبتزّها فذلك ما يوحّد العشيرة كلّها ضدّه. وكان التفكير في مُجرَّداتٍ كالمرض والموت بوصفها شيئاً يسرق أفراد العشيرة من العشيرة يُجهِد حدودَ خيال غرَنتِل، غير أنّه أوصل المعنى بما يكفي، وأدرك أنّه يمنح عشيرته الجديدة أفضليّةً على الطريقة التي كانت تعمل بها عشيرته الأصليّة.
وبينما كان غرَنتِل يُعالَج، خرجت ويكووكِت من إحدى خِيام الغوبلن الفَجّة وعلى وجهها اشمئزاز. وقالت وهي تجرّ خارجَ الخيمة جِلدَ بقرةٍ آخرَ رديءَ الدباغة: «لو كان لمُستنقَعٍ راكدٍ قَدَمان لكانت رائحتُهما هكذا.» كان الجلد مطويّاً وفَروُ البقرة إلى الداخل، ومَخيطاً من أسفلَ ليصير ضرباً خشناً من لفافة الفِراش. «في كلّ خيمةٍ اثنتان من هذه. لعلّ واحداً منهم كان يبقى مُستيقظاً دائماً للحراسة؟ ووجدتُ أيضاً كيس الفُطر المُجفَّف هذا.» ومدّت كيساً جلديّاً بحجم رأس آل.
قال آل مُقترِحاً: «لم يكونوا هنا لجمع الفُطر وحسب، أليس كذلك؟ لا بدّ أنّهم جاؤوا لشيءٍ آخر.» ونظر إلى القتلى. كانوا يرتدون ذلك النوع من الثياب الواقية من الجلد والإهاب، مُركَّبةً على غير إتقانٍ كما يتوقّع من الغوبلن، ويحملون نِصالاً قصيرةً غيرَ مُتجانِسة. وفيما عدا ذلك كانوا حُفاةً لا يحملون أشياءَ نافعةً أخرى بقدر ما استطاع آل أن يتبيّن. وكانت ويكووكِت قد فتّشتهم بحثاً عن نقودٍ مخبوءةٍ أو نفائسَ أخرى فلم تجد شيئاً.
خمّنت ويكووكِت: «هناك مبنًى حجريٌّ كبيرٌ مُتداعٍ على مقربةٍ إلى الأمام. رأيتُ آثارَ أقدام غوبلن ذاهبةً وآيبةً من زوج أبوابٍ حجريّةٍ كبيرةٍ في واجهته. لعلّهم كانوا ينوون سَلْبَ المكان، وأحسبُ أنّه القبر الذي نبحث عنه.»
اقترح آل: «لنرَ إن كان بوسعنا الدخول، فقد يكون هناك مزيدٌ من الغوبلن يجولون هنا، وأُوثِر أن نفرغ قبل أن يعلموا بوجودنا.» وافق الآخرون، وشقّوا طريقهم عبر الضباب إلى البناء الذي ذكرته ويكووكِت.
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion