Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 52
لم يكن في الوسع أن يُرى المبنى كلّه في الضباب، غير أنّه بدا مبنيّاً من غرانيتٍ منحوت، أنهكته العوامل على مرّ الزمن. وكان زوجٌ من الأبواب الحجريّة يحمل علاماتٍ توحي بالخطوط المستقيمة والزوايا الحادّة التي صار آل يربطها بالكتابة الإلفيّة، إلّا أنّها انمحت أكثر ممّا يُقرأ معه شيء، حتى لو كان آل يفهم اللغة الإلفيّة أصلاً. وإذ راح يتساءل لماذا عجز الغوبلن عن الدخول، دفع أحد البابين فدُهش إذ أحسّه يتزحزح قليلاً إلى الداخل مع قرمشةٍ خفيفةٍ من التراب تحت بَكَراتٍ عتيقة.
«أتحبّين أن تفحصي هذا الباب بحثاً عن أيّ خطر، بينما أنظر أنا إن كانت عليه تأثيراتٌ سحريّة؟» سأل آل ويكووكِت. رفعت بصرها عن سيفها الجديد الذي كانت تتأمّله معجَبة، وعلى وجهها ابتسامةٌ عريضة. «تبدو فكرةً جيّدة،» وافقت، ثمّ عادت بنظرها إلى النصل. «ألا توافقين، عَضّاضة سو؟»
«عَضّاضة سو؟» سأل آل غير مصدِّق، «أأنتِ جادّة؟»
«مهلاً، دَعني أستمتع قليلاً. عَضّاضة سو اسمٌ رائع لها!»
«نعم، عَضّاضة سو اسمٌ مثاليّ، لا تسخر منّي وإلّا عَضَضتُك أنت أيضاً!» نطقت ويكووكِت بصوتٍ أرفع نيابةً عن النصل، تهزّ طرفه صعوداً وهبوطاً مع كلّ مقطع. ثمّ أدارته خلف ظهرها، وبعد محاولتين لا أكثر أنزلت طرفه بين لوحَي غِمده الخشبيّ وأدارته عائداً إلى مستقرّه.
أمعنت ويكووكِت النظر في البابين الحجريّين، بينما أخرج آل دفتر ملاحظاته السحريّة ومضى في التأمّل بعناية ليُعدِّل حواسّه فيُدرك النشاط السحريّ. لم تكن ثمّة آليّةٌ ظاهرةٌ لإقفال البابين أو فتحهما، ولم يكشف تفحّصُ ويكووكِت للفُرَج بينهما وتحتهما عن أيّ مِزلاجٍ موضوع. وكان في أسفل البابين ما يشبه آليّةَ دحرجةٍ مركّبة، لكن بدا أنّها ليست هناك إلّا لتحملهما وتُتيح دفعهما ليُفتحا، أو ربّما جذبهما ليُغلقا لو استطاع المرء أن يمسك بما بقي من المقابض الغائرة المنحوتة في البابين البالِيَين.
«أُرجّح أنّ الحجر قُطِع من مَقلعٍ على مسافةٍ بعيدةٍ من هنا،» أضاف بوته إلى الملاحظات، «هذا غرانيت، ولا تبدو هذه الأرض ممّا يُقطَع فيه مثلُه. وإذا حكمتُ بأثر العوامل، قدّرتُ أنّ البابين نُصِبا في موضعهما قبل سبعة قرونٍ أو ثمانية. والبناء بغير مِلاط، ويبدو أنّه على الطريقة الإلفيّة البطيئة المُسرِفة، حيث تُوصَل الحجارة بعضُها ببعضٍ باختيارٍ دقيقٍ للأشكال، ثمّ تُصقَل حتى تتلاصق تلاصقاً مُحكَماً. ولعلّ سطح الحجارة عن يمين الباب أشدّ بِلىً قليلاً من الحجارة عن يساره، فربّما بُني الجانب الأيمن من هذا البناء أوّلاً ثمّ أُضيف إليه سائرُه. وثمّة أثرُ انفصالٍ وتشقّقٍ يوحي بأنّ الأساس غير مستوٍ، أو لعلّ هذه البقعة كانت خارج المستنقعات يوم بُنيت، فأتاح زحفُ الماء شيئاً من هبوط التربة تحتها أو إزاحتها. ولستُ أقرأ الإلفيّة، غير أنّ ما بقي من النقوش على الباب كان بغير شكٍّ كتابةً على الطريقة الإلفيّة. على أنّ هذا كلّه حَدْسٌ لا يقوم إلّا على ما ينبغي لأيّ ابن ثقافةٍ قزميّةٍ أن يعرفه بنظرةٍ واحدة. ولو أردتم تحليلاً مُفصَّلاً لوجب أن تسألوا بنّاءً حجّاراً مُحترفاً.»
رمش آل وهو يُنهي تأمّلاته. «أجل، من المؤسف أن لا يعرف أحدٌ هنا شيئاً عن أعمال الحجر،» قال، وإن لم يكن واثقاً من أنّ سُخريته ستصل. ثمّ اقترب من البابين الحجريّين وأجال بصره بعناية فيما ظهر منهما في الضباب.
«لا أرى أيّ سحرٍ نشِطٍ هنا في الخارج. ثمّة إشعاعٌ خافتٌ أظنّه قد يكون إلهيّاً، وهذا معقولٌ إن كان هذا مَدفناً مُكرَّساً. أليس كذلك؟»
«يبدو هذا مُرجَّحاً،» وافق بوته.
«وأنا لا أجد أيّ فِخاخ، ولا حتى قُفلاً. فلعلّنا ندخل وحسب؟» اقترحت ويكووكِت.
«الأرجح أنّ علينا...،» بدأ آل، لكنّ غرَنتِل قاطعه إذ اندفع بجسده في الباب الأيمن ودفعه إلى الأمام. انفتح الباب ببطءٍ إلى الداخل مع صوت احتكاك البَكَرات أسفله بالأرض الحجريّة. ارتدّ آل مُجفِلاً، لكن لم يتكشّف أيّ خطرٍ ظاهر. ودخل غرَنتِل ما إن اتّسع الباب بما يكفي.
كانت القاعة في الداخل تتّسع لبيتٍ صغير لولا الأنقاض التي تعترض المكان. كانت مربّعة، وقدّر آل أضلاعها بأكثر من عشر خُطوات. وعلى الجدران آثارُ صِبغٍ هنا وهناك، ممّا يوحي بأنّه كان عليها في زمنٍ ما ضربٌ من الزخارف، غير أنّ الزمن أتلف ما كان. وكانت أروقةٌ من السَّعة بحيث يسير فيها رَتْلان من قومٍ في حجم البشر جنباً إلى جنبٍ في يُسر، تمتدّ بعيداً من وسط الجدارين على كلا الجانبين ومن الجدار المقابل للباب الذي فتحوه للتوّ. أمّا الرِّواق الأيمن فكانت تسدّه شبكةٌ فولاذيّة، وفي بصر آل المُرهَف سحريّاً في تلك اللحظة، كان يرى قوّةً مُتلألئةً مُتشبِّثةً بالقُضبان، غايتُها بيّنةٌ في منع فتح الحاجز أو الإضرار به. ورفع آل بصره فرأى أنّه كان ثمّة سقفٌ حجريٌّ ذات يوم، لكنّ كثيراً منه تكسّر بمرور الزمن وسقط في الغرفة التي كانوا ينظرون إليها. ومن الثُّقوب في ذلك النَّزْر الباقي من السقف، تسلّل ضوء النهار نازلاً عبر بضعة شقوقٍ وثقوبٍ ظهرت في القُبّة الحجريّة فوقه. وكانت الأرض والجدران كلّها نديّةً في الهواء الرطب، وكان المكان يفوح منه المُستنقَع، على نحوٍ ما، أكثر ممّا يفوح من الخارج.
تشاور آل مع رِفاقه. «ذلك الرِّواق مسدودٌ بالسحر فضلاً عن المعدن الذي هناك، فإن انتهى بنا الأمر إلى الحاجة للمرور منه، لزِمنا أن نجد سبيلاً إلى فتحه. وما عدا ذلك، لا أرى شيئاً مميّزاً في هذه القاعة.» وصمت لحظةً يفكّر. «أتدرون، إن كان ثمّة غوبلنٌ في الخارج يريدون الدخول إلى هنا، فقد يكون غيرُهم يجولون هناك. ويبدو أنّ في هذه القاعة متّسعاً وفيراً لو أزحنا بعض هذه الأنقاض، فلعلّنا نجرّ كلّ شيءٍ إلى الداخل ريثما نستكشف، حتى إذا ظهر مزيدٌ منهم لا يرَون القَتلى، ولا يحاولون سرقة... أغراضنا!»
صاح آل بآخر ذلك، وقد أخجله أنّه نسي الأمر. وانطلق راكضاً من الباب عائداً عبر مُخيَّم الغوبلن، يتبعه غرَنتِل لصيقاً، وهو لا يدري ما الذي يجري، لكنّه لا يريد أن يفوته عُنفٌ وشيك. تبادلت ويكووكِت وبوته النظر، ثمّ هزّت ويكووكِت كتفيها وتبِعاه على مَهَلٍ أكبر.
سُرّ آل وفاجأه بعض الشيء أن يرى فَخْذة باقياً في الموضع نفسه الذي تركوه فيه. نهق الحمار مذعوراً وتراجع حين اندفع آل خارجاً من الضباب وغرَنتِل خلفه مباشرة. ألقى آل نظرةً سريعةً على العربة، فلم يبدُ شيءٌ ناقصاً ولا مُتلَفاً.
«ما كان كلّ ذلك؟» سألت ويكووكِت حين لحِقت به هي وبوته.
«أدركتُ للتوّ أنّي تركتُ نفسي تنشغل فنسيتُ كلّ ما هنا، فخشيتُ أن يكون فَخْذة قد شرد، أو أن يسرق غوبلنٌ آخرون أغراضنا،» أجاب آل مُتنهّداً براحة. «على أيّ حال، كما كنتُ أقول، لعلّنا ندخل كلّ شيءٍ إلى القبر قبل أن نمضي في الاستكشاف. نستطيع أن ندفع البابين ليُغلقا من جديد، ولعلّه إن كان في الخارج مزيدٌ من الغوبلن لا ينتبهون أصلاً إلى أنّنا في الداخل.»
«فكرةٌ سديدة! لكن، لستُ مُضطرّةً إلى لمس الغوبلن، أليس كذلك؟ إنّهم مُقزِّزون بعض الشيء،» تذمّرت ويكووكِت.
اقتادوا فَخْذة عائدين إلى موضع مُخيَّم الغوبلن، وآثر آل أن يستعمل حيلةً سحريّةً لإطفاء نار المُخيَّم بدل أن يُنفق الوقت في إخمادها بيده؛ فمن يدري متى يأتي غوبلنٌ آخرون ليتفقّدوا الأمر؟ وجرّ غرَنتِل جثث الغوبلن والجُرَذ العملاق إلى القبر فوق جلود البقر التي كان الغوبلن يتّخذونها خِياماً، ودفعها كلّها إلى ركنٍ قصيٍّ من القاعة الأولى. ثمّ فكّكوا جميعاً موقد النار وبعثروا ما بقي منه هنا وهناك، على أملِ ألّا يلحظه أحدٌ في الضباب.
وأخيراً، أدخلوا فَخْذة إلى القبر بالعربة، ودفعوا البابين حتى انغلقا من جديد. وأزاحوا ما استطاعوا من الأنقاض إلى البابين كي لا يسهُل دفعهما وفتحهما.
«المشكلة الوحيدة في هذا أنّنا سنضطرّ إلى إزاحة ذلك كلّه ثانيةً إن احتجنا إلى الخروج،» قال آل، «فلنحرص كلّ الحرص على ألّا نوقظ شيئاً سيلزمنا الفرار منه. غرَنتِل، أترى أو تسمع شيئاً يتحرّك هنا في الداخل سوانا؟»
دارت أذنا غرَنتِل وهو يُجيل بصره في المكان ويشمّ الهواء. ثمّ هرول لينظر في كلّ رِواقٍ على حِدة.
«لا شيء،» أبلغ غرَنتِل أخيراً. «رائحةُ مُستنقَعٍ من هناك،» قال مُشيراً إلى الرِّواق الأيسر. ثمّ أشار إلى اليمين، خلف الشبكة. «رائحةٌ حامضةٌ من هناك. لا أسمع شيئاً. لا أرى شيئاً يتحرّك.»
«حامضة؟»
هَمهم غرَنتِل.
«وماذا عن ذلك الرِّواق الذي أمامنا؟»
«أبوابٌ مُغلَقةٌ من هناك.»
«ما رأيك يا بوته؟ أتُراهم يُوارون البطل في الغرفة الظاهرة التي أمامنا مباشرة؟»
تفكّر بوته. «لا أستطيع الجزم. ولستُ على معرفةٍ كبيرةٍ بطقوس الدفن الإلفيّة. لكنّي أُرجّح أنّه، إذ كان بطلاً، فإمّا أن يكون رُفاتُه معروضاً في موضعٍ مركزيّ، وإمّا أن يكون مُستقرّاً في أشدّ المواضع حمايةً، ولعلّه خلف الحاجز الفولاذيّ.»
«حسناً، ما دمتُ لا أستطيع أن أعرف على وجه الدقّة ما الذي سيحدث لو حاولنا إزاحة الحاجز بالقوّة على نحوٍ ما، فالأرجح أنّ ما أمامنا مباشرةً خيرُ موضعٍ نبدأ منه. دعوني آخذ مشعلاً، فلا سبيل إلى معرفة كم يشتدّ الظلام كلّما توغّلنا.»
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion