Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 53
مضى آل إلى العربة وفتح حقيبته ليُخرج مشعلاً، بينما تبعه بوته وحمل حقيبته هو الآخر على ظهره.
«قد يكون الأمر خطيراً في الداخل. لا تُمانع أن نتركك هنا، أليس كذلك؟» سأل آل الحمار. وإن كانت النظرةُ الفارغة التي تلقّاها جواباً تعني شيئاً على الإطلاق، فقد كانت على الأرجح: إنّك تُخاطب حماراً، ما خطبك؟
«صحيح،» أجاب آل عن السؤال المُتخيَّل، وبعد أن اطمأنّ على باقة الزهور التي كُلِّفوا بإيصالها، قرّر أن يأخذ حقيبته كاملةً هو الآخر. وحين ألقى الحقيبة على كتفه، أمر المشعل أن يشتعل بشيءٍ من السحر. ولم يُنجز الضوءُ الإضافيّ كثيراً في الحال، عدا أنّه أبرز الأنقاض المُبعثَرة على الأرض والمُكوَّمة على الباب. ثمّ خطر له في آخر لحظةٍ أن يُحضر قَصعةً من المُؤَن التي على العربة، فصبّ فيها شيئاً من الحَبّ الذي جلبوه عَلَفاً للحمار، وتركها على الأرض أمام فَخْذة.
«حسناً، هل معنا كلّ ما نحتاج إليه؟» سأل آل رفاقه.
«أتدري، هذا المكان رَطبٌ ومبنيٌّ من الحجر، وأراهن أنّ في وسعك أن تقذف النار بأمانٍ هنا،» اقترحت ويكووكِت. تردّد آل، لكنّه اضطُرّ إلى الإقرار بأنّ ذلك قد يكون مفيداً. فأخذ نُشّابة القوس الباقية وقد رُبطت إليها أَمبولةُ زيت مُفرَط الفلوجستون، ودسّها في حِزامه. أومأت ويكووكِت موافقةً، ثمّ رفعت النصلَ الموسوم بالعنكبوت... عَضّاضة سو... من مُستقرّه، وتقدّمت بحذرٍ إلى الرِّواق.
«الجميع يعلم أنّ القبور القديمة مملوءةٌ بالفِخاخ الماكرة وبالموتى الحاقدين الذين يسيرون على أقدامهم. ينبغي أن نحذر،» حذّرت ويكووكِت، وهي ترقب الجدران والأرض والسقف وتزحف مُتقدِّمةً بحذر. وكانت تنخس كلّ حجرٍ أملسَ في الأرض قبل أن تطأه. «لو وطئنا الحجر الخطأ، فقد تُطلق آليّةٌ خفيّةٌ علينا رِماحاً مسمومة، أو تستدعي أشباحاً غاضبة، أو تُسقط السقف على رؤوسنا! يا آل، اقترب بذلك المشعل حتى أرى على نحوٍ أفضل!»
«ولماذا يصنعون فَخّاً يُخرّب سقفهم في أوّل مرّةٍ يُطلقه فيها أحد؟ سيضطرّون إلى إعادة بنائه في كلّ مرّة، أليس كذلك؟» تساءل آل، غير أنّه التفت إلى الأنقاض في القاعة الأولى، وتساءل في نفسه.
وكان في الرِّواق الذي يتقدّمون فيه ببطءٍ آثارُ صِبغٍ هنا وهناك على امتداد الجدران. وكلّما توغّلوا بدا أنّ المزيد منه سليم، وبدأت القِطَعُ القليلة الباقية توحي بجِداريّةٍ تُصوِّر موكباً أو زَفّة، من الإلف على الأرجح، بدليل شكل الآذان في شظايا الرؤوس التي ما زالت تُميَّز في بقايا العمل الفنّيّ. وبعد خُطُواتٍ قليلة، كشف ضوءُ المشعل عن بابَين حجريَّين أصغر يسدّان الرِّواق. وعليهما هما أيضاً شظايا من جِداريّة، توحي بأنّ على كلّ بابٍ صورةً مرسومةً لشخصٍ من الإلف. وكما هي الحال في سائرها، كان معظمها مفقوداً، غير أنّ اليد الممدودة في الشخصيّة اليُمنى نحو منتصف البابَين، وما بقي من وضعيّة الشخصيّة الأخرى ممّا يوحي بأنّها رُسمت في إشارةٍ مماثلة، بدا كأنّه يدعو الناظر إلى فتح البابَين والدخول.
«آه، هَا!» اتّهمت ويكووكِت بابتسامةٍ عريضة. «لا شكّ أنّ هذا فَخٌّ بارع! آه، تفضّلوا بالدخول رأساً وأيقظوا تنّين المُستنقَع الشبحيّ في الداخل ليلتهم أرواحكم ويلعن أحذيتكم! هذا ما يقولانه. حسناً، لن نقع في الفَخّ!»
وقد خاب أملُها خيبةً شديدةً حين لم تُسفر دقائقُ من الفحص المُتأنّي عن أيّ خطرٍ ظاهر.
«حسناً، أيّاً كانت الحيلة الماكرة، فهي وراء الباب نفسه، لذا على أحدهم أن يدفع البابَين ويرى ما يحدث،» قالت، ثمّ قفزت جانباً حين دفعهما غرَنتِل نافدَ الصبر. وانفتحا بيُسرٍ أكبر ممّا انفتح به البابان الأماميّان الأكبران. وكان وراءهما مزيدٌ من الرِّواق، وبقايا جِداريّة الموكب تمضي قُدُماً على امتداد الجدران. وفي الأمام بدت علاماتُ انفتاح الرِّواق على قاعةٍ أخرى، وانحدر عمودٌ من ضوءٍ خافتٍ مائلاً من الأعلى ليكشف عن مزيدٍ من الأنقاض على الأرض هناك. تقدّمت ويكووكِت ببطءٍ متجاوزةً غرَنتِل، وما تزال ترقب الأرض والجدران بارتياب، ويتزايد ضيقُها لأنّ لا كارثةَ خفيّةً يُعثر عليها.
وكانت القاعة التي وجدوا أنفسهم فيها مُبعثَرةً هي الأخرى بأنقاض الحجر، وبدا أنّ رُقعةً غير منتظمةٍ من السقف قد سقطت. وكان شَقٌّ في السطح الحجريّ فوق ما بقي من القاعة التي تعلوهم يسمح لعمودٍ من ضوء النهار بالنفاذ إلى الداخل. وفي وسط القاعة بئرٌ حجريّةٌ مُستديرة، لا يرتفع جدارُها فوق مستوى الأرض إلّا بضعة أقدام. ولم تكن ثَمّة آليّةٌ لإنزال دلوٍ أو رفعه، ولا دلوٌ أصلاً في واقع الأمر. وكانت درجاتٌ حجريّةٌ تصعد على امتداد الجدارَين الأيمن والأيسر، مُرتفعةً نحو فتحاتٍ فيما بقي من السقف وإلى ما تبقّى من القاعة العُليا. وبدا أنّ الدَّرَج كان يلتفّ فيما مضى التفافاً كاملاً ليُشكِّل قوساً فوق بابٍ آخر في الطرف المقابل من القاعة، غير أنّ ذلك الجزء انهار مع السقف. أمّا الجِداريّة المُتآكلة على البابَين فبدت هي نفسها التي على البابَين اللذَين عبروهما لتوّهم، على قدر ما استطاعوا أن يتبيّنوا من الأجزاء الباقية.
وكان في الغرفة كلّها نَتَنٌ فظيعٌ من هواءٍ عَفِنٍ مُستنقعيٍّ تشوبه النَّشادر. تسلّل غرَنتِل إلى حافّة البئر ومال فوقها يشتمّ. وإذ أثاره الفضولُ ليعرف ما الذي يشمّه، انضمّ إليه آل عند حافّة البئر. مال ونظر إلى الأسفل. لم يكن الماء إلّا على نحو عشرين قدماً تحته. وبدت جوانبُ البئر وقد تكاثف عليها شيءٌ أسودُ مُتكتِّلٌ عُضويّ. ولم يُتَح له أن ينظر طويلاً لأنّه شمّ الهواء عندئذٍ. فترنّح إلى الوراء نادماً في الحال على ما فعل؛ إذ لم يكن ذلك النَّتَنُ شبيهاً بشيءٍ صادفه من قبل، وإن ذكّره بمَجارٍ راكدة. وبعينَين تدمعان وهو يجاهد ألّا يتقيّأ، تساءل كيف يُطيق غرَنتِل ذلك، لا سيّما أنّ آل صار يعلم الآن أنّ حاسّة شمّ غرَنتِل أحدُّ من حاسّة البشر.
«الرائحة كريهة،» أعلن غرَنتِل، وصوتُه يتردّد في البئر. وظلّ مع ذلك مُطأطئاً رأسه ينظر في البئر، وخُيِّل إلى آل أنّه سمع شيئاً في داخلها يتحرّك مُتخبِّطاً. فاقترب بحذرٍ من جديد، وأخذ نفَساً عميقاً قبل أن يميل ويُدلّي مشعله إلى الأسفل في البئر. عكست عيونٌ خرزيّةٌ لا تُحصى ضوءَ المشعل من كتلة الخفافيش التي تُغطّي جوانب البئر من نحو خمسة أقدامٍ تحت الحافّة ونزولاً حتى الماء تقريباً. ورفرفت قِلّةٌ من تلك المخلوقات الصغيرة في توتّرٍ من تلك الحركة.
«إن أحدثنا ضجيجاً كثيراً، فالأرجح أنّنا سنُزعجها،» قال آل، مُتراجعاً عن البئر ليلتقط أنفاسه. وإذ فهم غرَنتِل ذلك اقتراحاً، مال أكثر إلى داخل البئر وأطلق نداءً طويلاً عالياً مُجلجِلاً تردّد صداه نازلاً في البئر ثمّ عائداً إلى القاعة. ثمّ تراجع واضعاً يديه على أذنيه، ينبح ضاحكاً، بينما خرجت من البئر سحابةٌ صارخةٌ من الخفافيش الهائجة في إعصارٍ دوّارٍ من الأجنحة المُرفرِفة. وانسحب آل وبوته إلى الرِّواق هرباً من تلك العاصفة الجِلديّة، وجثمت ويكووكِت ضاحكةً تُغطّي رأسها. أمّا غرَنتِل فتركها تحوم حوله وهي تفرّ، ثمّ اندفع ليقضم خُفّاشاً مرّ قريباً أكثر ممّا ينبغي. وانتشرت سحابةُ الخفافيش، فاختفى معظمها صاعداً عبر الثُّقب في السقف، واستقرّ القليل منها عالياً على الجدران قرب زوايا القاعة. وخفَت الضوءُ حين شقّ بعضُ تلك المخلوقات طريقه إلى الشَّقّ في السطح وفرّ من البناء كلّه. ومضغ غرَنتِل وابتلع في رضاً وقد هدأت الجَلَبة. وعاد آل يخطو مُتردِّداً إلى القاعة حين صفا الهواء من الخفافيش.
وقفت ويكووكِت من جديد ونظرت إلى خُفّاشٍ استقرّ مُضطرباً في زاويةٍ قريبةٍ من السقف. «إنّها ظريفةٌ بعض الشيء، كأنّها فئران التنّين الصغيرة!»
«نعم، حسناً، كنتُ على وشك أن أقترح ألّا نُزعجها،» تذمّر آل.
«كان عليك أن تقول ذلك إذن!» قهقهت ويكووكِت.
فرك آل جبهته. «نعم، بالطبع. اسمعي، لا أريد أن نندفع في هذا المكان اندفاعاً أهوجَ ولا شيءَ من هذا القبيل، لكنّي لا أظنّ أنّ علينا أن نتلكّأ مُثيرين المتاعب أيضاً. فهل ندفع البابَين ونرى إن كان البطل الميّت الذي نبحث عنه في الداخل؟»
تتبّعت عينا ويكووكِت الدرجاتِ المُهترِئةَ صعوداً إلى السقف المكسور. «وما الذي في الأعلى؟»
«تفضّلي وألقي نظرة، لكن كوني حذرة،» قال لها آل. ابتسمت ابتسامةً عريضةً وتسلّلت في صمتٍ صاعدةً الدرجات اليُمنى. وتبعها غرَنتِل. وحين أطلّت ويكووكِت برأسها فوق السقف، تجمّدت. «آه، هَا!» صرخت ظافرةً وانحدرت راجعةً مُتعثِّرةً بجانب غرَنتِل الحائر، فمدّ هو رأسه إلى الأعلى ليحاول رؤية ما لاحظته. التقطت ويكووكِت بضع قِطَعٍ صغيرةٍ من أنقاض الحجر عن الأرض وبدأت تصعد الدرجات من جديد.
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion