Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 54
«يبدو صندوقاً خشبيّاً نخره العفن في الزاوية، لكن ما الذي يجعله قابعاً هناك هكذا؟ من الواضح أنّه...» قالت وهي تنقل عَضّاضة سو إلى يدها اليسرى وترفع قطعةً من الأنقاض بيمينها. «...مُحاكٍ!» أعلنت، ثمّ قذفت شظيّة الحجر عبر فجوة السقف المُنهار نحو شيءٍ في الطرف الذي يوازي موقف آل من الحُجرة العُليا. ارتطمت بشيءٍ ما فأحدثت دَوِيّاً مكتوماً، وانطلقت من فوق رفرفةٌ مُهتاجة. وتدحرجت نفثةٌ من غبارٍ شاحبٍ مُخضرٍّ خارجةً من ثقب السقف المقابل للموضع الذي وقفت فيه ويكووكِت على الدرَج.
«...أو ربّما لا، ابتعدوا عن هناك، إلى هنا، بسرعة!» صاحت ويكووكِت، ولم تُكلّف نفسها العودة نزولاً على الدَّرَجات، بل قفزت إلى الأرض مباشرةً. وفعل غرَنتِل مثلها، مُقتفياً أثرها. أمّا آل وبوته فقرّرا أن يأخذا بنصيحتها وأن يعرفا ما الأمر في ما بعد. وكانت ويكووكِت تجهد سلفاً في دفع بابَي الحُجرة التالية ليُفتحا، بينما كان الاثنان يتفاديان الأنقاض عبر الغرفة. وكان غرَنتِل قد أعانها على فتحهما وخطت هي إلى الحُجرة التالية قبل أن يصلا.
«حسناً، إذن كان مجرّد صندوقٍ خشبيٍّ نخره العفن. أظنّ أنّ الصندوق كلّه كان مصنوعاً من العفن، فقد انهار بأسره سحابةً من الأبواغ حين ضربتُه بالحجر. لا أدري أخطِرٌ هو أم لا، لكنّي أشكّ في أن يكون تنفُّسُ شيءٍ منه طيّباً،» شرحت ويكووكِت. التفت آل إلى الوراء فرأى سحابةً خفيفةً من الغبار تتهادى هابطةً من ثقب السقف. وخرج خُفّاشٌ يرفرف رفرفةً مضطربةً من الحُجرة العُليا، يُكابد ليبقى محلّقاً، حتى ارتمى أخيراً على الأرض يتشنّج. وبعد لحظاتٍ قليلة، توقّف التشنُّج.
«قطعاً ليس تنفُّسه بطيّب، لا،» وافقها آل وهو يعبر البابَين لينضمّ إلى ويكووكِت وغرَنتِل ويترك خلفه سحابة الخطر الفُطريّ وهي تستقرّ، وبوته يتبعه مسرعاً. «آمُل أن ترسب تلك المادّة من الهواء، فالأرجح أنّنا سنضطرّ إلى العودة من هذا الطريق لاحقاً،» قال آل قلِقاً، يراقب سحابة الأبواغ وهي تهبط مستقرّة.
كانت الأرض خلف الباب مساحةً حجريّةً مستويةً تبلغ نحو عشر خطواتٍ في عشر، تُشكّل بداية وادٍ اصطناعيٍّ عمقُه عشرُ أقدامٍ يمتدّ في وسط ما كان بجلاءٍ حُجرةً أكبر منها بكثيرٍ فوقهم. وخلف موقفهم، كانت الأرض تمضي صاعدةً في مُنحدَرٍ حجريٍّ يقطع معظم عرض الحُجرة حتى يبلغ مستوى أرض الحُجرة العُليا. وانتصبت ظهورُ أربعة تماثيل حجريّةٍ هائلةٍ على جانبَي الوادي، اثنان على كلّ جانب، مُولّيةً وجوهها عن المُنحدَر. وكانت المنطقة العُليا، لدهشة آل، مضاءةً إضاءةً وافيةً بما بدا أنّه نيرانٌ كبيرةٌ مُتراقصةٌ في مكانٍ ما وراء التماثيل. وفي نهاية المُنحدَر قام مذبحٌ حجريٌّ كبير، عليه خطٌّ إلفيٌّ محفوظٌ حفظاً تامّاً على طول حافّته العُليا، ونقوشٌ تُصوّر أزواجاً من أشخاصٍ يُفترض أنّهم من الإلف على جانبَي شخصٍ أصغر مُستلقٍ في الوسط. وكانت حالُه تناقض كلّ ما رأوه حتى تلك اللحظة تناقضاً لافتاً، إذ ما زال يبدو جديداً تماماً. وعلى بُعد خطوتين فحسب خلف هذا المذبح، كان الجدار محفوظاً بالقدر نفسه، وعليه جِداريّةٌ تُصوّر إلفيَّين يرتديان التوغا أمام رفوفٍ من اللفائف. بدا أحدهما جالساً إلى طاولةٍ صغيرةٍ يكتب على لفافةٍ جديدة، بينما كان الآخر إمّا يأخذ لفافةً من رفٍّ وإمّا يُعيدها إليه. وكانت هيئتا الشخصين مُنمَّقتين بعض الشيء، غير أنّ التصوير في ما عدا ذلك كان بالغ الحيويّة.
شمّ غرَنتِل الهواء.
«ما الأمر؟» سأله آل.
«لا دخان،» أجاب غرَنتِل مُرتاباً. تبادل هو وويكووكِت النظرات، ثمّ بدأت ويكووكِت تصعد المُنحدَر الطويل في صمت، وغرَنتِل يتبعها على بُعد عشرين خطوةً تقريباً. ولمّا قاربت أعلى المُنحدَر، قذفت قطعة حجرٍ أخرى نحو المذبح وأدارت سيفها الرفيع لتدفع عن نفسها حين ينكشف أنّه مُحاكٍ فيهجم... ثمّ خاب أملها مرّةً أخرى حين لم يقع شيءٌ من ذلك. بل إنّ الحجر الذي قذفته لم يُحدِث في المذبح أثراً البتّة، على الحقيقة لا على المجاز. فقد نفذ خلاله كأنّ المذبح ليس هناك أصلاً، واختفى، ثمّ جاء بعد لحظةٍ صوتُ ارتداده مرّاتٍ قليلةً على سطحٍ صُلب. زفرت في ضيق، ثمّ تسلّلت في ما بقي من المُنحدَر لتتلفّت حولها. استدارت لتتفقّد طرف الحُجرة التي صعدوا منها للتوّ بحثاً عن أيّ شيءٍ قد يكون كامناً يتربّص بالضحايا، ثمّ صرفت انتباهها إلى المذبح لمّا لم ترَ شيئاً يُطابق ذلك الوصف كذلك.
«اصعدوا، يبدو آمناً بما يكفي. لكن انتبهوا لمواطئ أقدامكم،» أعلنت، وهي تميل إلى الأمام لتنكز المذبح الحجريّ بالنصل الموسوم بالعنكبوت. فنفذ النصل من السطح مباشرةً دون أن يلقى أيّ مقاومة. ثمّ نكزت الأرض أمامها في رِفق، فاكتشفت أنّ المساحة التي أمام المذبح مباشرةً وَهْمٌ هي الأخرى. «لا تقتربوا من المذبح، الأرجح أنّكم ستسقطون. تُرى هل في الأسفل شيء؟ لعلّ هذا هو الموضع الذي يحفظون فيه الموتى القَلِقين ينتظرون التهام أرواح الأحياء الذين يتعدّون الحدود!»
قرفص غرَنتِل واقترب من المذبح في حذر، يمشي بيديه على طول الأرض ويتوقّف حين تحسّس نهاية الأرض الحقيقيّة. وشمّ الفتحة المُتنكّرة.
وصعد آل وبوته المُنحدَر هما أيضاً. رأى آل أنّ الإضاءة تأتي من أربع مَجامرَ كبيرة، كلٌّ منها مُسنَدةٌ إلى الجدران البعيدة قُبالة التماثيل الأربعة. كان الهواء بارداً رطباً، ولم يكن ثمّة أثرٌ للدخان كما ذكر غرَنتِل. فخلص آل إلى أنّ اللهب من صُنع السحر لا من الاحتراق.
نظر بوته إلى التماثيل. كانت كلّها إلفيّةً بلا شكّ، يُستدَلّ على ذلك من حِدّة زوايا ملامح وجوهها وطول آذانها ومن التوغا ومن الحُلى المصقولة صقلاً ناعماً، وكانت أحسن حفظاً من سائر ما رأوه من القبر حتى تلك اللحظة. وانتصبت في ضِعف الحجم الطبيعيّ، بمقاييس الفانين على الأقلّ. وكان فيها شخصان أنثويّان واثنان ذكوريّان، بقدر ما استطاع بوته أن يحزر من بِنية أجساد الإلف. وتجنّب بوته المنطقة القريبة من المذبح، فطاف حولها ليشير إلى مَن تُمثّلهم التماثيل.
«وإن لم أكن على معرفةٍ بعادات الإلف، فإنّي أعلم أنّ هذا يُمثّل كولترو، إله الأدوات والبناء، وهذه برايلكتيا، إلهة الكتابة ومعرفة القراءة، وهذا ميركاتور، إله المال والتجارة، وهذه ريسبوبليكا، إلهة النظام المدنيّ والحُكم،» شرح بوته.
وبينما كان الباقون منصرفين إلى درس بوته الدينيّ المُرتجَل، أخذ غرَنتِل يُحدّق في قاعدة المذبح الوهميّ. اهتزّت أُذناه وزمجر زمجرةً خافتةً وهو يُنزل تُرسه عن كتفه إلى يده، ويرفع المِخبَط عن حزامه باليد الأخرى في صمت. تنبّه آل، فرفع صولجانه وتلفّت باحثاً عمّا أثار حَفيظة غرَنتِل.
«ما الأمر؟» سأل آل في خفوت.
«شيءٌ ما...،» شرع غرَنتِل يقول، قبل أن تقطع عليه كلامه جُمجمةٌ أفعوانيّةٌ في حجم صدره، انقضّت عليه في صمتٍ خارجةً من حجر المذبح الوهميّ، وقد ذهب عنها لحمُها وبقيت أنيابُها لم يُثلِمها الزمن.
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion