Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 55
دفع غرَنتِل تُرسَه إلى الأمام ليعترض الضربة، فغاصت أسنانُ الأفعى الميتة الحادّة في الخشب بدلاً من لحم جِذعه. ثمّ انتشلت بقيّةُ الأفعى الهيكليّة نفسَها من المذبح الوهميّ وأخذت تلتفّ حول الغُنول.
كانت عظامُ الأفعى الميتة قد بهَتَت من طول العهد، وعليها آثارُ أضرارٍ قديمة. فالجُمجمة مُشظّاةٌ مثقوبةٌ في مواضعَ منها، وبعضُ الأضلاع مكسورٌ عن مكانه. أمّا ما بقي منها فبدا مشدوداً بعضُه إلى بعضٍ بوهجٍ بنفسجيٍّ خافتٍ ينبض، قد حلّ محلَّ الأربطة التي تعفّنت منذ دهر. وكانت نقاطٌ من الضوء البنفسجيّ تطفو حرّةً داخل مِحجرَي عينَي جُمجمة الأفعى، وتُغيّر مواضعها لتتّجه نحو غرَنتِل كأنّها حَدَقتا عينٍ حيّة. ولم يصدر عن كائن الموتى الأحياء وهو يتحرّك صوتٌ سوى صريرِ أضلاعه وهي تحتكّ بالأرض.
وانفجر غرَنتِل في ضحكه النابح المعهود، واسودّت عيناه إذ اتّسعت حَدَقتاه إلى آخرهما، وهوى بمِخبَطه على ظهر الأفعى، فانفكّت أضلاعٌ أخرى عن العمود الفقريّ. تطايرت الشظايا وتشقّقت الفقرات، وتسرّب الوهجُ البنفسجيّ من الثقوب. وراوغت ويكووكِت فاختفت خلف الغُنول ثمّ اندفعت خارجةً بطعنة. نفذت عَضّاضة سو بين نابَي الأفعى ومرقت من حَنَك الجمجمة مباشرةً صاعدةً إلى تجويف الدماغ. وخاب أملُ ويكووكِت إذ وجدت أنّ ذلك لم يُزعج الشيءَ الميتَ منذ أمدٍ بعيدٍ في شيء. ولم يكن حظُّ آل بأفضلَ كثيراً، إذ راح يُناور حول العظام المُلتفّة ليهوي على جمجمة الشيء فلم يُفلح في إصابةٍ مُحكَمة. ودعا بوته إنديسينا أن تلتفت إلى استهزاء كائن الموتى الأحياء بالنظام الطبيعيّ، فأجابه شعاعٌ من النور الإلهيّ نزل من السقف ليسطع على جمجمة الأفعى. فأطلقت الأفعى تُرسَ غرَنتِل وارتدّت سريعاً فاغرةً فكّيها، وتصاعدت منها خُصَلٌ من الدخان. ثمّ، في تشنُّجٍ خاطف، شدّت حلقاتها حول غرَنتِل شدّاً، فعصرت من الغُنول زمجرةَ تحدٍّ، فانقضّ داخل الحلقات ليعضّ بقوّةٍ أقربَ ما طالته من العمود الفقريّ. فكان صوتُ طَقْطَقة ووهجٌ بنفسجيٌّ مُتأجّج، إذ تشقّقت العظام وتفتّتت تحت الضغط.
تنقّرت أضلاعُ الأفعى الهيكليّة بعضُها ببعضٍ وهي تعصر غرَنتِل أشدّ، فانتزعت منه زمجرةً أخرى وضحكاً نابحاً مكتوماً بالجَهد. بل بدا غرَنتِل كأنّه يستمتع بالصراع حتى الموت، وهو يُزحزح فكّيه أبعدَ قليلاً على امتداد العمود الفقريّ ويُقَرقِشه بين أسنانه من جديد. فتقطّع الوهجُ البنفسجيّ في أسفل العمود وخفَت، إذ تفتّتت الفقراتُ العتيقة تحت وطأة الهجوم. وحاولت ويكووكِت أن تُسدّد طعنةً مُتأنّيةً بين الفقرات قرب الرأس، غير أنّ الأفعى كانت تتحرّك أكثر من أن تُتيح لها فرصةً سانحة. ولحسن الحظّ وفّق آل في ضبط توقيت ضربته تماماً، فأصاب العمودَ الفقريَّ خلف الجمجمة مباشرةً بضربةٍ من صولجانه. فتوهّج الضوءُ البنفسجيّ المُرتعش ثمّ انطفأ.
وبصيحة ظفَرٍ ودفعةٍ جبّارة، تحرّر غرَنتِل من العظام المُلتفّة، فتناثرت قِطَعُها في أرجاء الحُجرة. وعضّ العمودَ الفقريَّ المُنهار فتفتّت في أسنانه كالطباشير، بعد أن لم يعد ثمّة سِحرٌ يُحييه يشدّ بعضَه إلى بعض. ولفظ القِطَعَ عديمةَ الطعم، ثمّ استدار يبحث عن أهدافٍ أخرى لعُنفه فلم يجد. فأرجح مِخبَطه عبر المذبح الوهميّ في ضِيقٍ وهو يُهدّئ نفسه، وعادت عيناه إلى حالهما.
اقترب آل من المذبح ببطء، يكنس بإحدى قدميه عظامَ الأفعى المُتفكِّكة الميتة منذ دهر. واختفى بعضُ القِطَع وهي تنزلق قرب المذبح، مُصدِرةً قعقعةً خافتةً توحي بأنّها تسقط في حفرةٍ كبيرةٍ مخفيّة. وأخذ آل ينقر الأرضَ برفقٍ بالمشعل الذي في يده اليسرى، ثمّ أنزله في الحفرة التي يُغطّيها الوهم السحريّ حين اهتدى إلى حافّتها. ولوّح بالمشعل وتأهّب للقفز إلى الوراء عند أيّ بادرة حركة، فلم يظهر تهديدٌ آخر.
«يا غرَنتِل، أتسمع شيئاً في الأسفل؟» سأله آل مُشيراً إلى قاعدة المذبح. فالتفت غرَنتِل من حيث كان بوته يتفقّده بحثاً عن إصابات، ومال يُصغي بانتباهٍ ويتشمّم الهواء. ثمّ نفخ.
«لا. رائحةُ أشياءَ ميتةٍ قديمة. لا أصوات.»
خاطر آل فزحف إلى الأمام حتى لمس حافّة الحفرة، ثمّ أدخل رأسه ببطءٍ في الأرض والمذبح الوهميَّين. ومن تحت الوهم السحريّ، نفذ ضوءُ المَجامِر ليُضيء الحفرةَ في الأسفل إضاءةً خافتة. لم يكن عمقُها يزيد على ثلاث خطواتٍ أو أربع، غير أنّ أسِنّةً معدنيّةً متساويةَ التباعد بطول ساعد آل كانت تنتصب من قاع الحفرة وتميل صاعدةً من جدرانها. ورقد بين الأسِنّة هيكلان عظميّان مُعفّنان يُشبهان هياكلَ البشر، مُبعثَرَين قِطَعاً. كانا أكبرَ من أن يكونا غنوميَّين، وأصغرَ من أن يكونا قزميَّين. وبدا أنّهما كانا يحملان حقائبَ ظَهر، غير أنّ طولَ الدهور أبلاها حتى صارت قِطَعاً تكاد لا تُعرَف، وأمّا ما فيها فقد استحال منذ زمنٍ بعيد، في ما بدا للعين، إلى وحلٍ ثمّ عَفَنٍ ثمّ كُتَلٍ من طينٍ أسودَ لا هُويّةَ لها، على مرّ السنين الرطبة. وكان بريقٌ واحدٌ من معدنٍ لامعٍ إلى جانب أحد الهيكلين يعكس وهجَ المَجامِر المُرتعش من فوق، ناتئاً في تباينه مع الزُّنجار الذي على الأسِنّة ومع كُتَلٍ قليلةٍ من صدأٍ بيّن، هي كلّ ما بقي من أشياءَ معدنيّةٍ أخرى.
«أظنّ أنّ ما أراه هنا في الأسفل مغامران ماتا منذ أمدٍ بعيد،» نادى آل. «لا يبدو أنّ الكثير من أغراضهما قد بقي، لكن قد يكون معهما شيءٌ أو شيئان يمكن أن ننتفع بهما، إن أراد أحدٌ أن يذهب فيَنبش في رُفاتهما.»
«كم يبدو هذا كئيباً موحشاً، سأتولّاه أنا!» تطوّعت ويكووكِت في مَرَح. أعادت عَضّاضة سو إلى مَقرّها على ظهرها، ثمّ اقتربت بحذرٍ لتجد حافّة الحفرة في الوهم السحريّ. وأخرجت خُطّاف التسلّق الجديد من كُمّها الأيسر، وفكّت لفائف «حبلها» من الغزل الأزرق الزاهي لتنزل، وثبّتت الخُطّاف في شفة الحجر المُغطّاة بالوهم حول الحفرة. وأدخل آل رأسه تحت الوهم من جديدٍ ليُراقب، تحسُّباً لحاجةٍ إلى التدخّل. ورآها تنحدر على الحبل وتشقّ طريقها بحذرٍ بين غابة الأسِنّة المُتآكلة. ثمّ سلّت عَضّاضة سو وأخذت تنخس الرُّفاتَ العظميّ برفق، وتنبش العتادَ المُتحلِّل بطرف سيفها. وارتجلت وهي تُفتّش أُنشودةً مَرِحةً مُغنّاة.
«هؤلاء البؤساءُ يتعفّنون في التُّرَبْ، وأنا آتيةٌ آخذ منهم كلَّ سَلَبْ، سآخذ سِحرَهم كلَّه وكلَّ الذَّهَبْ، لأنّي شقيّةٌ إلى هذا الحدّ... أوه! ما هذا؟»
لمحت بريقاً فضّيّاً لامعاً من نصلٍ صغيرٍ مُلقىً على الأرض إلى جانب ما بقي من اليد اليمنى لأحد الهافلينغ الميّتَين. ومن باب الاحتياط نخسته هو أيضاً.
«حاولي ألّا تلمسيه بيديك بعد. فإمّا أن يكون هذا الخِنجر قد وُضع هنا في زمنٍ أحدثَ كثيراً من الجثّتين، وإمّا أنّ فيه شيئاً غيرَ طبيعيّ. فالمعدن العاديّ في الأسفل هنا أتوقّعه شديدَ التآكل،» حذّرها آل.
«غيرُ طبيعيّ؟ مثل... السحر؟» ومثّلت بيديها حركاتِ قبضٍ طامعة. فكّرت لحظةً، ثمّ ذهبت لتمسك طرف حبلها المُرتجَل، وفكّته حتى منتصف الحفرة حيث الخِنجر. ودسّت الغزلَ المثنيَّ بحذرٍ تحت النصل الصغير من غير أن تلمسه، وربطته ربطاً مُرتخياً.
«ها هو ذا، اسحبه إلى الأعلى واستعمل قواك السحريّة كساحرٍ لتخبرني إن كان خِنجري الجديد سحريّاً!»
«ولِمَ صار خِنجرَكِ تلقائيّاً؟» سأل آل وهو يسحبه بالغزل.
«أليس هذا بديهيّاً؟» ردّت في ابتهاج، ثمّ التفتت لتبدأ بتفكيك ما تبقّى من ممتلكات الهافلينغ الميّتَين الأخرى بطرف سيفها.
«إنّه...،» بدأ آل يُجادل، ثمّ تفكّر. فحتى لو افتُرض أنّ الشيء غيرُ ملعون، فإنّه سيبدو صغيراً إلى حدّ السُّخف في يدَي غرَنتِل. ولم يكن بوته في نظر آل من صِنف الطاعنين بالنصال، وأمّا آل نفسه فكان يُؤثِر ثِقلَ صولجانه المتين في قتالٍ حقيقيّ، إذ كانت السكاكين في ذهنه لأغراضٍ أنفعَ من ذلك. «حسنٌ، ما دام لا أحدَ غيرَكِ يمانع. أسرعي وأنهي سَلْبَكِ غيرَ اللائق، ثمّ نأخذ استراحةً قصيرةً أرى فيها ما يمكن أن أعرفه.»
وتبيّن أنّ ما يصلح للإنقاذ بين خِرَق الموادّ المُتعفّنة البالية قليلٌ جدّاً. فبضعُ كُتَلٍ من مادّةٍ مُلوّنةٍ مُتفتّتةٍ لعلّها كانت يوماً قطعاً نحاسيّةً وفضّيّة. وفي عُمق كومةٍ من بقايا الحقائب عثرت ويكووكِت فعلاً على حَلَقةٍ معدنيّةٍ تتدلّى منها مجموعةٌ من الأدوات المصنوعة من المعدن والعظم، وقد كساها ضربٌ من الشحم بدا أنّه حفظها. «حسنٌ، على الأقلّ كانا يعتنيان بأدواتهما. من الجميل دائماً أن يكون للمرء طَقمٌ احتياطيّ!» أعلنت ويكووكِت. ثمّ تسلّقت خارجةً من الحفرة، وقد خاب أملُها من قلّة ما وُجد، لكنّها تلهّفت لتعرف المزيد عن ذلك النَّزْر الذي استخرجوه.
وأعلن بوته أنّ غرَنتِل في صحّةٍ جيّدة. فرغم خُلُوّ الأفعى الميتة من اللحم، كان سِحرُ إحياء الموتى الذي يُحرّكها قد قوّى عظامها ومنحها من القوّة ما تعصر به ضحاياها حتى الموت، على النحو الذي يُفترض أنّ الأفعى الحيّة كانت تفعله. وبدت أضلاعُ غرَنتِل سليمةً، غير أنّ كدماتٍ ستظهر على الأرجح على امتداد الخطوط التي ضغطت فيها عظامُ الأضلاع بشدّةٍ على جسده.
وأخرج آل دفترَ ملاحظاته السحريّة وتابع خطواتِ التأمّل ليُرهِف حِسَّه للتأثيرات السحريّة. وحاول وهو يفعل ذلك أن يتجاهل الآخرين المُتحلّقين حوله في انتظار. وبعد حين، حدث التحوّل المألوف في بصر آل. رمش ونظر حوله، فإذا هو يرى السحر.
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion