Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 56
«آه، نعم، صرتُ الآن أرى الوهم السحريّ الذي يُغطّي الحُفرة. فيه شيءٌ من توهّجٍ يوحي بأنّ صيانته إلهيّة، فلا بدّ أنّ السلطات الدينيّة التي بَنَت القبر قد وضعته هناك عن قصد. هذا طريف، فالجِداريّة على الجدار خلفه جزءٌ من الوهم نفسه، والجزء الحقيقيّ الوحيد هو الجدار الحجريّ ذاته، والموضع الذي نُقشت فيه اللفافة التي يحملها أحد الأشكال. لا عجب أنّها كانت محفوظةً إلى هذا الحدّ. حسناً، دعينا نُلقِ نظرةً على ما وجدتِه في الأسفل.»
أمّا طَقم الأدوات المُعَدّ لفتح الأقفال وتعطيل الفِخاخ وما شابهها من الأعمال الدقيقة فلم يكن سحريّاً، بل كان محفوظاً حفظاً جيّداً بفضل ما طُلي به أيّاً كان. أمّا الخِنجر فقد كانت له، في نظر آل الحسّاس للسحر، صلابةٌ غير طبيعيّةٍ بيّنة.
«حسناً،» أعلن آل، «بقدر ما أستطيع الجزم به من دون أن أفحصه بتفصيلٍ أطول، يبدو أنّه مجرّد خِنجرٍ بسيط. لكن... إنّه سحريٌّ بالفعل.»
أطلقت ويكووكِت صيحةَ بهجةٍ وخطفت الخِنجر قبل أن يتمكّن آل من تحذيرها من الاقتراب منه. لا بأس، فكّر، لم يبدُ أنّ فيه أيّ أثرٍ لشيءٍ خبيث. كنتُ سأرى شيئاً على الأقلّ لو كان فيه شيء، أليس كذلك؟
«إذن، ماذا يفعل؟» سألت وهي تُدوِّر الخِنجر في يدها اليسرى، تضرب وتطعن عدوّاً وهميّاً أمامها. «هل أنطق بالكلمة السحريّة فيُحوِّل من أطعنهم إلى جُبن؟ هل يمنحني القدرة على إمرة القنافذ؟ هل يتكلّم! لا، أنا لا أتكلّم، لستُ سوى خِنجر، لكنّي على الأرجح أفعل أشياءَ سحريّةً مذهلةً أخرى!» ختمت كلامها بصوتٍ صريريٍّ حادٍّ على لسان الخِنجر. وضع آل يده على وجهه، شطراً من ضجرٍ وشطراً ليُخفي محاولته ألّا يضحك.
«إنّه خِنجر. يطعن الأشياء،» قال لها آل.
«لكنّه سحريّ، فماذا يستطيع أن يفعل غير ذلك؟»
«أنا واثقٌ إلى حدٍّ بعيد أنّه يستطيع قطع الأشياء أيضاً.»
«لكنّ أيّ خنجرٍ يستطيع فعل ذلك!»
«صحيح، لكنّ هذا فيه سحرٌ يُعزِّزه.»
رمَت ويكووكِت آل بنظرةٍ مُرتابة. «إن كان لا يفعل إلّا ما يفعله كلّ خنجرٍ آخر، فما الذي يجعله سحريّاً؟»
«تعرفين كيف يقول معظم العلماء في أيّامنا هذه إنّ السحر فَوضى مُحيطة تتبلور حول بذور النِّيّة فتصير واقعاً؟»
«لا أتكلّم الإلفيّة،» أجابت ويكووكِت.
«إنّه موجودٌ على مسافةٍ يسيرةٍ وراء الواقع المألوف. السحر يجعل تجلّي الخِنجر أشدّ واقعيّة.»
رفعت ويكووكِت يدها. «يا أستاذ، امتلأ عقلي، أيمكنني الذهاب لآخذ غفوة؟»
تنهّد آل وحاول مرّةً أخرى.
«إنّه خِنجريٌّ زيادةً على نحوٍ خارقٍ للطبيعة.»
بدت ويكووكِت مُتفكّرة. «كِدتُ أفهم، على ما أظنّ،» قالت.
فرك آل جبهته ضَجَراً.
«أُرجّح أنّ بوسعك أن تطعني به شبحاً.»
«ولمَ لم تبدأ بهذا؟ هذا رائع!» هتفت ويكووكِت مسرورة. «أتظنّ أنّ شبحاً قد يهاجمنا هنا؟»
«لا أعني أنّه فقط لطعن الأشباح، إنّما أعني أنّ السحر يجعله أقدر على الطعن والقطع ممّا ينبغي لأيّ خنجرٍ عاديّ أن يكون. لا بدّ أنّه يستطيع طعن أشياءَ لا يقوى الخِنجر العاديّ على طعنها، بل حتى الأشياء التي تستطيع الخناجر العاديّة طعنها يُرجَّح أن تُطعَن به طعناً أنجع ممّا يفعله خنجرٌ عاديّ.»
«ها أنت تُعقِّد الأمر من جديد. لنكتفِ بأنّه يطعن الأشباح، وسأتدبّر الباقي من هناك.»
قذفت الخِنجر في الهواء، تُراقبه وهو ينقلب رأساً على عقب، ثمّ التقطته بسلاسةٍ حين هبط. «والآن، ما الذي قلتَه عن جدارٍ سرّيّ؟»
«ماذا؟ آه، صحيح. تلك الجِداريّة على الجدار خلف المذبح وهمٌ سحريٌّ هي الأخرى. ليست إلّا جداراً حجريّاً عاديّاً، إلّا في ذلك الموضع بالضبط حيث يُظهر الوهم ما أحسبه كاهناً إلفيّاً أو أمين مكتبةٍ أو ما شابه، يتناول لفافةً عن رفّ. أو لعلّه يُعيدها إليه... على أيّ حال، شكل تلك اللفافة منقوشٌ فعلاً هناك في الجدار الحجريّ الحقيقيّ.»
«آه، ها!» صاحت ويكووكِت. «هذا هو الزِّناد السرّيّ الذي يوقظ شبح البطل الغاضب لينهض وينتقم من الأحياء، فأطعنه أنا وأُنقِذنا جميعاً!»
هزّ آل رأسه. «أشكّ في ذلك،» قال. نهض ببطء، مُتشبّثاً بتركيزه على السحر المُحيط الدائر في المكان. وقلق حين رأى ويكووكِت تركض حول المذبح الوهميّ نحو الجدار. «أرجوكِ حاولي ألّا تُغضبي أيّ شبح،» توسّل إليها.
«سأحاول،» أجابت ويكووكِت وهي تجثو لتتحسّس أسفل الجدار، «لكنّك تعرف كيف تكون الأشباح.»
«لا أظنّ أنّ ذاك الذي وجدناه في حِصن وولفكِن يُخوّلني أن أقول إنّي أعرف كيف تكون الأشباح، لا.»
راقب آل بتوتّرٍ ويكووكِت وهي تتتبّع أسفل الجدار خلف الوهم، ثمّ صاعدةً إلى أقصى ما تبلغه يدها عند طرفَي الجِداريّة الوهميّة.
«أجل! انظر، هذا الجدار يتحرّك! استعدّ، سأُطلِق الشبح!»
«ماذا؟ لا! انتظري!» اعترض آل، لكنّ ويكووكِت مدّت طرف عَضّاضة سو لتنكز الجدار عند الموضع الذي تنتأ فيه اللفافة المنقوشة، فانزلق إلى الداخل بلا عناء. سُمِعت طقطقةٌ خافتة، ثمّ بدأ ذلك القسم من الجدار كلّه يغوص في الأرض.
لم يكن خلف الجدار أيّ شبحٍ غاضب.
وأُعجِب آل على مضضٍ حين رأى أنّ الجِداريّة الوهميّة لم تكن مربوطةً ببراعةٍ بذلك القسم من الجدار حتى تنزلق نازلةً مع الجدار الحقيقيّ فحسب، بل كانت تُصوّر أيضاً بدقّةٍ مواضع رفوف اللفائف ومكتب الكتابة الصغير الذي في الجهة الأخرى. واندفعت من الفتحة نفحةُ هواءٍ باردٍ جافٍّ على غير المتوقّع.
«بحقّك!» تذمّرت ويكووكِت وهي تخطو إلى المكتبة الصغيرة. ولمّا لم يتعرّض لها موتى غاضبون، راحت تطعن اللفائف على الرفّ طعناً رفيقاً بسيفها الرفيع، ولكن إن كان أيٌّ منها من المُحاكيات، فإمّا أنّها ميتةٌ وإمّا أنّها شديدة الاحتمال للألم.
«أرى أنّكم عثرتم على كنز هذا المكان،» قال بوته وهو يتأمّل المجموعة الصغيرة من اللفائف على الرفوف. اقترب آل بحذرٍ ليتفحّص كلّ شيء. كانت اللفائف كلّها من ورقٍ رفيع، محفوظةً حفظاً تامّاً، وعلى كلٍّ منها من الخارج عنوانٌ بالخطّ الإلفيّ. وعلى أحد الرفوف توهّجت بضع لفائف أصغر بإشعاعٍ إلهيٍّ في نظر آل المُركَّز على السحر.
«لا فكرة لديّ عمّا تكونه هذه الكتابات،» أفاد، «لكنّ هذه التي هنا على الأقلّ فيها سحرٌ إلهيٌّ حيّ.»
«قد يكون هذا من حُسن طالعنا. الأرجح أنّ تلك بركاتٌ مُتجسِّدة،» قال بوته.
«أي بركاتٌ إلهيّةٌ مربوطةٌ بكلماتٍ مكتوبة، صحيح؟» سأل آل. «أهذا ممّا ينبغي لنا أن نلمسه؟»
«أنت مُحقّ، إنّها تجلّياتٌ للسُّلطة الإلهيّة يستطيع القارئ المناسب أن يستدعيها مرّةً واحدة. وكما ذكرتُ، لستُ على معرفةٍ وثيقةٍ بالتقاليد الدينيّة الإلفيّة، غير أنّه أُذِن لنا أن نجد هذا المكان، ولا يبدو أنّ أحداً كانت له بشيءٍ منه حاجةٌ منذ زمنٍ طويلٍ جدّاً، بمقاييس كلّ من ليس إلفاً. لعلّ دورنا أن نحفظ هذه الأعمال قبل أن يؤدّي اندثار هذا البناء إلى ضياعها. أقترح أن نعود إلى هذه الحُجرة ونأخذها معنا حين نفرغ، ما لم تُعطَ لنا إشارةٌ بألّا نفعل.»
«وهل أستطيع أنا أن أفعل شيئاً بكلمات الإله السحريّة؟» سألت ويكووكِت بأملٍ.
«لا تبدين ممّن دُعُوا إلى الخدمة الإلهيّة، فالأرجح لا.»
نفخت ويكووكِت غيظاً. «مُمِلّ. يبدو أنّ ما نبحث عنه ليس في هذا الجزء من البناء، وليس ثمّة أشباحٌ تحتاج إلى طعن. فإن لم يكن هنا شيءٌ آخر يُرى، فلنذهب لنبحث في مكانٍ آخر!»
جمعوا أمرهم وعادوا أدراجهم من حيث دخلوا، بعد تأخّرٍ دام بضع دقائق حاولت فيها ويكووكِت، من دون جدوى، أن تُقنع آل باستحضار «العربة السحرية الخفيّة» ليحملوا معهم واحدةً من مَجامر الحُجرة السحريّة الدائمة الاشتعال.
«لسنا ناهبين،» ذكّرها، «جئنا كي نُسلِّم شيئاً، ولا ينبغي أن نحاول المضيّ بكلّ ما ليس مُسمَّراً في مكانه. وفوق ذلك، لا أريد أن أُغيظ أيّاً من الآلهة الإلفيّة التي قد تنتبه لنا، ولا أريد أن أجرّ ناراً سحريّةً عملاقةً معي أينما ذهبت، فتجذب إلينا انتباهاً غير مرغوبٍ فيه.»
«وماذا عن خِنجري الجديد؟»
«ذاك كان بيّناً أنّه للدخيل الذي مات في تلك الحُفرة، لا للقبر، فلا بأس به على الأرجح.»
«العقلانيّة لا مُتعة فيها،» سلّمت ويكووكِت أخيراً.
«لا، أظنّ أنّها حقّاً لا مُتعة فيها،» اعترف آل على مضض.
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion