Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 57
كان على أرض الغرفة ذات البئر بضعةُ خفافيشَ نافقة، غير أنّ الغَبَشَ المُغبَرّ من أبواغ العَفَن قد رسا وخرج من الهواء. ومع ذلك حبست الرفقةُ أنفاسها وحاولت ألّا تُثير الغبار وهي تعبر الغرفة مُسرعةً عائدةً إلى الرَّدهة.
ولمّا عادوا، وجدوا فَخْذة مُتوتّراً يُراقب البابَ المؤدّي إلى الخارج. وإذا بأحد المِصراعَين ينزاح قليلاً إلى الداخل فيرتطم بالأنقاض التي كوّموها في وجهه ليُبقياه مُغلَقاً. أشار آل طالباً الصمت، ثمّ تقدّم نحو البابَين بأخفى ما استطاع. ارتجف المِصراع الآخر لحظةً، وقد صدّته الأنقاض هو أيضاً. مال آل وألصق أذنه بالخطّ الذي يلتقي عنده المِصراعان. كان كلّ شيء ساكناً، ثمّ سمع آل، مكتوماً عبر الشَّقّ المُحكَم إحكاماً يكاد يكون تامّاً بين مِصراعَي الحجر الغليظَين، جوقةً خافتةً من أنينٍ حادِّ النبرة مشدودٍ بالجُهد، وأحسّ المِصراعَين يضغطان لُحيظةً إلى الداخل على رأسه. وبعد ثوانٍ ارتخى البابان، ووصل إلى آل من الخارج صوتٌ بالكاد يُميَّز، أشبه بأصوات مُتكلّمين. فالتفت ليصف ما جرّبه للتوّ، فَفَزِع إذ وجد غرَنتِل واقفاً إلى جانبه، مائلاً ليُلصق أذنَيه هو الآخر بالباب.
«غوبلن؟» همست ويكووكِت من عند مستوى خَصره، فأفزعته مرّةً أخرى. أطلق غرَنتِل زمجرةً خافتةً تأكيداً، وقد انزوت شفتاه عن ابتسامةٍ عريضةٍ متحمّسة، ويده تحكّ طوقَه في شرود.
«لا يبدو أنّ في وُسعهم فتح البابَين،» لاحظ آل بصوتٍ خفيض، «لكنّهم قد يحاولون إيجاد مدخلٍ آخر. أرجو ألّا يكون ثمّة مدخلٌ آخر، لكن علينا أن نُسرع.»
أنصت غرَنتِل باهتمامٍ عند الباب، ثمّ زفر مُتضايقاً.
«يبتعدون،» تذمّر.
«يبدو أنّه ليس ثمّة سوى طريقٍ واحدٍ آخر مفتوح، ما لم نجد سبيلاً لإزاحة الحاجز من الطريق،» قال آل مُشيراً إلى الممرّ المُظلم الذي قال غرَنتِل من قبلُ إنّ رائحته رائحةُ مُستنقَع. «دعوني آخذ مشعلاً احتياطيّاً.» أخرج من حقيبته مشعلاً إضافيّاً، ودسّ في جيبه واحدةً من قوارير جُرعات الشفاء المتبقّية من قصر نوتاميمِك، تحسّباً. ثمّ ملأ وعاء عَلَف فَخْذة بمزيدٍ من الحَبّ سعياً إلى إبقائه هادئاً مسروراً، وانطلقت الرفقة في الممرّ.
لم يقطعوا سوى عشر خطواتٍ تقريباً حتى وجدوا درجاتٍ حجريّةً شديدة الانحدار تهبط، ثمّ تنعطف انعطافةً حادّةً إلى اليمين، وتمضي بعدها نازلةً إلى مصدر رائحة المُستنقَع. كانت الدرجات تُفضي إلى ممرٍّ مغمورٍ بالماء. كان الماء راكداً عَكِراً، لكنّه صافٍ بما يكفي لرؤية الطين الناعم الذي رسا على الدرجات الأولى منها على الأقلّ. وعلى غير المتوقَّع في مكانٍ مُظلمٍ كهذا تحت الأرض، كانت هناك نباتاتٌ تنمو على امتداد السقف: عنقودان شاحبان من السَّرْخَس يتدلّيان. وبدا أنّ أحدهما مُسدَلٌ فوق لوحٍ فولاذيٍّ صَدِئٍ في أحد الجدران على مسافةٍ في الممرّ.
رفع آل مشعله عالياً.
«وكم يبلغ طول هذا الممرّ على أيّ حال؟» سأل وهو واقفٌ على آخر درجةٍ قبل الماء، يُحدّق باهتمامٍ في الظلام.
«أظنّني أرى نهايته، ولعلّها على بُعد مئةٍ وخمسين خطوةً عبر الماء،» قال بوته وهو ينظر.
«أجل، أظنّ أنّ هناك باباً،» وافقت ويكووكِت، وهي تُحدّق هي الأخرى في الممرّ، مُتظاهرةً على نحوٍ سخيفٍ بأنّها تُظلّل عينيها بيدٍ واحدةٍ من شمسٍ متخيَّلة.
«وكم عمق هذا الماء؟» سأل آل مُرتاباً، وهو يُقرّب المشعل من السطح. كانت له نَتانةُ نباتٍ متعفّنٍ وكِبريت. وإذ لم يكن ثمّة ما يُعكّره، بدا أنّ كثيراً من عُكارته قد رسا منذ زمنٍ بعيد، ولم يكن فيه أثرٌ لشيءٍ حيّ، لكن بقي من الغَيْم ما يكفي ليحجب عن آل رؤية القاع. أمّا غرَنتِل فنزل الدرجات إلى الماء ببساطةٍ غير آبِه. ثار من القاع طينٌ ناعمٌ لم يزد الرؤية سهولةً، لكن بعد بضع خطواتٍ نزولاً وتوغّلاً بدا أنّه بلغ الأرض، والماء يصل إلى أسفل أضلاعه.
«هيه، انتظرني!» نادت ويكووكِت. أعادت عَضّاضة سو إلى غِمدها، ووضعت خنجرها الجديد اللامع بين أسنانها. ثمّ صعدت درجتين إلى الوراء ببطء، وعادت راكضةً لتثب وثبةً من آخر درجةٍ جافّةٍ غير مغمورة. وقف غرَنتِل ساكناً صابراً وهي تهبط قريباً من أعلى صدره، ثمّ تسلّقت حتى وقفت على كتفيه خلف رأسه.
«ماذا تفعلين؟ وماذا عن بقيّتنا؟» قال آل.
«لا تْتْـ مَوَقَّـعْ مِفِفّ...» بدأت ويكووكِت، ثمّ توقّفت لتُخرج الخنجر من فمها. «لا تتوقّع من عذراء رقيقةٍ مثلي أن تُبلّل قدميها الرشيقتين، أليس كذلك؟ ولم يُحضر أحدٌ منكم عباءةً كبيرةً بما يكفي ليفرشها على هذه البِركة في نُبلٍ وفروسيّةٍ كي أمشي فوقها! فأيّ خيارٍ لديّ؟»
«حسناً، ولهذا بالذات، لعلّكما أنتما الاثنين تُلقيان نظرةً على المكان قليلاً قبل أن أُبلّل قدميّ أنا الرشيقتين، وقبل أن يُخاطر بوته بإغراق نفسه هناك. هل ذلك المعدن الصَّدِئ في الجدار بابٌ من نوعٍ ما؟»
«صحيحٌ أنّي وبني قومي لسنا أكثر الناس طفواً، لكنّ ذلك لا يعني أنّي عاجزٌ عن السباحة،» عرض بوته. «ومع ذلك أجدني مُوافقاً آل.»
«لا بأس. سأسمح لكم أيّها الفلّاحون المساكين بأن تتأمّلوني وأنا أُستعرَض أمامكم في شجاعة. إلى الأمام، أيّها الجواد الوفيّ!» أجابت بأفضل صوتٍ نبيلٍ متغطرس تملكه. استدار غرَنتِل وأخذ يخوض في الماء الكريه الرائحة. ولمّا اقترب من المعدن الصَّدِئ، سقط السَّرْخَس عن السقف وهبط على رأس ويكووكِت.
«هيه!» صرخت، ومدّت يدها لتُمسكه وتنزعه بينما أخذت سَعَفات السَّرْخَس تلتفّ حول رأسها. «آخْ! هيه! اتركني!»
وحاولت ويكووكِت ألّا تستسلم للذُّعر، فأمرّت خنجرها الجديد بحذرٍ إلى جانب وجهها وحاولت أن تجزّ النبتة الشَّرِهة عنها، بينما بدأت سَعَفاتها تكتسي حُمرةً داكنةً حيث لامست جِلدها. شقّ الخنجرُ السُّوقَ بسهولة، فأرخى قبضة النبتة بعض الشيء لكنّه لم يَثْنِها. وتُرك ذلك لغرَنتِل، الذي رفع يده سريعاً وغرز مخالبه القصيرة في الكتلة المتخبّطة من سَعَفات السَّرْخَس، ثمّ جذبها ليقتلعها. تساقطت السَّعَفات الممزّقة الباقية عن وجه ويكووكِت لتقع في الماء، تاركةً رُقَعاً من جراحٍ دقيقةٍ كوَخْز الإبَر على وجهها ورأسها. وكانت ويكووكِت غاضبةً جدّاً.
«أنتِ... أنتِ... أيّتها السَّلَطة العنيفة!» صرخت، وهي تمسح السقف بعينيها سريعاً بحثاً عن غيرها. «هناك عند الجدار! هناك واحدةٌ أخرى!» أشارت إليها بخنجرها مُهدِّدة. غاصت يد غرَنتِل في الماء فعادت وفيها مِخبَطُه. خاض قُدُماً في الماء الراكد نحو النبتة الأخرى وضرب. حطّم المِخبَطُ السَّعَفات الممدودة، وسحق النبتة، وارتطم بعنفٍ بالفولاذ الصَّدِئ خلفها. تفتّت المعدن المُتآكل وانهار، فاندفع الماء إلى الفتحة المكشوفة وجرف معه غرَنتِل وويكووكِت المذعورَين. خفتت صيحاتهما المفزوعة في الظلام، فاندفع آل نازلاً الدرجات في الماء الذي كان ينحسر بسرعةٍ في إثرهما. وتبعه بوته. لم يكن الماء يتجاوز رُكبتَي آل حين بلغ الأرض الطينيّة، ولم يبقَ منه سوى بضع بِرَكٍ صغيرةٍ حين وصل إلى الفتحة التي جرّ الماءُ رفيقَيه عبرها. كان صياح ويكووكِت يتردّد صداه في غرفةٍ عميقةٍ مُكعَّبةٍ خلفها، لعلّ طول كلّ ضلعٍ منها عشر خطواتٍ إلى خمس عشرة، وكانت درجاتٌ شديدة الانحدار تهبط من الفتحة إلى أرض الغرفة. كانت ويكووكِت تعوم في مكانها في الماء الذي يدور ببطءٍ في الغرفة. أمّا غرَنتِل فقد عاد إلى الدَّرَج وصعد بما يكفي ليخرج من الماء، وأخذ ينفض عن نفسه.
طعنت ويكووكِت الماءَ بخنجرها غاضبةً. هرع آل نازلاً الدرجات ليساعد، لكنّها بدت مُتشفّيةً أكثر ممّا بدت في خطر.
«هل أنتِ بخير؟» سأل آل.
«لا! صرتُ مبلولةً كلّي ووجهي يؤلمني!»
«ولمَ تطعنين الماء؟»
«من الواضح أنّه متحالفٌ مع النباتات، هو الذي جرّنا إلى هنا! يستحقّ العقاب!»
خاضت مُتلاطمةً نحو الدَّرَج، ثمّ توقّفت على بُعد بضعة أقدامٍ منه، وانتصبت حتى خرج شطرها من الماء. من حركتها أدرك آل أنّها تدقّ الأرض بقدميها، فترامى في الماء صوتٌ معدنيٌّ أجَشّ.
«ثمّة شيءٌ هنا في الأسفل،» أعلنت، وقد صارت فَضوليّةً أكثر منها غاضبة. وأخذت تتتبّع حوافّه بقدميها لتعرف كم يبلغ حجمه. «يبدو صندوقاً معدنيّاً كبيراً من نوعٍ ما.»
«هل هو كبيرٌ بما يكفي ليرقد فيه إلفٌ بالغ؟» تساءل آل بصوتٍ مسموع.
«حسناً، ربّما لو طويتَه بعض الطَّيّ.»
«إذن فذلك على الأرجح ليس مَثوى البطل الذي نبحث عنه،» ارتأى بوته. «ولستُ خبيراً، لكنّي أُعطيتُ أن أعتقد أنّ الإلف لا يبتغون عُمقاً بهذا الوَقار لمَثوى موتاهم المُكرَّمين. ولعلّكِ وجدتِ عوضاً عن ذلك شيئاً قُصِد له أن يُنسى وألّا يُمَسّ.»
«أتدري؟ لولا أنّ وجهي يؤلمني الآن، لجعلني ذلك أرغب في رؤية ما بداخله أكثر.»
«وبمناسبة وجهكِ، أرى أن نعالج تلك الإصابات قبل أن يُصيبها الماء النَّجِس الذي تسبحين فيه بالالتهاب. وإن كانت النُّدوب، لو قُدِّر لكِ النجاة، ستكون مُبهِرةً على الأرجح، فلا أظنّ ذلك أمراً ترغبين فيه أنتِ شخصيّاً،» قال بوته، فأعاد ويكووكِت إلى أرض الواقع. عادت مُسرعةً تخوض في الماء، وهي تجتهد في إبقاء رأسها خارجه، وسبحت إلى الدَّرَج. وصعدوا ثانيةً إلى الممرّ الذي لم يعد مغموراً، ليؤدّي بوته واجباته الطبّيّة. قرّب آل المشعل ليتمكّن بوته من فحص رأس ويكووكِت ورُقَع الجراح الدقيقة التي تنزف نزفاً خفيفاً.
«سيلزمنا تنظيف هذه الجراح تنظيفاً بالغاً منعاً لدخول أيّ ميازما إلى جسدكِ من هذه المياه النَّجِسة،» شخّص بوته. «أخشى أنّكِ لن تُحبّي هذه العمليّة، لكنّي أعِدُكِ بأنّكِ ستُفضّلينها على أن يصير رأسكِ مُغطّى بجراحٍ مُتقيّحة.»
وضع بوته حقيبته أرضاً وفتحها، فأخرج منها خِرقةً نظيفةً وقارورةً معدنيّةً كانوا قد أُعطوها في بذرة اللفت. نزع بوته السِّدادة وشمّ الأبخرة برفق. «نعم، ينبغي أن يكون هذا فعّالاً جدّاً،» قال وعيناه تدمعان، ثمّ سكب مقداراً سخيّاً من إيرثشاين على الخِرقة. «والآن، أرجوكِ لا تُقاومي، كوني شُجاعة.»
بدت ويكووكِت مُستاءةً بعض الشيء من ذلك. «هيه، لستُ طفلةً، أنا بالغةٌ تمام البلوغ وأنا آخْ! آخْ! كُفَّ عن ذلك! آخْ! هذا يؤلم!»
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion