Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 58
بدا صوتُ ويكووكِت غاضباً أكثر منه مُتألِّماً، فلم يقلق آل عليها. تبِعه غرَنتِل وهو يمضي في الرِّواق الذي نُزِح ماؤه الآن. وفي آخره وجد البابَ الذي قال بوته وويكووكِت إنّهما يريانه. لم تبقَ سوى بضع بُقَعٍ صغيرة من الصِّبغ تُوحي بأنّ الزخرفة على الباب كانت ملوّنةً في ما مضى، لكن بقي على الأقلّ نقشٌ محفور. كان يُصوِّر امرأةً إلفيّةً بالحجم الطبيعيّ ترتدي التوغا، وحول عنقها حِرْزٌ مستطيلٌ بسيط، وعلى إحدى ذراعيها تُرسٌ من الطراز الإلفيّ القديم، ويدُها الأخرى ترفع لفافةً عالياً. شمّ غرَنتِل النقشَ بفضول، لكنّه إن كان قد لاحظ شيئاً مثيراً فلم يقل ذلك. وخلفهما، خَفَتت أخيراً صيحاتُ ويكووكِت من الألم. التفت آل فرأى بوته يناولها إحدى قواريرهم المتبقّية من جُرعة الشفاء.
«ينبغي أن يكون الإيرثشاين من القوّة بما يكفي لإذابة أيّ ميازما قد يكون تسلّل إلى الجروح. عليكِ أن تشربي هذه الآن لتلتئم، كي لا تُخاطري بعدوى أخرى متى خَبَت قوّةُ الإيرثشاين.»
«حسناً، مذاقُها طيّبٌ على الأقلّ،» اعترفت ويكووكِت بعد أن فتحت القارورة وجرعت المُنتَج اللبنيّ الواهب للعافية. «وانظروا، لم يعد وجهي يؤلمني! لكنّي الآن أفوح كسِكّيرٍ مقيتٍ ظلّ يمرح في مُستنقَع.»
«مع أنّي لا أنصح بذلك، فلعلّكِ تستطيعين أن تغتسلي بأمانٍ في الماء الذي في الأسفل الآن. عندئذٍ ستفوحين كشخصٍ صاحٍ ظلّ يمرح في مُستنقَع، لا أكثر.»
أخرجت لسانها لبوته بينما كانا يُعيدان حزم مُؤَنهما ويحملان حقيبتهما من جديد. ثمّ انضمّ الاثنان إلى آل وغرَنتِل عند الباب.
«حسناً، هذه شخصيّةُ الحامي الشجاع إن كنتُ قد رأيتُ واحدةً في حياتي،» قالت ويكووكِت وهي تتفحّص النقش. «أهذا هو البطل الذي نبحث عنه؟»
«آمُلُ ذلك،» أجاب آل، «فهذا المكان يبدو خطيراً. بعد الشيء الأفعوانيّ الميت والنباتات الماصّة للدماء، أرجو أن نكون قد فرغنا من قتال الأشياء. الباب بلا مقبض، فما علينا إلّا أن نكتشف كيف نفتحه ونرى.»
رمقته ويكووكِت بنظرة خيبة. «حقّاً؟»
أخرجت عَضّاضة سو ونخزت برفقٍ الجزءَ من النقش الذي يُصوِّر لفافة. انزلق إلى الداخل بسلاسةٍ مع نقرةٍ خافتة، وانفتح الباب قليلاً إلى الداخل.
«هيّا يا آل، إنّه نَسَقٌ واضحٌ هنا.»
«هذه حرفيّاً ثاني مكانٍ فقط نرى فيه هذا هنا.»
«وفي المكانين انفتح الباب! هذا يجعله نَسَقاً!»
شمّ غرَنتِل الفُرجةَ في الباب المفتوح جزئيّاً.
«ماذا تشمّ؟» سأله آل بهدوء.
«تراب.» أجاب غرَنتِل إجابةً لا تُفيد. «حَفْر. جديد.»
«أوه! جميل!» هتفت ويكووكِت. «لقد حفر الموتى القَلِقون طريقهم خارج مَثاويهم، وهم آتون لينتقموا منّا لأنّنا أزعجنا رقادهم... وعندها أستطيع أن أطعنهم!»
«لا أظنّ أنّ من المُفترَض أن تستمتعي بالخطر المُميت إلى هذا الحدّ.»
«لكنّ ذلك يصنع أكثر القصص إثارة!»
أنصت آل بعناية، لكنّه لم يسمع شيئاً من الأنين أو جرجرة الأقدام التي توقّعها. «أتظنّين أنّ فتحه آمن؟»
فحصت ويكووكِت الباب بعناية، فلم تجد ما يُقلِق. دفعته فانفتح ببطءٍ إلى الداخل، وشجّع آلَ ما رآه من ناووسٍ حجريٍّ واضحٍ على مِنَصّةٍ في وسط الغرفة. كان الغطاء منقوشاً على هيئة المرأة الإلفيّة نفسها التي كانت على الباب، مُستلقيةً هذه المرّة على ظهرها، مُغمَضةَ العينين، وذراعاها مطويّتان على صدرها. بدت الأرضيّة والجدران والسقف كلّها من حجرٍ مُحكَم الرَّصف، لكنّ غرَنتِل كان مُحقّاً: كانت هناك رائحةُ ترابٍ رطبٍ وطينٍ قويّةٌ بما يكفي ليلحظها آل نفسه. وبدا أنّ صوتاً وجيزاً خافتاً أشبه بالانزلاق يأتي من مكانٍ ما خلف الناووس.
«كور إن هوك تيميراتو لوكو سومنوس بيرتوربيس؟» نادى صوتٌ أنثويٌّ آمر، وجلست الهيئةُ الشبحيّة للمرأة الإلفيّة المنقوشة على الناووس مُنتصبةً عبر الغطاء، ثمّ وقفت وارتفعت حتى بدت واقفةً فوق الحجر.
مدّ آل يده ليوقف ويكووكِت التي تبتسم ابتسامةً جامحة، وقد خطت خطوةً إلى الأمام وخِنجرها الجديد ممدودٌ في يدها اليسرى.
«آه، مرحباً،» قال آل للمرأة الشبحيّة في توتّر، «هل أنتِ البطلة المدفونة هنا؟ جئنا من قرية بذرة اللفت ومعنا زهور.»
«أنتَ تنطقُ اللسانَ الجديد،» قال الشبح. «أتحمِلُ القُربانَ الزهريَّ لداريوس؟ لقد طال العهدُ منذ أن نالت روحُ حامي هذه الأرض مثلَ هذا التكريم. فلِمَ تأتي الآن، بعد كلّ هذا الزمان، لتُقلِقَ سُباتي في هذا المكان المُدنَّس؟»
«نعم، حسناً، معذرةً. القرويّون طلبوا منّا فقط أن نحمل الزهور إلى مَثوى البطل. أأُعطيكِ إيّاها؟»
«الذي تبتغيه هو داريوس، قريني. أنا أيميليا. روحُ داريوس تحرسُ الأرض، وروحُ أيميليا تحرسُ داريوس. فبِمَ يُمنَحُ لك الإذنُ بالوصول إلى داريوس؟ أأنتَ أهلٌ لذلك؟»
«أرجو ذلك، فقد بدا للقرويّين أنّي كذلك. اسمعي، نريد فقط أن نُوصِل الزهور كما اتّفقنا، لسنا نبّاشي القبور ولا شيئاً من هذا القبيل.»
تأمّلتهم المرأةُ الشبحيّة بصرامةٍ برهةً طويلة. ثمّ عاد صوتُ الانزلاق مرّةً أخرى.
«إنْ أهلكتَ ما يُدنِّسُ هذا المَثوى، فُتِحَ لكم الطريقُ إلى داريوس،» نطقت. ولم يُنذِر آلَ بضربة المخلوق إلّا نظرُ عينَي الشبح إلى الأرض قربَ رأس مَثواها.
كان المخلوق بحجم حصان، على هيئة نَسلٍ مُدنَّسٍ بين أبي مِقَصٍّ وفَرَسِ النبيّ، له فكّان طويلان مُسنَّنان قابضان يقطر منهما سائلٌ كريه. كان من المستحيل أن يكون شيءٌ بهذا الحجم قد جثم ببساطةٍ بعيداً عن الأنظار خلف الناووس، لكن لم يكن ثمّة وقتٌ للتفكير في ذلك. تمكّن آل من استحضار تعويذةٍ واقيةٍ في الوقت المناسب تماماً ليمنع المخلوق من الإمساك به، وتراجع خطوةً على عَجَل. حاولت الحشرةُ الوحشيّة أن تُطارده، لكنّها ارتطمت مباشرةً بمِخبَطٍ يدور بيد غُنولٍ مُندفِع. كانت عينا غرَنتِل سوداوين وهو ينبح ضحكاً متلهّفاً. تشقّقت القشرةُ الكيتينيّة لرأس المخلوق تحت الضربة لكنّها لم تنكسر.
بدأ بوته نداءً يستدعي الانتباهَ الإلهيَّ إلى تدخّل مُهاجِمهم في الخُطَط التي لا تُوصَف، بينما اندفعت ويكووكِت راكضةً من خلف غرَنتِل، وعَضّاضة سو في يدها اليمنى وخِنجرها الجديد في يسراها. ارتدّ المخلوق مُبتعِداً عن النصل الأطول، لكنّ ويكووكِت طعنت بالخِنجر حين عاد يندفع، فأحدثت ثُقباً في جانب رأسه. تناثر الصديدُ من الجرح وهي تسحب يدها.
سمع آل مزيداً من أصوات الانزلاق تأتي من حول الناووس بينما شرع في استحضار شيءٍ من العنف السحريّ. ظهرت ثلاثةٌ من المخلوقات أصغر بكثير، واحدٌ يزحف على قاعدة الناووس والآخران يتسلّقان الغطاء، ما أثار اشمئزازاً بيّناً لدى الشبح المُراقِب. كانت ضئيلةً بالقياس إلى الحشرة الهائلة التي كانت تهدّد غرَنتِل، لكنّ نَسلاً مُشوَّهاً بين أبي مِقَصٍّ وفَرَسِ النبيّ بحجم قِطٍّ منزليٍّ يظلّ مُريعاً. ولمّا استدعى آل سِهامَ القوّة السحريّة المُنطلِقة، وجّهها إلى القادمين الثلاثة الصغار، آمِلاً أن يتمكّن الآخرون من الكبير. ارتجفت اليَرَقاتُ الثلاث والتوت لكنّها واصلت التقدّم. انطلقت التي على الأرض وغرزت فكّيها في كاحل آل الأيسر قبل أن يستطيع الابتعاد، ولم يبدُ أنّ حذاءه خفّف شيئاً من الألم الحادّ الحارق. ولم يسقط الشيء إلّا على مضضٍ حتى بعد أن هشّمه آل بضربةٍ من صولجانه، صائحاً من الألم والغضب.
قفزت الأخريان على غرَنتِل في اللحظة نفسها التي اندفع فيها الكبير. أطاح تُرسُ غرَنتِل باليَرَقتين القافزتين جانباً، لكنّ فكَّي الكبير القاطرين استغلّا الثغرة فأطبقا حول جذع غرَنتِل، يشقّانه شقّاً عميقاً مؤلماً ويُدخِلان نبرةَ غضبٍ يائسٍ في نُباح ضحك المعركة عنده. وإذ غلبت رغبةُ الوحشيّة على الألم، انحنى الغُنول إلى الأمام وعضّ في رأس المخلوق الذي يُمسِك به بفكّيه. غاصت أسنانُ غرَنتِل في الدِّرقة كأنّها قِشرةُ بطّيخ، وتفجّر الصديد، لكنّ الشيء أطبق أشدَّ حتى وهو يلتوي في كَرْب. هل كانت أسنانُ غرَنتِل بهذا الكِبَر دائماً؟ تساءل جزءٌ من آل وهو يحاول أن يهتدي إلى وسيلةٍ لتخليص غرَنتِل.
فات الأوان!
تشنّج فكّا المخلوق الحادّان وغاصا أعمق في جَنبَي غرَنتِل، يشقّان جلداً وعضلاً يتحلّلان وصولاً إلى الأعضاء الحيويّة، فانسكب الدم على جسده حتى تجمّع على الأرض. كانت ويكووكِت قد اضطُرّت إلى صرف انتباهها لصدّ الشيئين اليَرَقيّين الآخرين. تمكّنت من خَزْق أحدهما، ولم تكد تصدّ الآخر حين دوّى عُواءُ غرَنتِل الثاقب من شدّة الألم. تقوّس ظهره وخانته ساقاه، فجرّ ثِقلُه المسخَ المُلحاحَ إلى الأرض معه. انقبض بؤبؤاه فعادت عيناه من السواد إلى كهرمانهما المعتاد قبل أن يُغطّيهما جفناه المُنطبِقان. اصطكّت أسنانه وارتجفت ذراعاه ارتجافاً مُتقطِّعاً في محاولةٍ أخيرةٍ لمواصلة القتال، ثمّ سكن.
كان مُدهِشاً لآل كم استجاب العنفُ السحريُّ بسهولةٍ هذه المرّة، وطعنت سِهامُ الطاقات المُعطِّلة للحيويّة وجهَ المخلوق. أسقط جسدَ غرَنتِل ما تبقّى من المسافة إلى الأرض وانقلب على ظهره، وساقاه تنطويان إلى الداخل وترتعشان بضعفٍ وهو يموت إلى جانب جسد ضحيّته الساكن المُمزَّق.
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion