Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 59
بدا الوَكْرُ آمناً مؤقّتاً، لكنّه لم يكن وَكْرَ غرَنتِل. كانت صاحبةُ الوَكْر تعلوه بجسدها. تفوقه ضِخامةً بمرّتين على الأقلّ، وأسنانُها صُلبةٌ لا شَيَةَ فيها، وحضورُها بذاته قوّةٌ خارقةٌ كأخطرِ ما يكون الشامان. لم تكن تلبس شيئاً سوى غنيمةِ وجهٍ تُشبه كثيراً تلك التي كانت للعمّة ميليسا. ولم يكن إلى مُخالفتها من سبيل. تدحرج غرَنتِل على جَنبه، مُستسلِماً لهذه الغُنولِ المُهيمِنةِ التي لا تُضاهى.
اللغةُ الغُنوليّةُ شيءٌ بسيطٌ مصنوعٌ من أصواتٍ وحشيّةٍ مُعقَّدة. وقد كانت تلك الأصواتُ بالغةَ التهديد وهي تخرج منها إذ خاطبته.
«عشيرتُك في الخارج.»
أدار غرَنتِل رأسَه لينظر عبر مدخل الوَكْر. كان هناك قفرٌ لا نهاية له من الصخور والأشجار الميتة. تتسلّل فيه مخلوقاتٌ شتّى ذاتُ أنيابٍ حادّةٍ ومخالبَ طويلة، يصطاد بعضُها بعضاً، وتتقاتل ليتبيّن أيُّها يأكل فيُطيل بقاءَه، وأيُّها يموت فيُؤكَل. وكان بعضُها من الغُنول.
بدا الأمرُ خاطئاً. لم يُطِقْ أن يلقى عينيها، لكنّه تمكّن من نَفخةٍ صغيرةٍ فيها تحدٍّ.
«عشيرتي ما زالت تُقاتِل. أنا أُقاتِل. أين عشيرتي؟»
نفخت في وجهه ردّاً عليه، كنفثةِ غازاتٍ بركانيّةٍ تُنذر بثورةٍ وشيكة. ثمّ ركلته، فانبعث في جَنبه ألمٌ حادّ، وتدحرج بضعةَ أقدامٍ نحو مدخل الوَكْر.
«عشيرتُك هناك في الخارج.»
«لا. أعيدي عشيرتي.»
كان الوَكْرُ يزداد سطوعاً.
أشاح غرَنتِل ببصره، لكنّه عجز عن الحركة، فيما جثمت هي ومالت نحوه. لامست فكّاها حَلْقَ غرَنتِل.
«عشيرتي. أين؟» كرّر غرَنتِل في تحدٍّ هادئ، وانتظر إحساسَ الأسنان على حَلْقه.
صار الضوءُ أشدَّ من أن يُبصَر معه. نفخت ثانيةً، وأنفاسُها الحارّةُ تفوح برائحة دمٍ طَريٍّ ولحمٍ ممزَّق.
«اذهبْ.» أمرت، ثمّ لم يبقَ سوى الضوء المُعمي.
ونسيت ويكووكِت خصمَها الأخير وهي تركض إلى جسد غرَنتِل، فتكفّل بوته بالأمر إذ دعا بالحُكم الإلهيّ على الحشرة التي كانت لا تزال تقضم الخُطَطَ التي لا تُوصَف، فجاء النورُ اللافح جواباً وأحرق آخرَ ما بقي من الخطر. وعرج آل على قدمه النازفة لينضمّ إلى ويكووكِت بجوار بقايا غرَنتِل المُمزَّقة، بأسرع ما استطاع.
«لقد أبليتُم بلاءً حسناً...» بدأ شبحُ أيميليا يقول، لكنّ آل قاطعها من غير تفكير.
«ليس الآن!»
شقّ بصيصٌ من الأمل يأسَ آل الغاضب، إذ أثبتت شهقةٌ واحدةٌ خشِنةٌ طلباً للهواء أنّ شيئاً يسيراً من الحياة لم ينفد بعدُ من غرَنتِل عبر الجراح العميقة المُهلهَلة في جَنبيه، وأنّه ما زال يُقاتل في يأسٍ من أجل الحياة. مدّ آل يده إلى الجيوب الداخليّة لرِدائه، ونبش فيها محموماً عن واحدةٍ من جُرعات الشفاء الباقية، فيما أقبل بوته يطلب مُعجزة.
«إنّ جِنسَه كان وباءً دمويّاً على الأرضين. أفليس خيراً أن يهلك؟» اقترح الطيفُ الإلفيُّ في بُرودٍ وهو يُراقب.
«لا!» أجاب آل غاضباً من غير أن يلتفت. «غرَنتِل ليس شيئاً. إنّه لنا.»
استجابت الألوهيّةُ لتضرّع بوته أن يُحفَظ نصيبُ غرَنتِل من الخُطَط التي لا تُوصَف، فومَض النورُ الإلهيُّ في جسد الغُنول. امتدّ جِلدٌ شاحبٌ لا شَعرَ فيه على الشُّقوق العريضة في جِذعه، فشهق ثانيةً. انفتحت عيناه وتدحرج على جَنبه، يمسح الغرفةَ ببصره في خوف، غيرَ عابئٍ بالغنوم التي جثت وطوّقت عنقه بذراعيها.
زمجر بسؤالٍ غُنوليّ، ثمّ لمّا عاد إليه إدراكُ ما حوله، أعاده بلغةٍ يفهمها رفاق عشيرته.
«أين هي؟» قالها كاشراً عن أنيابه.
«مَن؟» سأله آل، لكنّ الذكرى كانت قد ذهبت الآن.
«لا أعرف.»
ضغط بيده على الجُرح المُلتئم في جَنبه الأيمن وهو يجلس مُنتصباً والغنومُ لا تزال مُتدلّيةً من عنقه. ورفع آل قارورةً من جُرعة الشفاء أمام وجه غرَنتِل في إلحاح.
«أتُبالي بوحشٍ بسيطٍ عنيف؟» سأل شبحُ أيميليا.
«إنّه وحشُنا نحن البسيطُ العنيف. يحمينا ونحميه،» أجاب آل، من غير أن يُكلّف نفسه النظرَ إليها. راقب غرَنتِل وهو يقتلع السِّدادَ من القارورة ويشرب. ثمّ جلس ثقيلاً إذ اشتعل الألمُ الحارقُ في كاحله. كان جِلدُ حِذائه قد أُكِل بعضُه حيث انطبقت عليه فكوكُ الشيء اليَرَقيّ فقطعته، ونزّ الدمُ من الشقّ المُهلهَل في بشرته. وعلى مضضٍ، خلع حقيبته ومدّ يده فيها إلى جُرعةِ شفاءٍ أخرى. لم يُعجبه سرعةُ استنفادهم لها، لكنّ ما يلزم من وقتٍ وما يُرجَّح من ألمٍ إضافيٍّ في العلاج التقليديّ بدا أكثر ممّا يُحتمَل. سرى الشرابُ الشافي الشبيهُ باللبن الرائب دِفئاً في جسده، فخَبا ألمُ الإصابة والتأم اللحمُ على نفسه.
«دمُك حارٌّ، ولكنّ قلبَك طيّب،» قضت أيميليا جهراً. «ومهمّتُكم قد شارفت على التمام.»
«ماذا تعنين بـشارفت؟» صاح آل ونهض واقفاً بحذر. «أهناك المزيد منها؟»
وفي فَزَعٍ، عاد آل فتناول صولجانه وتحرّك لينظر خلف الناووس، فوجد هناك مصدرَ رائحة الوحل الطريّ: حُفرةٌ نُقِبت صعوداً عبر الأرضيّة، فكسّرت الحجر ونثرت الوحل.
انضمّ بوته إلى آل وحدّق نازلاً في الحُفرة المظلمة.
«هذا بالتأكيد ليس منظراً سارّاً،» قال بوته عمّا استطاعت عيناه القزميّتان أن تُبصراه في الداخل.
ومن خلفهما، قال صوتُ ويكووكِت المكتومُ في عنق غرَنتِل: «انتظرا هنا، سنتولّى الأمر هذه المرّة»، وسمعها آل تسقط إلى الأرض وتمشي حتى وقفت وراءهما. تقدّم آل بحذرٍ وقرّب المشعل. كانت اللمحةُ التي رآها من كُتلة الفقاعات النابضة الرطبة الحريريّة مُقزِّزة. في كلّ فقاعةٍ نسخةٌ ضئيلةٌ من المخلوقات التي قاتلوها للتوّ. نظر آل إلى أصابعه مُتأمِّلاً.
«إن كنتِ على وشك أن تُخبريني مرّةً أخرى أنّه ينبغي أن أعرف كيف أقذف ناراً سحريّةً من أصابعي،» قال آل مُلتفتاً ليُخاطب ويكووكِت، «فقد فُزتِ. أوافقكِ. هل كنتِ تبكين؟»
كانت ويكووكِت تبتسم ابتسامةً عريضة، لكنّ آثارَ الدموع كانت بيّنةً ترسم خطوطاً نديّةً نازلةً على وجهها.
«ولماذا لم تبكِ أنت؟ كانت هذه فرصةً مثاليّةً لذلك!» سألت آل بدورها.
كان على آل أن يعترف بأنّه، في هذه الظروف، سؤالٌ وجيه.
«غاضبٌ أكثر من اللازم،» أجاب.
صفّقت ويكووكِت بيديها وأومأت إيماءةَ استحسانٍ حماسيّة. «آه! مثاليّ! ليس كثيراً ما تسنح لك فرصةُ تجربةٍ شعوريّةٍ كهذه! موتُ رفيقهم الحبيب يُلهم النَّدْبَ والثأر!»
«الحبيب ربّما فيها شيءٌ من المُبالغة،» اعترض آل، مُشيحاً لينظر ثانيةً إلى أسفل الجُحر حيث كيسُ البيض. ومدّ يده إلى نُشّابة القوس التي كان قد دسّها في حِزامه، وقد رُبطت بها أَمبولةُ زيت مُفرَط الفلوجستون.
«أنت مسرورٌ لأنّه لم يمت، صحيح؟» ألحّت ويكووكِت.
«نعم.»
«هذا قريبٌ بما يكفي.»
فكّ آل الزيتَ الخيميائيّ عن نُشّابة القوس، وقذفه إلى قاعدة كيس البيض. فارتطم بالوحل ارتطاماً لَزِجاً، حارماً إيّاه انفجارَ النار المُوقَّتَ توقيتاً مسرحيّاً كما أراد. تنهّد وأخذ يُلقي عليه قِطَعَ الأرضيّة الحجريّة المكسورة حتى كسرت إحداها الزجاجَ أخيراً، فابتلعت النارُ كُتلةَ الوحوش التي لم تفقس بعد. وكان الدخانُ الكريه يفوح بشيءٍ يُشبه رائحةَ الشَّعر المحروق.
«هذا يكفي،» أعلنت أيميليا فيما تحرّك الأحياءُ في الغرفة ابتعاداً عن الدخان. «أتُرونني ما جئتم به لأجل داريوس؟»
استغرق آلَ لحظةٌ ليُفسّر الكلامَ العتيق، لكنّ بوته خلع حقيبته ومدّ يده فيها فأخرج حُزمةَ الأزهار، ورفعها ليُعاينها الشبح. فارتخت مَلامحُ أيميليا الصارمةُ إلى ابتسامةٍ رقيقةٍ حزينة.
«قد فُتِح لكم السبيلُ الآن. ولعلّكم آخرُ مَن يزور هذا المكان،» قال الشبحُ بهدوء، «وعسى أن أُجمَع بداريوس عمّا قريب. وقبل النهاية، هديّةٌ واحدةٌ أوَدُّ أن أُسبِغَها عليكم. ارفعوا الغطاءَ عن مَثوى رُقادي.»
راقبت ويكووكِت غرَنتِل وبوته وآل وهم يُمسكون ثلاثاً من زوايا غطاء الناووس الأربع ويرفعونه بما يكفي لإزاحته. كانت رُفاتُ أيميليا اليابسةُ ترقد في سلامٍ في الداخل، في الهيئة نفسها المنقوشة على الغطاء.
«الحِرْزُ الذي حول عنقي أهبه لك. غايتُه حمايةُ الحامي، ولم تعد به هاهنا حاجة.»
فكّ آل مِشبكَ سلسلةِ الحِرْز في احترامٍ ورفعه من الناووس.
«لماذا تظنّين أنّنا سنكون آخرَ من يزور هذا المكان؟» سأل آل الروح.
«الأزهارُ تقول ذلك. سيتمّ واجبُنا الطويل، ونرقد معاً. اذهبوا. وأدّوا رسالتكم إلى داريوسي.»
نزل شبحُ أيميليا من الهواء إلى الناووس، وتلاشى عن العين وهي تضطجع في جُثمانها. واستعان آل ببوته وغرَنتِل ليُعيدوا الغطاء إلى مكانه.
«يبدو أنّنا كِدنا ننتهي. هيّا نطمئنّ على فَخْذة ونأخذ استراحةً بضع دقائق قبل أن نمضي. فإن كان في النهاية شيءٌ فظيع، فالأجدر بنا أن نكون على أتمّ استعدادٍ ممكن.»
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion