Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 60
كان فَخْذة ينتظرهم في هدوء، وإن تخيّل آل أنّه يرمقهم بنظرةٍ نافدة الصبر من فوق الوعاء الفارغ الذي كان يحمل العَلَف الذي تركوه له. ما زالت الشبكة الفولاذيّة في مكانها في الرِّواق الآخر، لكنّها لم تعد تتلألأ بقوّةٍ سحريّةٍ واقية. جلس آل على العربة ومعه ملاحظاته في فنّ السِّحر ليتأمّل، بينما أجرى بوته لغرَنتِل فحصاً طبّيّاً أدقّ ونظّف الجراح التي التأمت جزئيّاً. أمّا الفَرو حول الشقوق التي أحدثها فَكّا المخلوق فقد ذاب وزال، ومع أنّ الجرح قد انطبق، فإنّ اللحم المُبقَّع بالأسود والورديّ تحته سيحتفظ على الأرجح بالنُّدوب. وقدّمت ويكووكِت لفَخْذة بعض الماء ومزيداً من الحَبّ.
عمِل آل على إعادة ذهنه إلى حالٍ من الصفاء. فمعالجةُ المفاهيم المستحيلة اللازمة لإجراء السحر معالجةً ذهنيّةً تُجهِد العقل، فيصير التعامل مع ذلك الضرب من الأفكار أعسر، ويصير في الوقت نفسه أعسرَ أن تحتفظ بتصوّرٍ واضحٍ لما عليه الواقع الطبيعيّ، لا سيّما متى تجاوزتَ الحِيَل السحريّة البسيطة التي يبدأ بها المبتدئون. وقد صار آل بالمِران أقدرَ على السِّحر الأكبر، غير أنّه بلغ حدّه، وبخاصّةٍ بعدما أجرى هذا القدر الكبير من السحر في وقتٍ وجيزٍ وفي موقفٍ بالغ التوتّر. وكان يرجو ألّا يُطلَب إليه المزيد منه اليوم. وقد غلب على ظنّه أنّه يحتمل قليلاً إضافيّاً بشيءٍ من التأمّل المُتأنّي، لكنّ عقله يحتاج إلى ليلةٍ كاملةٍ من الغياب الهانئ ليتعافى تمام التعافي.
ولمّا رتّب ذهنه على قَدْر ما شعر أنّه بالغُه، أدّى العمليّة الطقسيّة البطيئة لإدراك القوى السحريّة مرّةً أخرى على سبيل الإحماء. وبعد حينٍ، بدت له اللمحاتُ المألوفة من الهالات المتوهّجة، فأغلق آل دفتره ونظر حوله.
كانت الشبكة المعدنيّة التي تسدّ المَمَرّ الأخير عاديّةً بجلاء، لم تعد تُمسِكها أيّةُ قوًى سحريّة قطعاً. وكانت ويكووكِت قد دسّت خِنجرها الجديد في حِزامها، وما زال له ذلك المظهر الواقعيّ على نحوٍ غير طبيعيّ الذي يجعله بارزاً عمّا حوله. رفع آل الحِرْز الذي أعطتهم إيّاه أيميليا. كان تُرساً فولاذيّاً مُصغَّراً، على هيئة المستطيل المُقوَّس نفسِها التي صُوِّرت بها أيميليا حاملةً إيّاه على باب قبرها. وفي حاله تلك المُرهَفة سحريّاً، استطاع آل أن يرى بوضوحٍ توهّجَ روحٍ بسيطةٍ في داخله، تُشِعّ هالةً هادئةً واقية.
«حسناً،» أعلن لرفاقه، وقد فرغوا في هذه الأثناء ممّا كانوا ينوونه من أعمالٍ وبدا عليهم الضجر، «ثمّة قطعاً ضربٌ من السِّحر الواقي في هذا الحِرْز، ولا بدّ أن ينفع مَن يقرّر أن يُصادِقه.»
«مزيدٌ من السحر؟ أريد أنا أن أُصادِقه!» كادت ويكووكِت تصرخ، وهي تثب واقفةً. أبعد آل الحِرْز عنها ومدّ يده الأخرى يصدّها.
«في الحقيقة،» اقترح، «كنتُ أفكّر أنّ الأولى أن نعطيه لغرَنتِل. فهو الذي يبدو أنّه يُلقي بنفسه في أشدّ الأخطار دفاعاً عنّا، وأشعر أنّه استحقّه نوعاً ما.»
بدت ويكووكِت مخذولة، لكنّها بدت موافِقة. «حسناً، ما دمتَ تضع الأمر هكذا، فأظنّ...»
«لا أريده،» قاطع غرَنتِل، ففوجئ آل.
«ولِمَ لا؟»
«يُعيق.»
«لكن، انظر، إنّه صغيرٌ جدّاً، وهو سِحرٌ يحميك.»
«لا أريده.»
لم يرَ آل في مواصلة هذا الجدال طائلاً. «ما رأيك يا بوته؟ نعطيه لويكووكِت إذًا؟»
«أوافق على ذلك. فهي كثيراً ما تندفع إلى خطرٍ يمكن تجنّبه إلى جانب صديقنا الغُنوليّ، فلا يبدو من غير المعقول أن تنال شيئاً من الحماية الإضافيّة.»
مدّ آل الحِرْز إلى يدَي ويكووكِت المتلهّفتين على نحوٍ مسرحيّ. «مرحباً! أنا ويكووكِت د. فليبندورفر! ما اسمُك؟» سألته بمرح. «أوه، ليس لي اسمٌ بعد، لكنّ ويكووكِت اسمٌ رائع، ويسرّني أن أكون حِرْزَكِ!» نطقت ويكووكِت بالجملة الأخيرة نيابةً عنه بصوتٍ رفيعٍ صرّار.
عرف آل من ابتسامتها الماكرة الخفيفة أنّها تنتظر منه أن يسأل، فسأل.
«ماذا تفعلين؟»
«أنتَ قلتَ إنّ عليّ أن أُصادِقه!»
تنهّد. «نعم، نوعاً ما؛ فللحِرْز روحٌ خاصّةٌ به، ولذا ستحتاجين إلى إقامة ضربٍ من الرابطة الروحيّة معه حتى يستطيع أن يُعينك.»
«له روح؟ أي إنّه شخص؟»
«لا، لا شيء بهذا التعقيد، ستكون روحاً بالغة البساطة، أقربَ إلى حشرةٍ منها إلى شخص.»
بدا على ويكووكِت الفزع، وأبعدت الحِرْز عنها في بطء. «مهلاً يا غرَنتِل، أواثقٌ أنّك لا تريد هذا؟»
«لا.»
«ليست حشرةً حرفيّاً، أعني فحسب أنّها ليست شيئاً ذا عقلٍ حقيقيّ أو ما شابه، بل مجرّد قَدْرٍ يسيرٍ من السحر يستطيع أن يستشعر الأشياء ويقرّر ما يفعله حيالها،» حاول آل أن يشرح.
«إذًا، ما ذَيْلُه؟» سألت ويكووكِت.
«ماذا؟»
«تعرف، ذَيْلُه! في كلّ الحكايات، الأشياء السحريّة لها ذَيْلٌ عادةً. مثل: عصا البَرق، أو مِبشَرةُ جُبنٍ لاستحضار الشياطين، أو ما شابه.»
«لا، هذا مجرّد... همم. أتعلمين، لم أفكّر في هذا من قبل قطّ. أظنّ أنّ ذَيْلَه على الأرجح... الحماية؟ شيءٌ من هذا القبيل؛ أستطيع أن أتبيّن أنّه مصنوعٌ ليحمي مَن يرتديه. ولعلّ له حِسّاً يُدرِك به إن كان حاملُه في خطرٍ أو في سوء حظّ، وقدرةً سحريّةً خفيّةً على التأثير في الاحتمالات، أو سبيلاً ما إلى مخاطبة عقل حاملِه في لاوعيه...»
كانت ويكووكِت ترمقه بنظرتها المستنكِرة.
«إنّه أشبه بحِرْز الحظّ السعيد، غير أنّه لا يجلب الحظّ إلّا إن عرَفَكِ وأحبّكِ.»
«أرأيت؟ لم يكن الشرح عسيراً إلى هذا الحدّ في نهاية المطاف، أليس كذلك؟» مازحته، ثمّ وضعت الحِرْز حول عنقها. ثمّ لفّت السلسلة الذهبيّة الرفيعة حول عنقها مرّاتٍ حتى صار الحِرْز مُعلَّقاً أمام صدرها بدل أن يتدلّى تحت سُرّتها. مسحت عليه برفقٍ كأنّه حيوانٌ أليفٌ صغيرٌ ودود. «آل يظنّني مجنونةً إن كلّمتُك، فلا تُخبِره،» همست له، وإن همست بصوتٍ عالٍ يكفي لتضمن أن يسمعها آل.
لم يملك آل إلّا أن يضحك. «في الحقيقة، ليست الفكرة سيّئةً على الأرجح بالنسبة إليكِ. فإن كنتِ مجنونةً، فمن الإنصاف أن تُعلِمي روحَ الحِرْز بذلك.»
«لا تُصغِ إليه، لستُ أنا المجنونة، بل هو،» قالت للحِرْز وهي تربت عليه ثانيةً، «ألستَ سعيداً بأنّك تحمي سيّدةً لطيفةً مثلي لا ساحراً مجنوناً؟»
ابتسم آل وهزّ رأسه وتركها لجنونها المُصطنَع على سبيل اللهو. «كيف حاله؟» سأل بوته مشيراً بإبهامه نحو غرَنتِل. كان الغُنول قد تمشّى إلى العربة في تصلّبٍ وأخذ ينبش في حقيبته.
«كان في حُكم الميت،» أجاب بوته بلا مواربة، «لا أعرف تفاصيل عمل الجسد الغُنوليّ من الداخل، لكنّي على يقينٍ أنّ فَكّي المخلوق مزّقا أجزاءً بالغة الأهمّيّة وفتحا سبيلاً لنزيفٍ غزير. ويبدو أنّ المخلوق كان يُفرِز كذلك سائلاً هاضماً أذاب جزءاً من اللحم والأحشاء. ولولا أنّه قاتل من أجل الحياة بهذا العناد، ولولا أنّنا وصلنا بهذه السرعة ومعنا عَونٌ خارقٌ للطبيعة، لما كان بيننا الآن. ولا شكّ أنّ التفاتَ الألوهيّة إليه قد أفاده، لكنّه يستحقّ مع ذلك ثناءً كثيراً على تشبّثه بالحياة حتى تمّت المعجزة. فقد كان من اليسير جدّاً أن يهجر جسداً بلغ من الألم في تلك اللحظة ما بلغ.»
رمق آل الغُنول بنظرةٍ متعاطفة. أخرج غرَنتِل من حقيبته كُرةً من لحم الضأن المُجفَّف وشحم الأَلْية، وقرفص ليأكلها، ثمّ تنبّه إلى آل ينظر إليه. وارتاح آل حين حُسِمت مباراةُ التحديق التي تلت ذلك سريعاً، إذ صرف غرَنتِل بصره ومدّ يده ثانيةً إلى حقيبته يُخرِج كُرةً أخرى من اللحم والشحم، عرَضها على آل.
«عندي كثير. الشامان* يأخذ إن أراد الشامان.»
قبِل آل ما عُرِض عليه وقضم منه قضمة. كان فيه شيءٌ من حبّات التوت والأعشاب، وقليلٌ من الملح، فوجده آل أطيب ممّا توقّع.
«شكراً يا غرَنتِل،» قال، فتلقّى همهمةَ إقرارٍ في المقابل.
«ما رأيك؟» سأل بوته، «متى تجاوزنا تلك البوّابة، أتظنّ أنّ أمامنا طريقاً طويلاً بعد؟»
«أُكرّر أنّي لستُ خبيراً بالأعراف الثقافيّة الإلفيّة، غير أنّ ما لاحظتُه من البناء حتى الآن يُنبئ عن وَلَعٍ بالتناظر. لا أملك إلّا التخمين، لكنّي أتوقّع أنّ ترتيب ذلك الرِّواق المُفضي إلى ما نفترض أنّه مَثوى داريوس شبيهٌ على الأرجح بالترتيب الذي أوصلنا إلى قبر أيميليا.»
«هذا مُريحٌ على الأقلّ، ما دام ليس في ذلك الطريق حشراتٌ مُسوخٌ أيضاً.»
* الشامان: لقبٌ يطلقه غرَنتِل على ساحر العشيرة وصاحب الطقوس، أي القائد الروحيّ.
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion