Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 61
أخرج آل مشعلاً جديداً، ثمّ حمل هو وبوته حقيبتيهما على كتفيهما من جديد واستعدّا للمُضيّ. «كِدنا ننتهي،» طَمْأَنَ آل فَخْذة. ولم يَنَلْ من الحمار تفاعلاً يزيد عن المُعتاد، غير أنّ آل رأى أنّ الأمر ينبغي أن يُفعَل على أيّة حال.
وجاء من ناحيةِ وِجهتِهم صوتٌ خافتٌ كأنّه معدنٌ يرتطم بالحجر.
رفع غرَنتِل بصره نحو الشبكة، ثمّ نهض وهرول إليها في هدوءٍ مُصغياً. وتبعه الآخرون. وسمع آل قَعْقَعةً معدنيّةً أخرى بعيدة.
«ما عساه يكون ذلك في رأيك؟»
«معدنٌ يسقط. قَضْم،» أجاب غرَنتِل.
«قَضْمٌ كثير؟»
«لا.»
«قَضْمٌ كبير؟»
أصغى غرَنتِل لحظاتٍ أطول. ورنّ في الأرجاء تقعقعٌ بعيدٌ كأنّ عدّةَ أجسامٍ معدنيّةٍ صغيرةٍ تتساقط على أرضٍ صلبة.
«لا،» قال أخيراً.
ولمّا اطمأنّ آل إلى أنّه لا يُرجَّح أن يكون في انتظارهم حَشدٌ من الوحوش النَّهِمة ولا مُلتهِمٌ ضخم، أومأ لويكووكِت أن تفحص الشبكة. ولم يستغرق الأمر طويلاً؛ فلم يكن فيها من الآليّات إلّا مِزلاجٌ معدنيٌّ بسيطٌ ومَفاصِل، ولا أثرَ لشيءٍ آخر يُنفِّر الزائرين. رفعت ويكووكِت المِزلاج، فانفتحت الشبكة إلى الداخل في سلاسة. تبادلت ويكووكِت وغرَنتِل نظرةً، ثمّ انطلقت ويكووكِت في هدوءٍ عبر الرِّواق، وتبعها غرَنتِل.
وكما كان الحال في الجانب الآخر، أفضى الرِّواق إلى دَرَجٍ ينعطف يساراً ويهبط إلى عُمقٍ أبعد. توقّفت ويكووكِت وغرَنتِل يترقّبان ما هو أبعد في الرِّواق، ثمّ أشارت ويكووكِت إليهم أن يقتربوا، ووضعت أصابعها على شفتيها تُلمِح إلى أن يكون اقترابهم هادئاً. وحاول آل وبوته أن يكونا هادئَين. ومن عند الزاوية، استطاعوا أن يروا أنّ هذا الرِّواق صورةٌ مُطابِقة للرِّواق الذي في الجانب الآخر. ففي الموضع الذي كان فيه للرِّواق الآخر بابٌ فولاذيٌّ يعلوه الصدأ، لم يكن هنا إلّا مَدخلٌ مفتوحٌ وذَرورٌ من الصدأ على الأرض. وعلى الأقلّ لم يكن هذا مغموراً بالماء، ولم يبدُ أنّ ثمّة نباتاتٍ ماصّةً للدماء تتدلّى من السقف، وإن كان هناك كَومٌ من ضربٍ من الطين أو الحَمْأة مُلتصقٌ بالجدار البعيد، حيث افترض آل أنّهم سيجدون رَدهةَ البطل الميّت الذي جاؤوا من أجله. ومن هنا أيضاً استطاع آل أن يلتقط تلك الرائحة الخفيفة التي وصفها غرَنتِل من قبلُ بأنّها حامضة. كانت أشبه بالخَلّ والبَصَل المقطوع لتوّه.
وأخيراً استطاع آل أن يسمع صوت القَضْم الذي ذكره غرَنتِل. كان أشبه بشيءٍ يَقرِض رملاً أو حصى: أصواتُ طَقْطَقةٍ سريعةٍ قاسية، تأتي من المَدخل المفتوح. وترامى إلى الرِّواق مزيدٌ من القَعْقَعة، فانسلّت ويكووكِت وغرَنتِل بمحاذاة الجدار ليستطلعا الأمر. أطلّت ويكووكِت بحذرٍ من جانب الباب، ثمّ حدّقت بينما مال غرَنتِل فوقها وفعل مثلها. وجاء صوتٌ آخر كأنّ عدّةَ أجسامٍ معدنيّةٍ صغيرةٍ تُحَكّ ببعضها، ثمّ مزيدٌ من القَضْم. رمقت ويكووكِت آل بنظرةٍ حائرةٍ وأومأت إليه أن يأتي، فتقدّم آل بحذرٍ ومال يُطِلّ، رافعاً المشعل ليُبصر.
وخلافاً لِنَظيرتها في الجانب الآخر، لم تكن هذه الغرفة غائرةً ولا مغمورةً بالماء، لكنّها كانت في الموضع نفسِه من الرِّواق وفي مثل حجمها تقريباً. بدا أنّها كانت مُستودَعاً للسلاح أو خِزانةً للموروثات، غير أنّه لم يبقَ فيها إلّا القليل عدا الرُّفوف والخزائن الخشبيّة. وأمام إحدى الخزائن المفتوحة كان ثمّة كَومٌ من المَلاعق المعدنيّة يتآكل تحت لمسةِ ما لم يَسُرَّ آلَ قَطُّ أن يراه: حشرةً أخرى بالغةَ الضخامة.
وعلى الأقلّ لم تكن هذه ضخمةً إلى هذا الحدّ، إذ لم تكن إلّا في حجم كلبٍ كبير، وكان بيّناً أنّها ليست من نوع تلك التي غزت قبر أيميليا. ولم يبدُ عليها أدنى انزعاجٍ من ضوء المشعل المُرتعش، بينما كانت قرونُ استشعارها الوَبِرة تُداعِب أدوات المائدة المعدنيّة فتُفنيها. ولمّا تآكل الكَومُ حتى صار مسحوقاً خشناً، أطرق المخلوق برأسه وشرع يقضمه.
«أتأكل المعدن؟» تساءل آل في هَمس. كانت أرضُ الغرفة مغطّاةً بغُبارٍ بلون الصدأ. وتناثرت فيها أعمدةُ رِماحٍ خشبيّة، ورقدت أشرطةٌ جلديّةٌ على الأرض حول طَقمٍ من رفوف الدروع. وأيّاً كان هذا المخلوق، فقد ظلّ أشدّ اهتماماً بوجبته من الملاعق المتآكلة منه بالمُتفرِّجين العُضويّين الذين يرقبونه من الرِّواق، وإن كان قد تحرّك قليلاً ليستقبل الرفقة وهو يأكل.
«لا يبدو أنّها تأكل ما ليس بمعدن. وأنا أرى أن ندعها وشأنها ونمضي في عملنا،» اقترح آل. وأومأ لبوته بأنّهم ماضون، فهرول القزم ليلحق بهم بينما شقّ الآخرون طريقهم بحذرٍ إلى عُمق الرِّواق. وكانت رائحةُ الخَلّ والبصل تشتدّ.
«من أين تأتي هذه الأبخرة؟ أثمّة شيءٌ يتخمّر في كَوم الطين ذاك في آخر الرِّواق؟» تساءل.
«لا أدري،» أجابت ويكووكِت، «لكن أيّاً كان، فرائحته تُوحي بأنّه قد يكون طيّب المذاق مع شيءٍ من السمك والبطاطا!»
«لا أرى في البناء الحجريّ آثارَ شقوقٍ ولا تسرُّب، فأتساءل من أين...،» بدأ بوته، غير أنّ صوتَ خَشْخَشةٍ هادئةٍ قطع عليه كلامه. فالتفتوا جميعاً نحو الصوت فوجدوا الحشرة تتبع بوته. ولم يبدُ على المخلوق عَداء، بل توقّف على بُعد ذراع. ومدّت قرونُ الاستشعار الوَبِرة نفسها في بطءٍ فداعبت صدر بوته.
ولم يُدرِكوا إلّا بعد لحظةٍ أنّ درع الصدر يصدأ ويتقشّر تحت تلك اللمسة. فأخذت ذراعا بوته تخبطان الهواء لِيَدفع المخلوق عنه.
«لستُ ألبس هذا عَلَفاً!» صاح بوته وهو يتراجع. ورفع غرَنتِل مِخبَطه وضرب به الحشرة، فراوغت وانسلّت مُسرِعةً عائدةً إلى الغرفة التي خرجت منها، وارتطم المِخبَط بالأرض الحجريّة ارتطاماً بلغ من شدّته أن أحسّ آل بالارتجاج في نَعْلَي حِذائه. ولا بدّ أنّ الطين المائل إلى الصفرة المُكوَّم في الركن البعيد من الرِّواق قد اهتزّ لها هو أيضاً، إذ انهار عن الكَوم الذي كان عليه وأخذ يتدفّق صاعداً في الرِّواق نحوهم بسرعةِ ماشٍ مُتمهِّل. واشتدّت رائحةُ الخَلّ والبصل أكثر.
«ما هذه المادّة بحقّ؟» تساءل آل بصوتٍ مسموعٍ وهو يرقب تدفّقها في توتّر. فإن لم تتوقّف، فما كان ليقف هناك في انتظار أن تبلغ حِذاءه. وقد صرفت هذه الظاهرةُ الجديدة الغريبة غرَنتِل عن مطاردة الحشرة الآكلة للمعدن، فتقدّم مُتربِّصاً نحو الحَمْأة المُقبِلة.
مال ليشمّها.
«رائحتها حامضة،» قال، وقد تغضّن خَطْمُه انزعاجاً.
وعند ذاك لَكَمه الطينُ في وجهه.
إذ تجمّعت نافورةٌ غليظةٌ من الحَمْأة على نفسها وانطلقت مُسرِعةً، ففاجأت غرَنتِل وأصابت جانب وجهه بقوّةٍ مُذهِلة. فترنّح إلى الخلف من شدّة الضربة، ثمّ أطلق عُواءً حادّاً إذ بدأ الجلد في موضع الضربة يلسعه. وسُحِب الطَّرَفُ الفَجُّ الذي ضربه سريعاً فامتُصّ من جديد في الكتلة الهُلاميّة المُقبِلة في بطءٍ لا مفرّ منه.
«غرَنتِل، ابتعد عنها!» صاح آل، وقد لاحظ كيف يذوب الفَرو في جانب وجهه. وارتاح إذ أخذ غرَنتِل بنصيحته فعلاً. وسدّد الغُنول إلى الكتلة ضربةً غاضبةً واحدةً بمِخبَطه، فتطايرت عليه رذاذاً. وبدا أنّ لها سطحاً هو ضربٌ من جلدٍ أو غِشاء، وأنّ مادّةً أشدّ سيولةً من داخلها تسرّبت حيث أخلّت ضربةُ المِخبَط بسلامة غِشاء تلك المادّة، بل بدا أنّ الحَمْأة تتدفّق مُبتعِدةً عن موضع الضربة. ثمّ تراجع الغُنول مُسرِعاً، وصدّ بتُرسه كُتلةً أخرى انطلقت نحوه منها. وشرعت الجماعة تتراجع معاً أمام تدفّق الحَمْأة المُقبِل، وراع آلَ أن يكتشف أنّ التدفّق يُغيّر وِجهته ليقصد بالضبط حيثما تحرّكوا. ولحسن الحظّ لم تبدُ سريعةً جدّاً، غير أنّهم لن يستطيعوا الفرار منها إلى ما لا نهاية. وبدَفعةٍ أخيرةٍ من الجُهد الذهنيّ، تمكّن آل من إطلاق دَفقةٍ أخيرةٍ من العنف السحريّ. فثقبت شظايا القوّة السحريّة غِشاءَ الكتلة وجعلت مزيداً من السائل الرقيق الذي في داخلها يتسرّب دَفَقاتٍ، قبل أن يلتئم الغِشاء من جديد.
«انتهى الأمر،» أعلن آل وهو ما يزال يتراجع ويهزّ رأسه محاولاً أن يُصفّيَه، «هذا تقريباً كلّ ما أقوى عليه من السِّحر الأشدّ لبعض الوقت.»
وكانت ويكووكِت ترقب في تمعُّن. «لا تقلق، سأنقذنا هذه المرّة!» وعدت، وأدّت للبِركة القاتلة تحيّةً مسرحيّةً بـعَضّاضة سو كأنّها تفتتح مُبارزة. ثمّ اندفعت نحوها، وطعنت، ووثبت إلى الوراء سريعاً قبل أن يبلغها الطَّرَفُ الزائف من الحَمْأة وهو ينطلق نحوها. وتسرّب مزيدٌ من السائل الداخليّ عبر غِشاء المادّة المثقوب. وقد صارت في هذه المرحلة أقلّ عُمقاً على نحوٍ ظاهر.
كان بيّناً أنّ الطين الحاقد قد يكون قاتلاً، لكنّه لحسن الحظّ ظلّ بطيء الحركة، ولم يُبدِ أثراً لأيّ عقلٍ أو دهاءٍ يتجاوز إحساسه الغريب بمواضعهم وهو يتدفّق نحوهم. وبالتراجع المُتأنّي، وبترك ويكووكِت تُقدّم عرضاً مسرحيّاً من البهلوانيّات القتاليّة، أخذت المادّةُ الخطرة تتناقص عبر سطحها المثقوب مرّةً بعد مرّة، حتى انهارت سلامةُ الغِشاء وانتشر ما بقي من السائل الداخليّ على الأرض وكفّ عن مطاردتهم. وكانوا قد اضطُرّوا في تلك الأثناء إلى التراجع حتى كادوا يبلغون الشبكة حيث ما زال فَخْذة ينتظرهم، وكانت قد سالت صاعدةً على الدَّرَج في إثرهم.
وكانت أبخرةُ الخَلّ والبصل قد صارت مُزعِجةً في هذه المرحلة، غير أنّها لم تبدُ مُلحِقةً ضرراً بيّناً. وطلب آل من غرَنتِل أن يجرّ أحد الغوبلن القتلى ويدفعه في السائل الباقي على الأرض ليتيقّنوا ألّا يحدث شيءٌ جَلَل. ولمّا بدا أنّ السائل الداخليّ للحَمْأة لن يُذيب الغوبلن إذابةً مُروِّعة، خطوا بحذرٍ عبر النَّزْر اليسير الذي بقي منه، وعادوا أدراجهم في الرِّواق.
وتفحّصت ويكووكِت الطريق بعنايةٍ وهم سائرون، فلم تجد مزيداً من الأخطار قبل أن يبلغوا آخر الرِّواق. ولم يبقَ في الجدار هنا صِبغٌ ولا نقشٌ يُتبيَّن، وبدا أنّ عوامل التعرية قد نالت منه نَيْلاً شديداً، ولعلّ الحَمْأة الحمضيّة هي التي أذابت سطح الجدار، على ما خمّن آل. ولحسن الحظّ أنّ ذلك الضرر نفسه في الجدار قد أكل الشقّ الذي أُخفِيَ فيه بابٌ هناك، فصار موضعه ظاهراً. ووجدت ويكووكِت الآليّة الخفيّة التي تفتح مِزلاجه، فانفتح الباب إلى الداخل. ولاستياء آل وحماس ويكووكِت المُتردِّد، خرج الموتى الغاضبون من الباب المفتوح ليُواجهوهم.
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion