Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 62
«هُنك لوكُم ستاتيم ديسكيديه!» طالب الجنودُ الأشباحُ الأربعةُ بصوتٍ واحد، وقد استلّوا سيوفَهم الشبحيّة بتناسقٍ محترفٍ معاً، ووقفوا في وجه الباب المفتوح. كانوا جميعاً محاربين من الإلف، يلبسون دروعاً على الطراز الإلفيّ القديم. أمسكوا أسلحتَهم متأهّبين، لا يُهدّدون في الحال، لكنّهم يُبيّنون أنّ في وسعهم أن يصيروا تهديداً عند أدنى استفزاز. لم يكن آل واثقاً من أنّ تلك النِّصالَ اللامادّيّة قادرةٌ فعلاً على إيذاء الأحياء ذوي الأجساد، لكنّه لم يرَ من الحكمة أن يكتشف ذلك. علّق صولجانَه بعنايةٍ تحت ردائه من جديد، ورفع كفَّه مبسوطةً، يقصد أن يُظهر أنّه لم يأتِ للقتال. وأنزل المشعلَ الذي في يده الأخرى ليسدَّ الطريقَ على ويكووكِت، فقد كانت قد استلّت خِنجرَها مرّةً أخرى.
«فكرةٌ سديدة،» اعترفت، «لستُ واثقةً من أنّي أستطيع طعنَهم أربعتَهم قبل أن ينالوا منّا.»
«مرحباً،» قال آل للجنود الأشباح المتجهّمين على مَهَل، «آسف، لكنّي لا أتكلّم الإلفيّة. أُه... جئنا بأزهارٍ للبطل الذي هنا. داريوس؟»
«نيهيل نيغوتي هابيس كوم داريو! هُنك لوكُم ستاتيم ديسكيديه!» أصرّ الشَّبَحُ الواقفُ مباشرةً أمام المدخل.
«انظروا، ليس معنا إلّا هذا القُربانُ من الأزهار من أهل القرية،» حاول آل، وإن كان يفترض أنّهم لا يفهمونه أكثر ممّا يفهمهم هو. «بوته، اثبُتْ لحظةً، دَعْني أُخرج الأزهار.»
أخرج آل الأزهارَ من حقيبة بوته. بدت صامدةً بما فيه الكفاية. رفعها آل ليراها الإلفُ الأشباح.
«لينغوام نوستْرام نون إنتيلِّغونت،» نادى صوتٌ آمرٌ من وراء المدخل. «لوكوار آد إيوس، إنتْرويره بيرميتّيته.»
أيّاً كان معنى ذلك، فقد استجاب الحُرّاسُ الأشباحُ في الحال، فتراجعوا عن المدخل واصطفّوا اثنين اثنين على جانبَيه.
«ستَمثُلون بين يديَّ ههنا، في مَثوى راحتي. ادخلوا،» ناداهم الصوتُ حينئذٍ.
«ممنوعٌ الطعن!» همس آل لويكووكِت، وحاول أن يبتسم ابتسامةً ودودةً للأشباح الواقفين في وضع الاستعداد بجانب الباب. اعتدل واقفاً، وسار إلى المدخل بالطريقة التي تعلّمها في الجيش، راجياً أن يُرى ذلك احتراماً. لم يتحرّك الحرّاس، بل ظلّوا يُحدّقون بصرامةٍ يحرسون الرِّواق. توقّف آل عند المدخل واستدار بأدقّ ما استطاع من الانضباط، لينظر إلى رفاقه خلفه وقد تبعوه. أمّا الحارسُ الشَّبَحُ الذي توقّف غرَنتِل ليشُمَّه بفضول، فربّما بدت عليه لمحةٌ خفيفةٌ من الاشمئزاز، لكنّه بقي في وضع الاستعداد. احترافيّةٌ عالية، قدّر آل. ثمّ دفع الباب حتى انفتح تماماً، ودخل.
كانت الغرفةُ صورةً مِرآتيّةً للترتيب الذي رأوه في قبر أيميليا، ناقصاً الحُفرةَ المنقورةَ في الأرض. الشكلُ المنحوت على غطاء الناووس كان مفتولَ العضلات بمقاييس الإلف، بسيفٍ طويلٍ على خاصرته، ودرعِ صدر، ويحمل خُوذةً ذات عُرفٍ عالٍ. أمّا الشكلُ الشفيفُ الواقفُ منتصباً فوق غطاء الناووس يُراقب دخولَ رفقة المغامرين، فكان هو نفسه بلا شكّ، غير أنّه كان يلبس الخوذةَ فعلاً. أثار دخولُ غرَنتِل رمشةَ استنكارٍ من روح داريوس، لكنّه بخلاف ذلك انتظر بهيئة الآمر المتسلّط حتى وقف الأربعةُ جميعاً أمامه. ولمّا لم يكن آل يدري ما الأصولُ المتّبعةُ ههنا، أدّى التحيّة العسكريّة.
«تجيئون معكم بوحشِ نهبٍ وتدمير، ومع ذلك لا تبدون كاللصوص ولا كمُدنّسي القبور. فما شأنُكم بداريوس؟»
أدّى آل التحيّةَ ثانيةً، بشيءٍ من الارتباك. «أُه، نعم يا سيّدي، قال أهلُ قرية بذرة اللفت إنّهم قصّروا في تقديم الأزهار، وطلبوا منّا أن نحمل إليك بعضَها. نحن قطعاً لسنا نبّاشي قبور. يا سيّدي.»
«أرى أنّ واحدةً منكم،» قال ناظراً إلى ويكووكِت، «تحمل الآن حِرْزَ أيميليا الذي كان يستقرّ يوماً على عُنقها الجميل.»
ابتسمت ويكووكِت ابتسامةً عريضةً، ورفعت الحِرْزَ في طرف سلسلته بفخرٍ لتُظهره. «صرنا صديقتين!» قالت.
«أُه، أُه، أَعِدُك أنّنا لم نسرقه. أُه، يا سيّدي،» تدخّل آل مسرعاً.
«روحُ أيميليا باقيةٌ وادعة. هي أعطتْه لكم. وإذ حكمَتْ بأنّكم أهلٌ له، فكذلك يجب أن أحكم أنا.» أدار البطلُ الشَّبَحُ رأسَه ليتفقّد المغامرين المجتمعين، فوقف بصرُه على الغُنول بشكٍّ ظاهر. «مَن أنتم الواقفون أمام داريوس، ومَن استحضر هذا الوحشَ السفّاح؟»
«أوه، نحن لم نستحضره. نُسمّيه غرَنتِل. أنا آل، وهذه...،» توقّف مشيراً إلى ويكووكِت، منتظراً أن تُعرّف بنفسها.
«ويكووكِت د. فليبندورفر، مغامرة، وطالبةُ إثارة، ومُسلّية، وصديقةُ الحِرْز!» أعلنت.
«وأنا بوته فيسِنغرابر، من المُتعبّدين لأسرار إنديسينا،» أعلن بوته، مع إشارة العين والأنف والأذن والفم الرسميّة. فنالت هذه ابتسامةً من روح داريوس.
«يَسُرّني أنّ عبادةَ إنديسينا باقيةٌ بين الأقوام الجُدُد. في زماني، كانت المعاركُ تُكسَب بحركة السيف والسهم، أمّا الحروبُ فبحركة المعرفة والمُؤَن. وكان سُعاةُ إنديسينا لا غِنى عنهم.»
«ذاك دأبُنا أبداً،» أجاب بوته، «ومن أجله حضورُنا هنا اليوم. جئنا لنحرص على أن تصلَك رسالة.»
رفع آل الأزهارَ ليُعاينها الشبح. ركع روحُ داريوس على غطاء الناووس ليفحصها، ثمّ خلع خوذتَه ببطء. فتلاشت وهو يُسقطها.
«طال ارتباطي بهذه الأرض، حاميها منذ آلاف المواسم. ما توقّعتُ يوماً أن واجبي قد يتمّ. ومع ذلك، ها أنا الآن أُعفى منه، بهذا القُربان الأخير.»
نظر آل إلى حُزمة الأزهار. «قال القرويّون إنّهم كانوا يجلبون الأزهار إلى هنا بانتظام. فلِمَ تعني هذه أنّك انتهيت؟»
«أضاعَ الزمنُ لغةَ الزهور؟ انظرْ ههنا، هذه الأزهار...،» بدأ داريوس، ومضى في محاضرةٍ وجيزةٍ عن المعاني المزعومة التي تحملها الأزهارُ المختلفة ونِسَبُها في الحُزمة. «...وهي تدلّ على الامتنان، وهذه تدلّ على الفِراق، وحين تُجمَع مع...»
أصغى آل بأقصى ما استطاع، لكن بدا أنّ في الأمر كثيراً من الفروق الرقيقة التي لعلّ الإلفَ وحدهم يملكون صبراً لتعلّمها. غير أنّه ظنّ أنّه فهمها فهماً كافياً.
«إذن،» سأل في النهاية ليتأكّد، «حُزمةُ الأزهار هذه تقول، في جوهرها: شكراً لك على خدمتك، لقد وجدنا بديلاً عنك، أنت حرٌّ في الذهاب؟»
«يفتقر ذلك إلى كثيرٍ من الرِّقّة، لكنّه دقيقٌ بما يكفي. والآن، سنرحل أنا وأيميليا عن هذا العالم إلى السلام.»
بدا أنّ الروحَ ارتخت ارتياحاً. وتشقّق حجرٌ من حجارة الأرض.
«كم كلّفني البقاءُ ههنا جهداً في الآونة الأخيرة، ضدّ جذب المستنقعات ودفع الحامي الجديد لأهل هذه الديار. ستستردّ الأرضُ والمياهُ هذا المكانَ ليُنسى.»
تفحّص آل طويلاً، وبدا أنّه حسم أمرَه.
«رأت أيميليا أنّكم أهلٌ لأن تحتفظوا بأثرٍ من الواجبات التي تقاسمناها، فكذلك ينبغي لداريوس. أُهديكم السيفَ بورغاتيو، الذي لا تنتهي غايتُه في تدمير الفساد والخُبث بانتهاء واجباتنا. أسألكم أن تفتحوا مَثوايَ، وتأخذوا السيفَ معكم، كي لا تضيع غايتُه ههنا.»
لم يكن آل واثقاً من أنّ عليهم أن يفعلوا، لكنّ الأوامرَ أوامر. وبمساعدة الآخرين، رفع الغطاء. كانت رُفاتُ داريوس في الداخل يابسةً هيكليّةً، لكنّها سليمةٌ بخلاف ذلك. وكانت درعُ الصدر البرونزيّة ما تزال مصقولةً تعكس الضوء، ومِقبضُ سيفٍ يلمع ساطعاً في غِمدٍ فضّيٍّ بديع. فكّ آل الإبزيمَ عن الحزام باحترامٍ وسحب الغِمدَ منه. ثمّ أعاد الحزام، واستعان بالآخرين على إعادة الغطاء إلى الناووس. ابتسم شبحُ داريوس ابتسامةً رقيقة.
«والآن تمّ آخرُ واجباتنا،» قال، ثمّ نادى بصوتٍ آمر: «ميليتيس، ميسّا إست!»
«ثمّة أمرٌ آخر نودّ أن نسألك إيّاه قبل رحيلك،» قال بوته، «وجدنا المكتبةَ الصغيرة في المعبد. أنأخذ الكتاباتِ معنا؟»
«لا شأنَ لي بذلك، لكنّي أحسب أنّ الكهنةَ يسرّهم ألّا يلتهم المستنقعُ المعرفة. لكن عليكم أن تُسرعوا. فما إن نغادر هذا المكان حتى لا تعود قوّتُنا تحفظه، وسيبدأ مَثوى رُفاتنا الفانية التي لا حاجةَ بنا إليها في الانهيار وشيكاً. وداعاً أيّها السُّعاة.»
«نَمْ قريرَ العين،» قال له بوته برفق، ثمّ استدار ليمضي.
«إلى اللقاء!» قالت ويكووكِت ملوّحةً بمرح.
أمّا غرَنتِل فاكتفى بنَخْرة.
«نعم، شكراً على السيف وعلى كلّ شيء،» قال آل أخيراً. ثمّ تذكّر ما كان يلحّ على ذهنه، بينما بدأ روحُ داريوس يهبط ليضطجع في الناووس مع رُفاته الفانية.
«مهلاً! لماذا سألتَنا مَن استحضر غرَنتِل؟ أمِن هناك يأتون؟ أيجلبهم أحدٌ إلى هنا بالسحر؟» تلفّظ بها مسرعاً قبل أن يختفي الشبح. كان شبحُ داريوس قد أخذ يتلاشى عن النظر، لكنّه توقّف.
«من العدم جاءت الوحوش، وإن لم تُقتَل، إلى العدم عادت. وقد اكتشفنا مرّةً طائفةً من الفاسدين كانت على صلةٍ بها بطريقةٍ ما. فلمّا اجتُثُّوا وقُتلوا، لم تعد الوحوشُ تظهر. وقدّر علماؤنا أنّهم كانوا يستدعونها بوسيلةٍ خارقة. هذا كلّ ما أعلم.»
«أوه، حسناً، هذا أكثر ممّا كنت أعلم، شكراً. قُلْ، أعندك أيُّ نصائح في استعمال السيف؟ فأنا في الحقيقة ليس لي به أيُّ تمرّس...»
لكنّ داريوس كان قد ذهب، ولم يُجب. تنهّد آل.
«حسناً، شكراً على أيّ حال.»
تشقّق حجرٌ من حجارة الجدار، فتناثرت بضعُ شظايا حجريّةٍ على الأرض.
«هيّا نُسرع ونخرج من هنا، لا يُعجبني وقعُ كلمة وشيكاً.»
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion