Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 72
«كيف لا فكرةَ لديك، وقد كنتَ تتصرّف وكأنّك ضالعٌ في هذا الأمر أيّاً كان!» اعترض آل.
«ليس الأمر بذي صعوبة، فما أكثرَ الحكايات عن المؤامرات الغامضة! ومتى عرفتَ كيف يجري الحوار عادةً، أمكنك أن تُجاريَه ببساطة!»
«وأنتَ؟» سأل آل مُلتفِتاً إلى بوته، «حين أعطيتَه تلك الإشارة الدالّة على دعوتك الدينيّة، ارتخى. هل تعرف أنتَ شيئاً عن هذا؟»
«لا شيءَ البتّة، حتّى اللحظة. غير أنّ ثمّة خُططاً سرّيّةً تجري هنا بجلاء، فوجودُ امرئٍ مثلي في خدمة إله الخُطَط والمكائد والأسرار والمؤامرات أمرٌ طبيعيّ. وإنّي لعلى إيمانٍ بأنّ لنا أن نكون هنا، وإن لم نكن ندري بذلك.»
«هل يرى أحدٌ غيري هنا أنّ هذا خَطِرٌ وأنّه ما ينبغي لنا أن نُقدِم عليه؟ ينبغي لنا على الأقلّ أن نعترف للرجل بأنّنا لا نعلم عمّا يتحدّث، حتّى...»
«إيّاك أن تجرؤ!» قاطعته ويكووكِت، «هذا أكثرُ ما حدث لنا إثارةً للفضول منذ بدأنا، فإيّاك أن تجرؤ على إفساده قبل أن تُتاح لنا فرصةُ أن نلعب الدور ونرى إلى أين يمضي! ثمّ إنّه قد ظفر لنا بعملٍ سلفاً، وإذا نظرتَ إلى حجم المال الذي لا بدّ أنّ الناس يُمرّرونه عبر مِغطَس الجحيم كلّ يوم، فإنّي أراهن أنّ الأجر ممتاز! بل يبدو أنّنا سنعثر حتّى على ذلك الكتاب الذي تريده لتشرع في استحضار الشياطين وتُطيح بالنبالة!»
«لستُ أنوي ذلك!... كلّ ما أحتاج إليه أن أستحضر روحاً شيطانيّةً صغيرة، مجرّد كائنٍ ضعيفٍ أربطه بنفسي وآمره أن يفعل أشياء، فأدرسه وأتعلّم المزيد عن كيفيّة عمل الأنواع الخطِرة. ولستُ ذاهباً لأفتح أبواب بانديمونيوم وأُغرِق العالم بالشرّ كشرّيرٍ من شرّيري مسرح العرائس الرخيص أو ما شابه!»
«لا تيأس بهذه السرعة، فأنا أرى أنّ الإطاحةَ على يد شرّيرٍ من مسرح عرائسٍ رخيصٍ تليق بالنبالة تماماً! حسناً، ربّما باستثناء قِلّةٍ أعجبهم أدائي، على ما أظنّ.»
عادوا إلى غرفتهم. فنزع آل أحزمته، ولبس قميصه، وارتدى سرواله، ثمّ ألقى المِنشفة جانباً في آخر الأمر. وتلفّت حوله فوجد أنّ الجميع قد فرغوا من ارتداء ثيابهم بينما كان ذاهلاً عنهم، إلّا غرَنتِل الذي لم يكن قطّ أوفرَ لِبساً ممّا كان عليه أصلاً. وحاول آل أن يتجاهل نظراتهم النافدة الصبر وهو يُعيد إحكام كلّ إبزيمٍ في موضعه.
«لا أدري ما يريده بقيّتكم، أمّا أنا فأريد أن آكل شيئاً، ثمّ أرى إن كان أحدٌ هنا يبيع لوازم الكتابة واللوازم السحريّة، فأُتِمَّ تجهيز تجاربي في توليد النار،» اقترح آل.
وكان غرَنتِل قد أخذ يُسيل لُعابه على الأرض قبل أن يفرغ آل من كلامه، فانطلقوا خارجين.
ولم يضلّوا الطريق إلّا مرّةً واحدةً وهم يلتمسون مَخرجاً من المبنى المركزيّ الضخم إلى الشارع الرئيس. وبعد أن تراجعوا عبر بضعة أروقة، أفلحوا في العثور على مَخرجٍ، وخرجوا إلى صخب السوق المُستيقِظ. وتَبِعوا أنفَ غرَنتِل، فمرّوا بعرباتٍ تبيع الفطائر والأخباز والمُعجّنات، حتّى بلغوا بائعاً يبيع نقانقَ مُدخّنةً ملفوفةً بلحم الخنزير المُقدَّد. وفي رأي آل أنّها كانت أغلى بكثيرٍ ممّا ينبغي، لكنّها كانت، باعترافه، لذيذةً جدّاً.
«حسناً، أظنّني رأيتُ صيدليّةً صغيرةً في واجهتها شيءٌ من الحبر والأوراق حين اقتادونا من هنا أمس. سأذهب لأرى إن كان بوسعي الحصول على ما أحتاج إليه من لوازم. هل يودّ أحدٌ مرافقتي؟»
«لا أدري، هل يصنعون شيئاً ينفجر أو يُطلِق ومضاتٍ من الألوان الزاهية؟» سألت ويكووكِت مُرتابةً، «مع كلّ هؤلاء الأثرياء الذين يجولون هنا، أتصوّر أنّه ليس عندهم إلّا أشياءُ آمِنةٌ مُملّة، لئلّا يُفزِعوا النبلاء الرقيقين.»
«لن أُخالفك في هذا الافتراض، لكن قد يكون عندهم مع ذلك ما أحتاج إليه فعلاً.»
«مهما بلغت الأحبار والأوراق من الإثارة، ولا شكّ عندي في ذلك،» قالت ويكووكِت، «أظنّ أنّ بعضنا يُفضّل أن يرى ما الذي يبيعه الناس أيضاً في هذه الأنحاء. أليس كذلك يا غرَنتِل؟»
فأمعن الغُنول في الأمر شيئاً من التفكير، ثمّ هَمْهَم.
«وماذا عنك يا بوته؟» سأل آل.
«أرى أن أُخصِّص بعض الوقت لزيارة المؤسّسات الدينيّة هنا، وأنظر إن كان ثمّة ما ينبغي لي أن أعلمه أو أفعله.»
«حسناً إذاً. ما رأيكم أن نلتقيَ في غرفتنا حين نفرغ. سأرى فحسب إن كان بوسعي الحصول على ما أحتاجه من لوازم، ثمّ أعود إلى تجاربي. عودوا فقط في الوقت المناسب لنبلغ موعد العشاء الغامض،» اقترح آل، «آه، وتذكّروا، سيحلّ بكم شيءٌ سيّئٌ على الأرجح إن تعمّدتم إيذاء أحد، فحاولوا ألّا تعبثوا بالنبلاء من فضلكم.»
فتصنّعت ويكووكِت ذُهولاً مُبالَغاً فيه. «أنا؟ عجباً، ما كنتُ لأفعل شيئاً كهذا! سنكتفي أنا وغرَنتِل باستكشاف البضائع الفاخرة المُتاحة للعامّة هنا، ظاهرَينِ للعِيان أمام كثيرٍ من الناس الذين لن نتعرّض لهم بأذىً البتّة. وإن لم يُعجِبهم وجودنا هناك فتلك مشكلتهم وحدهم. أليس كذلك يا غرَنتِل؟»
وتجاهلت النظرة الحائرة التي رماها الغُنول بها. «تماماً. سنراكما لاحقاً!» أعلنت لآل وبوته، ثمّ ضيّقت عينيها في وجه غرَنتِل تحدّياً. فتقرفص الغُنول، وضيّق عينيه مُبادِلاً إيّاها النظر.
ثمّ انطلقت ويكووكِت عَدْواً، وطاردها غرَنتِل، وسرعان ما اختفى الاثنان في زُقاق. فهزّ آل رأسه، وأومأ لبوته ثمّ استدار ومضى في الشارع، يتفحّص الحوانيت بحثاً عن الصيدليّة التي كان قد رآها.
كان الشارع الرئيس كلّه هَرْجاً من التجارة. فإلى جانب باعة الطعام الجوّالين الذين يحملون بضائعهم أو يدفعونها على العربات، كانت المباني على جانبَي الشارع كلّها حوانيتَ تبيع صنوف البضائع والخدمات. ولم يبدُ أنّ ثمّة نظاماً بعينه يحكم ترتيبها؛ فقد لمح آل عرّافاً إلى جانب متجر مجوهرات، يليه مكتب محامٍ، يليه بيت قِمار، يليه صالون تدليك. ثمّ جاء بعده متجر كتبٍ صغير، فقرّر آل أن يستطلعه.
لم تكن رفوف الكتب كثيرة، لكنّها كانت نظيفةً مُرتّبةً ترتيباً لا تشوبه شائبة. وبدا أنّ النصف الأعلى من كلّ رفٍّ يضمّ في معظمه كتباً تبحث في تواريخ الأُسر النبيلة المختلفة وسِيَر أفرادٍ بأعيانهم، إلى جانب كتبٍ في موضوعاتٍ شتّى زُعِم أنّ أفراداً من تلك الأُسر هم الذين كتبوها. أمّا الرفوف السفلى فكانت تحمل نُسَخاً كثيرةً من عدّة كتبٍ في المعارف المحلّيّة، كمُصنَّفٍ في تاريخ مِغطَس الجحيم نفسه، وكتابٍ في فولكلور المنطقة، وكتاب خرائطَ يُفصّل الجوار، وكتاب وصفاتٍ زُعِم أنّ عدداً من باعة الطعام المحلّيّين قدّموها، بل وبضع نُسَخٍ من مخاطر المُستنقَع عديم الدم.
«إن رغبتَ في تفحّص أيٍّ من الكتب، فأرجو أن ترتديَ قفّازَينِ نظيفَينِ قبل الشراء،» ناداه صوتٌ مُرتعش. فنظر آل فرأى رجلاً مُسنّاً قصيراً تحجبه جزئيّاً منضدةُ البيع التي كان يقف خلفها. كان الشيخ يلبس صُدرةً جلديّةً أنيقةً مُحكَمةَ القياس ذات جيوبٍ عديدة فوق قميصٍ نظيف، وفي يديه قفّازان من قماشٍ أبيض. ورفع فوق المنضدة زوجاً آخر من القفّازات. فتقدّم آل مُذعِناً وأخذهما. كانا فضفاضَينِ قليلاً، لكنّهما كانا على مقاسٍ يكفي للاستعمال.
«شكراً لك، كنتُ مارّاً فحسب وأحببتُ أن أرى ما عندك،» قال آل لبائع الكتب العجوز وهو يعود إلى الرفوف ويمدّ يده إلى إحدى نُسَخ مخاطر المُستنقَع عديم الدم. «هل لديك صُدفةً أيّ كتبٍ سحريّة؟»
«أتعني كتباً عن السحر، أم كتباً هي في ذاتها سحريّة؟» سأل بائع الكتب.
«آه، حسناً، أظنّني أعني كتباً عن السحر،» أجاب آل وهو يُقلّب صفحات الكتاب الذي التقطه على غير اكتراث. بدا أنّ فيه شيئاً من المعلومات التاريخيّة قرب أوّله، وإن كانت لغته من أسلوبٍ أميلَ إلى الإثارة منه إلى الحقائق. أمّا سائر الكتاب فبدا صفحاتٍ مُصوَّرةً تبحث في نبات المُستنقَع وحيوانه. وتوقّف عند رسم الأفاعي الورديّة التي صادفوها وهم يحاولون الاستراحة في الحانة المُخرَّبة. وقد سمّاها الكتاب «فرائس البَرّ». وكانت «سراخس المُستنقَع الدمويّة» في صفحةٍ أخرى.
«لا، ليس عندي حقّاً أيّ كتبٍ عن السحر،» قال بائع الكتب العجوز لآل. «حسناً، على الأرجح ليس من النوع الذي تبحث عنه. ثمّة نسخةٌ هناك من كتاب اللورد سميثرتون الأوهام الماجنة الفاضحة، وفيه استعمالاتٌ كثيرةٌ جدّاً لسحر الأوهام، لكنّه ليس عن السحر في الحقيقة.»
«لا، ليس هذا ما كنتُ أفكّر فيه،» وافقه آل. ونظر إلى شريط الرَّقّ المدسوس بين الصفحة الأخيرة والغلاف في مخاطر المُستنقَع عديم الدم، ولم يكن عليه إلّا عبارةُ «الثمن: ثلاثون ذهبيّة» مخطوطةً بحروفٍ أنيقة. فتقلّصت أساريره وأغلق الكتاب، وأعاده بعنايةٍ إلى الرفّ الذي أخذه منه. «وماذا عن الكتب التي هي سحريّة؟»
«لا، وليس عندي من تلك أيضاً.»
وكبح آل رغبةً في أن يسأل بائع الكتب لِمَ سأله أيّهما يعني ما دام لا يملك أيّاً منهما أصلاً. «آه، حسناً، إنّني أبحث تحديداً عن كتابٍ عنوانه الكائنات الأخرويّة وكيف تجعلها تدفع الثمن.»
«لا أذكر أنّني رأيتُ ذاك. تصلنا أحياناً كتبٌ سحريّةٌ من نوعٍ أو آخر في المقايضة، مع غيرها. وأنا أحفظ ما يصلنا بالمقايضة على ذلك الرفّ الخلفيّ هناك، إن أردتَ أن تنظر.»
فذهب آل يتفحّص ذلك الرفّ، فوجد مجموعةً من الموضوعات لا سبيل إلى توقّعها، بلغاتٍ مختلفةٍ وحالاتٍ متفاوتة. ولم يستهوِه شيءٌ بعينه ممّا كان يستطيع قراءته منها. فإلى جانب الأغلبيّة المكتوبة باللغة المشتركة، كانت هناك عدّة كتبٍ مكتوبةٍ بالإلفيّة، ونصٌّ قزميٌّ في تشكيل المعادن اللّيّنة كالذهب والرصاص، وآخرُ في استعمالات حجر الخفّان، بل وواحدٌ مكتوبٌ بخطٍّ مُنحنٍ مُتلوٍّ ذكّر آل بما أخبره به أحدهم مرّةً أنّه اللغة التي يستعملها الجِنّ. ثمّ عاد إلى الرفوف الأخرى وأجال بصره في أسماء الأُسر النبيلة المذكورة على الرفوف العُليا.
«لا أرى شيئاً عن أسرة وولفكِن هنا،» علّق.
«وولفكِن؟ أتعني البارون هيرن وولفكِن؟ حاكمَ الأقاليم الواقعة غرب هنا، التي تضمّ نواحي البلّوط الفضّي ونزولاً إلى الحدّ الجنوبيّ؟ آخرَ أفراد سلالته حاليّاً، ونفوذُه في البلاط في انحسار؟ ذاك وولفكِن؟»
«نعم، هو.»
«كلّا. لا كتب عنه. وكلّ سبب معرفتي هذا القدر عنه أصلاً أنّ زبائنَ آخرين قلائل جاؤوا يبحثون عن شيءٍ عنه هم أيضاً. ولعلّ هذا سببُ أنّ أسرته ليست على ما يُرام. فكلّ النبلاء الناجحين تُكتَب عنهم الكتب، ولو كتبوها بأنفسهم أو دفعوا لغيرهم ليكتبها.»
«ومن يشتري هذا الضرب من الكتب؟ يبدو أنّها ستكون... مُنمَّقةً بعض الشيء ما دام النبلاء هم الذين يستكتبونها عن أنفسهم.»
«آه، إنّها هُراءٌ خالصٌ في الحقيقة. لكنّك إن قرأتها كما ينبغي، فإنّها تُخبِرك مع ذلك بما تريده الأسرة النبيلة وما تحتاج إليه وما تحبّه وما تكرهه. وتلك معرفةٌ ثمينةٌ إن كانت لك معهم معاملات. وبطبيعة الحال يجد النبلاء في الأمر إطراءً حين يشتري أحدٌ كتبهم ليقرأ عنهم.»
وكان آل قد بدأ ينزع القفّازَينِ ليُعيدهما حين أثارت ملاحظةُ بائع الكتب فكرةً في ذهنه. فأجال بصره مرّةً أخرى في أسماء الأُسر، لكنّه لم يجد ما كان يبحث عنه.
«هل ثمّة شيءٌ عن أسرة بورغ؟» سأل آل.
«لا أعرف أسرةً نبيلةً بهذا الاسم. آه، ثمّة تاجرٌ اسمه بورغ يمرّ بنا بين الحين والآخر ليشتريَ شيئاً أو يبيعه. للرجل رأسٌ حاذقٌ في السوق، ويبدو دائماً أنّه يعرف أيّ الكتب يطلب حين يشتري، وحين يبيعني كتاباً أجد له مُشترياً بعد قليلٍ عادةً، يرضى أن يدفع فيه ربحاً وافراً. لكنّي لم أرَ قطّ أيّ كتبٍ عنه أو عن أسرته.»
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion
Join the discussionانضمّ إلى النقاش
Sign in to comment and upvote.سجّل الدخول للتعليق والتصويت.