Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 73
أعاد آل القُفّازات القماشيّة وشكر الكُتُبيَّ العجوز على ما بذله من وقت، وأخبره أنّه قد يعود. لم يكن بارعاً في السياسة ولا في نَسْج العلاقات، لكنّ ملاحظة الكُتُبيّ عمّا قد يُستفاد من سيرةٍ تملّقيّةٍ لأحد النبلاء بدَت له نصيحةً سديدة، لا سيّما أنّ أولئك هم الأميَل إلى استئجار المغامرين للأعمال الأوفر أجراً.
غادر آل دُكّان الكتب ومضى في الشارع أبعدَ فأبعد، حتّى لمح أخيراً تلك النافذة الزجاجيّة الكبيرة وعليها «وَرّاق وصيدليّ» بحروفٍ مُذهَّبة. عبَر الشارع مُتفادياً زوّاراً شتّى وبائعَ فطائرِ لحمٍ على عَجَل، ودفع باب الدُّكّان الخشبيّ. فرنّ جَرَسٌ صغيرٌ مُثبَّتٌ في باطن الباب، فنبّه المرأةَ المُتأنّقة في مُنتصَف العمر خلف طاولة البيع إلى قدومه. كانت تلبس قميصاً وقُبّعةً وسِروالاً، كلُّها بيضاءُ نظيفةٌ بلا زَخرَف. سوّت كُبّة شعرها البُنّيّ الذي خالطه الشيب فوق رأسها، وفيها ريشةُ كتابةٍ مغروزة، ثمّ رمَقت آل بفحصٍ حاسبٍ من فوق نظّارتها، بينما راح آل يُجيل بصره في الرفوف: أدواتُ كتابةٍ وأحبارٌ وأصباغٌ وألوانٌ وفَراشٍ وموادُّ تجليد، وخلف الطاولة، تشكيلةٌ صغيرة من الجُرعات.
«ستجد بضاعتنا النفعيّة هناك،» أعلمَته بلا مبالاةٍ مهذّبة، مُشيرةً نحو أقلّ أركان الدُّكّان إضاءةً.
وجد آل نفسه فُضوليّاً أكثرَ منه مُستاءً من افتراضات صاحبة الدُّكّان الفوريّة عنه. «وما الذي يجعلك تظنّين أنّي لم آتِ لشراء موادّ التذهيب؟» سألها. فحدّقت فيه مليّاً، بقدر ما يكفي لإشعاره بالحَرَج، ثمّ لانت.
«ما دمتَ تسأل بجِدٍّ على ما يبدو،» شرحت، «فسأبدأ بيديك وبما ترتديه.»
أنزل آل بصره إلى نفسه. كان يلبس أثواب سفره المُعتادة وتحتها دِرعُه الزَّرَديّة. كلُّ شيءٍ نظيفٌ سليم، خلا الشَّقّ في حذائه الأيسر من تلك اليَرَقة الحشريّة البشعة التي قاتلوها في قبر أيميليا. فقد أذابت أحماضُ هضمِ ذلك الشيء من الحذاء أكثرَ ممّا تقوى الحيلةُ السحريّة على إصلاحه. ونظر آل إلى يديه أيضاً، يُقلّبهما. كانتا نظيفتين هما الأخرى.
«يداك نظيفتان، وتبدوان لي خَشِنتين بعض الشيء، لكن ليس في المواضع التي يُمسِك فيها النَّسّاخ قلمَه أو فُرشاته. وأثوابك تُوحي بأنّك عالِمٌ أو نَسّاخ، وهي بسيطةٌ لكنّها حسنةُ العناية، وذلك مع حال يديك يُشير إلى أنّ في حياتك من العمل اليدويّ أكثرَ ممّا في حياة قارئٍ أو كاتبٍ مُتفرِّغ، وإلى أنّك على الأرجح لست ثريّاً. والدِّرع الزَّرَديّة التي أراها عليك تُشير إلى أنّك تحسِب حساباً لخطرٍ قد يُصيبك. أمّا السيف الذي تتقلّده فيبدو شيئاً أرفعَ ترفاً من سائر هيئتك بكثير، فأتوقّع أنّه هديّة، أو لعلّه إرثٌ عائليٌّ قديم. وأنت لا تجهد في إخفائه، لكنّي لا أظنّك تسعى إلى إبهار الناس به أيضاً. فمن خبرتي، مَن يُريد التباهي بسيفه يميل إلى إسناد يديه إليه، أو إلى تعديل موضع الحِزام أو الغِمد لا شعوريّاً وبتكرارٍ يجذب الأنظار.»
«ثمّ ينبغي أن ننظر كذلك في سلوكك الظاهر،» تابعت صاحبة الدُّكّان، «رأيتك تعبُر الشارع، ويبدو أنّ لديك من الوعي بما حولك أكثرَ ممّا يُتوقَّع ممّن يجلس إلى مكتبٍ يقرأ ويكتب في هدوءٍ طوال نهاره. ومع ذلك، لمّا دخلتَ لاحظتني أوّلاً، ثمّ قوارير الأحبار والأصباغ، ثمّ الدفاتر البيضاء وأدوات الكتابة، قبل الأدوية التي خلف الطاولة، فمن الجليّ إذن أنّ لك بالكتابة إلماماً واهتماماً. وأستنتج أنّك على الأرجح ابنٌ غيرُ شرعيٍّ لأحد النبلاء لكنّه مُقرَّبٌ إليه، مُنِح تعليماً يُتيح له أن يعيش نَسّاخاً، غير أنّه يتلقّى اليوم من المُخصَّصات ما يُغنيه عن ذلك في أغلب الأحيان، ولعلّ مالك أوشك أن ينفد فاحتجتَ إلى عملٍ بسيطٍ أو عملين لتُنعِشه، ومن هنا حاجتك إلى أدوات كتابةٍ أقلَّ ترفاً وأرخص ثمناً. وأحسِبك قد تكون أيضاً واحداً من أولئك المغامرين، مُتنكِّراً في هيئة عالِمٍ أو نَسّاخ. لكن لو كان الأمر كذلك، فلماذا تكون هنا في أقصى الجنوب بدل الشمال الشرقيّ حيث تجري اليوم أوفرُ أعمال المغامرة رِبحاً؟»
احتاج آل لحظاتٍ ليهضم ذلك السَّيل الطويل من الملاحظات والاستنتاجات. ثمّ ضحك ضحكةً خافتة.
«حسنٌ، أنتِ مُحقّةٌ جزئيّاً على الأقلّ. لا أقضي كلّ وقتي في فنّ السِّحر، فأنا محاربٌ أيضاً. والسيف هو ضربٌ من الهديّة في الحقيقة، وأنتِ مُحقّة، أبحث عن أدوات كتابةٍ أساسيّةٍ لتجاربَ سحريّةٍ أشتغل عليها.»
«ساحرٌ يحمل سيفاً؟»
«لقد قضيتُ سنةً في الجيش، ولستُ ساحراً وحسب. وقد امتهنت رِفقتي المغامرة قبل أسابيعَ قليلةٍ لا غير.»
«إن كنتَ مغامراً، فلماذا أنت في أبعد نقطةٍ ممكنةٍ عن الإقليم الذي فيه أكثرُ أعمال المغامرة؟»
«حسنٌ، نحن جُدُدٌ في هذا إلى حدٍّ بعيد، فارتأينا أن نبدأ هنا في الجنوب حيث المنافسة أقلّ. وإذ لا يكاد يوجد مغامرٌ عاملٌ في المنطقة، صار في وُسعنا أن نختار من الأعمال المُتاحة ما نشاء تقريباً، فنبدأ بما يبدو منها أقلَّ خطراً. الأجر ليس عالياً دائماً، لكنّه يكسبنا شيئاً من الخِبرة وسبيلاً إلى بناء سُمعةٍ قبل أن نصعد لنُزاحم على أعمال الأثرياء.»
أومأت صاحبة الدُّكّان ببطء. «حصيف. أنت غيرُ مألوفٍ إلى حدٍّ بعيد، وقلّما أُخطئ في تقدير الناس. فما الذي يجيء بك إلى منتجعٍ فاخرٍ كمِغطَس الجحيم؟»
«الحاجة إلى الاستحمام، بصراحة. فعملُنا الأخير صار... إيه... شديدَ القَذارة. وإن كنتُ أسمع أنّ ثَمّةَ عملاً ينتظر هنا أيضاً، ولعلّنا نبقى لنُنجِزه.»
«هنا؟ حدّثني.»
«لا أدري أيُفترَض أن يكون سرّاً أم لا، لكنّهم لم يقولوا ذلك. يبدو أنّ مِغطَس الجحيم يريد التوسّع للاستيلاء على أطلالٍ إلفيّةٍ قديمةٍ جنوبيَّ هنا.»
اتّسعت عينا صاحبة الدُّكّان، ومالت إلى الأمام تهمس هَمْسَ المُتآمرين.
«يقولون إنّ في تلك الأطلال شيئاً تعِساً. وقد سمعته بنفسي مرّة. أخرج أحياناً إلى حافّة المُستنقَع لأجمع بنفسي بعض الموادّ الخام لأدويتي وأحباري، وأخرج ليلاً حين تكون سراخس المُستنقَع الدمويّة أقلَّ نشاطاً. سمعت صوتاً من بعيد، كأنّ أحداً يصرخ صُراخاً بلا كلماتٍ من غيظٍ ويأس، من تلك الجهة.»
«هذا أكثرُ قليلاً ممّا كنتُ أعرفه قبل أن أدخل، فشكراً لكِ على ذلك.»
«اشكرني بأن تُعيد شيئاً من مال المُكافأة إلى دُكّاني فتدفع ثمناً كاملاً لبعض الموادّ. أمّا اليوم وحده، فسأمنحك حَسْماً، فلعلّ ما تشتغل عليه يُعينك على النجاة.»
وفي النهاية دفع آل، رغم ذلك، أكثرَ ممّا اعتاد ثمناً لمُؤَنٍ من الحِبر والورق، لكنّه كان على الأقلّ حَسْماً عن الأسعار المُثبَتة.
وبينما كان يحزم ما اشتراه، خطرت لآل فكرة.
«أتشترين موادَّ خيميائيّةً أحياناً بدل أن تجديها بنفسك؟» سألها.
«أحياناً. ثَمّةَ أشياءُ يشقّ عليّ إنتاجها أو جَنيُها بنفسي، بالكمّيّات التي أحتاجها على الأقلّ. أعندك شيءٌ قد أحتاجه؟»
«الخَلّ مادّةٌ شائعةٌ في العمليّات الخيميائيّة، أليس كذلك؟»
«بلى، لكنّه ليس نادراً ولا عسيرَ المنال بالضبط.»
«وماذا عن الخَلّ الفُسفوريّ؟ أذاك نافع؟»
«لم أسمع بمثل هذا قطّ. كم عندك منه، وأين وجدته؟»
«كان ثَمّةَ برميلُ خمرٍ مملوءٌ به في قبو حانةٍ مهجورةٍ صادفناها في منتصف الطريق تقريباً عبر المُستنقَع عديم الدم قادمين من بذرة اللفت.»
ورأى آل الشكّ بادياً على وجه صاحبة الدُّكّان. «أجل، أعرف، لا أحد يقصد بذرة اللفت،» قال لها، «فالمكان لا يريد زوّاراً حقّاً، لكنّه كان قريباً ولم تكن على العمل منافسة. وكراهيتنا للعودة إلى بذرة اللفت بعد أن فرغنا هي ما جعلنا نتبع لافتات الطريق القديمة إلى مِغطَس الجحيم عبر المُستنقَع. وكان بجانب الطريق مبنى حانةٍ قديمةٍ مهجورة، ومن الأشياء القليلة التي تُرِكت فيها ذلك البرميل من الخَلّ ذي التوهّج المُزرَقّ المُخضَرّ.»
وخُيِّل إلى آل أنّه لمح ومضةَ اهتمامٍ في ملامح صاحبة الدُّكّان للحظةٍ لا غير. «وما رائحته أو مذاقه؟» سألته.
«كأيّ خَلٍّ آخرَ في معظمه، حقّاً، وكان حادّاً إلى حدٍّ بعيد. وعلى ما أذكر، ربّما كان فيه أثرٌ خفيفٌ من الفُطر ومن رائحة التراب بعد المطر. وقد استعملنا شيئاً يسيراً منه في حساء، لكنّي لا أستطيع أن أضمن أنّه غيرُ سامّ، إذ كان يحمينا تأثيرٌ إلهيٌّ تحسّباً لأن يكون كذلك.»
«حسنٌ، يبدو ذلك مُثيراً للاهتمام على الأقلّ. وقد أُفيد من مثل هذا الشيء. سيلزمني فحصه أوّلاً بطبيعة الحال، لكن إن كان عندك حقّاً برميلٌ يكاد يمتلئ به وله الخواصّ التي تصفها، فأحسِبني أستطيع أن أدفع عشري...» بدأت صاحبة الدُّكّان تقول، ثمّ تأوّهت وأغمضت عينيها وضغطت بيدها على رأسها.
«أأنتِ بخير؟» سأل آل بشيءٍ من القلق.
«بخير، بخير. كما كنتُ أقول... خمسون...،» توقّفت صاحبة الدُّكّان، ثمّ فتحت عينيها وأنزلت يدها إذ زال عنها ما ألمّ بها من وَعكةٍ عابرة. «خمسون قطعةً ذهبيّة، إن استوفى معاييري.»
«سأُحضِره غداً للفحص إذن، شكراً لكِ،» قال آل، مُجتهداً ألّا يُظهِر أنّ هذا أكثر ممّا كان يتوقّع أن ينال به.
وتصافحا إبراماً غيرَ رسميٍّ للصفقة، وعاد آل إلى مبنى مِغطَس الجحيم الرئيس على أمل أن يهتدي إلى غرفتهم من جديد، وقد أفلح في ذلك بانعطافةٍ خاطئةٍ واحدةٍ لا غير في رِواقٍ جانبيّ.
وأتمّ ملاحظاته الأوّليّة عن كيفيّة استحضار دَفقةِ لهبٍ سحريّاً. وكان قد أوغل في المسألة الأكثر تقدّماً، وهي كيف يُضيف خواصّ النار إلى نِبال العنف السحريّ الخالص التي يعرف استحضارها أصلاً، حين عاد بوته.
«يبدو أنّ مهمّتك إلى العالم الخارجيّ قد كُلِّلت بالنجاح،» لاحظ القزم، بينما كان آل يُركّز في محاولة نَقْش مُركَّبٍ من الطلاسم السحريّة في رُكنٍ من ورقة.
«أجل، أظنّ ذلك. آه، ها هو. يبدو صحيحاً،» قال واضعاً مِخَطّه. «وقد عرضت الصيدلانيّة أن تشتري ربّما ذلك البرميل من الخَلّ المُتوهِّج الذي وجدناه بمبلغٍ لا بأس به من المال أيضاً، فعليّ أن أُحضِره غداً. وإن لم يكن غيرُ ذلك، فينبغي أن يُغطّي ما يُكلّفنا المُقام هنا أيّاماً قليلةً إن هي فعلت.»
«وفي هذا الشأن، أستطيع أن أُضيف مزيداً من الأخبار السارّة. ثَمّةَ معبدٌ محلّيٌّ هنا مُكرَّسٌ لبرايلكتيا وميركاتور. وقد امتنّوا كثيراً إذ سمعوا بالنصوص التي أنقذناها من القبر الوشيك الانهيار. وعرضوا مُكافأةً وافرةً إن نحن ائتمنّاهم على النصوص. ولم أُوافق بعد، لكنّي أفترض أنّ هذا سيكون مقبولاً،» أفاد بوته.
«لا أُمانع البتّة، فأنا لا أقرأ الإلفيّة على أيّة حال، وأُوثِر أن تذهب إلى من يعتني بها. ونحن في حاجةٍ إلى المال قطعاً. وأتساءل كيف حال ويكووكِت وغرَنتِل في الخارج. أرجو ألّا يتسبّبا في طردنا أو ما شابه.»
«كلاهما أدّى القَسَم، فسيعسُر عليهما فِعلُ شيءٍ ضارٍّ حقّاً عن قصد، على الأقلّ. وآخرُ مرّةٍ لمحتهما فيها، كانا يتطاردان في أرجاء القرية. وبدا أنّهما يُصيبهما شيءٌ من الضِّيق حين يفعلان ذلك قريباً أكثرَ من اللازم من سائر الزوّار، فأتصوّر أنّهما سيلزمان الآن مسافةً آمنةً يستطيعان فيها إزعاج النُّبلاء دون نَكْث القَسَم.»
«إن وجدتُ مكاناً آمناً لأُجرّبه، فلعلّي أصرفها عن ثأرها بُرهةً، وأحملها على الكفّ عن إلحاحها عليّ بشأن قَذْف النار السحريّة من أصابعي.»
«نجاحٌ إذن؟» سأل بوته.
«أظنّ ذلك. لكنّي لن أعرف يقيناً حتّى أُجرّبه.»
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion
Join the discussionانضمّ إلى النقاش
Sign in to comment and upvote.سجّل الدخول للتعليق والتصويت.