Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 75
فتح الساقي الباب للمغامرين الأربعة، فانكشف أنّ ما عسى أن يكون قد وُجِد يوماً من أثاث غرفة النوم قد نُقِل عنها، وأنّ ثمّة الآن مائدةً مستطيلةً تُحيط بها الكراسي. كان سايرَس بورغ جالساً في أقصى طرف المائدة وأمامه صحنٌ فارغ وكأسُ نبيذٍ وجَرَسٌ يدويّ. وقد وُضِعت كؤوسُ النبيذ والصحون أمام الكراسي الأربعة الأخرى. وعاد الساقي أدراجه نازلاً السلّم بينما تقدّمت ويكووكِت سائرَ الرُّفقة إلى داخل الغرفة. ورفع سايرَس حاجبه حين دخل غرَنتِل في إثر الجميع.
«إنّي مُعجَبٌ أشدّ الإعجاب،» قال سايرَس لآل، «كم يسعُك أن تُبقيَه على هذه الحال؟ بلغني أنّ الإبقاء على تحوُّلٍ مدّةً طويلةً يستلزم قَدْراً كبيراً من الطاقة السحريّة.»
«أوه، ليس بالقَدْر الذي تظنّه،» قال آل وفي صوته شيءٌ من التوتّر، وهو يأخذ مجلسه. وجلس بوته وويكووكِت عن يمينه، بينما أزاح غرَنتِل الكرسيّ جانباً وجَثَم إلى المائدة عن يسار آل. ومدّ سايرَس يده إلى جيبٍ ما تحت قميصه الأبيض المُذهَّب، فأخرج نظّارةً أُحاديّةً مُعلَّقةً في طرف سلسلةٍ فضّيّة. وضع العدسة ذات الإطار الذهبيّ أمام عينه اليمنى، ومسح بإصبعه في رِفقٍ حول حافّتها، وقد لحظ آل أنّ فيها طلاسمَ سحريّةً مُعقَّدةً محفورة. ولا بدّ أنّ سايرَس رأى آل وهو يتشنّج ويرفع يده مُدافِعاً.
«شديدُ الملاحظة،» قال سايرَس لآل بهدوءٍ وابتسامةٍ صغيرة، «لكن لا تقلق، هذا غير ضارّ، إنّما أنا أنظر فحسب.» ثمّ نطق في خفوتٍ بعبارةٍ ذكّرت آل بجزءٍ من طقس استبصار السحر عنده. أغمض سايرَس عينه اليسرى وحدّق في ويكووكِت من خلال عدسة النظّارة الأُحاديّة. ومرّت بآل لحظةً خواطرُ غير كريمةٍ في حقّ ما يُركِّز عليه سايرَس، قبل أن يُدرِك أنّه ينظر إلى الموضع الذي تلبس فيه ويكووكِت حِرْز أيميليا الواقي. ثمّ انحدر بصره إلى حيث خِنجرها. وبعد لحظةٍ انتقل إلى بوته، وبدا أنّ وِركه الأيمن يستأثر بشيءٍ من الاهتمام الخفيف، ثمّ انتقل سريعاً إلى آل، حيث ركّز على بورغاتيو ثوانيَ عدّة، ثمّ على البقعة تحت رداء آل حيث يُخفي عصاه الصولجانيّة. وأخيراً رفع بصره إلى غرَنتِل، فتجمّد وعلى وجهه علاماتُ الذهول.
«ماذا؟ ما الأمر؟» سأل آل وقد ساوره شيءٌ من القلق، فلم يظفر بجواب.
سقطت النظّارة الأُحاديّة فتدلّت في سلسلتها، إذ نهض سايرَس مُسرِعاً يدفع كرسيّه إلى الوراء ويستلّ خِنجره الموسوم بالعنكبوت من تحت قميصه، فنهض غرَنتِل بابتسامةٍ مجنونةٍ ردّاً على ذلك ليَثِبَ عليه عَبْر المائدة. ووثبت ويكووكِت هي الأخرى فوق المائدة مُستلّةً عَضّاضة سو وخِنجرها، ونهض آل سريعاً وفي إحدى يديه عصاه الصولجانيّة والأخرى ممدودةٌ تستعطف الهدوء.
«مهلاً! مهلاً، ما الخطب؟» صاح آل راجياً سبيلاً إلى تهدئة الموقف. وفوجئ إذ رأى، قبل أن يُتِمّ كلامه، سايرَس يئنّ ويُمسِك رأسه، وغرَنتِل ينهار مُتهالِكاً على المائدة بنَبْحةِ ألمٍ وقد لفّ ذراعيه حول بطنه. وتجاهل سايرَس السيف والخِنجر اللذين تُهدِّده بهما ويكووكِت، مُبقِياً عينيه وسِنَّ خِنجره مُصوَّبَين إلى غرَنتِل.
«ذاك غُنول!» زمجر من بين أسنانٍ مُطبَقة، ولا يزال يُمسِك رأسه من الألم بيده الحُرّة.
«يا للاكتشاف،» ردّت ويكووكِت غير آبِهةٍ البتّة. وأبقت نصليها مُهيَّأَين للطعن دفاعاً عن غرَنتِل إن لزم الأمر.
«ذاك غُنولٌ حقيقيّ! لا أحدٌ حوّله السحر! كيف أدخلتم ذاك إلى هنا؟»
«وماذا فعلتَ به أنت؟» سأل آل بدوره.
«لا شيء!» أصرّ سايرَس، «والآن أعِنّي على الإجهاز عليه قبل أن آآخ!» واهتزّ خِنجره وهو يُغمِض عينيه بقوّةٍ ويصرخ من الألم.
رفع غرَنتِل رأسه عند سماع الصوت، ولمّا رأى مُهاجِمه عاجزاً للحظة شرع في وَثبةٍ أخرى مادّاً يده نحو سايرَس، لكنّه انكمش من فوره على المائدة من جديد، يئنّ ويُصدِر أصوات التهوّع.
«ما الذي يجري هنا؟» طالب آل بأن يعرف.
«ثمّة جوابٌ واحدٌ لأسئلتكم جميعاً،» شرح بوته وهو لا يزال جالساً في هدوءٍ وسط هذا الصَّخَب. «لقد أُذِن لغرَنتِل وسايرَس كليهما بدخول مِغطَس الجحيم بعد أن أقسما قَسَماً لـبالنيا إنفيرنالا، وفيه تحريمُ السعي إلى إيذاء سائر الزبائن. وكلاهما ينكُث ذلك القَسَم في هذه اللحظة بمحاولته إنزال العنف بالآخر خارج مُبارزةٍ مُرتَّبةٍ في دار المُبارزة، فينالان على ذلك عقابهما. والأرجح أنّ العقاب سيكُفّ حين تكُفّان عن السعي إلى إيذاء أحدكما الآخر. غرَنتِل، إن تقيّأتَ على المائدة، فسيتأخّر عَشاؤنا لا محالة.»
«...مريض...،» أنّ غرَنتِل، فأدهش ذلك سايرَس أيّما إدهاش. وأنزل التاجر الغامض خِنجره في بُطء. كان يلهث، لكنّ وجهه ارتخى مع انحسار الصُّداع العنيف.
«أهذا الشيء يتكلّم؟ وقد أدّى القَسَم؟!» سأل سايرَس غير مُصدِّق. وأبقى الخِنجر مُهيَّأً للدفاع عن نفسه، لكن بدا أنّه صار أحسن حالاً إذ لم يعد يُهدِّد به أحداً فعليّاً.
«هو يتكلّم، وهو أدّاه، نعم،» ردّ آل، والضيقُ بادٍ في صوته. ثمّ تنهّد. «حسنٌ، كنتُ أفترض أنّ شيئاً كهذا قد يقع في نهاية المطاف ما دام واحداً منّا. على الأقلّ لم يقع وسط حشدٍ عامّ.»
«واحداً منّا؟» ردّد سايرَس، «كأنّ ذاك الشيء...» ورأى نظرة آل الحادّة. «كأنّه هو شخصٌ؟ هذا أمرٌ لم يسبق له مثيل.» ورمقه غرَنتِل من أسفلَ بنظرةٍ حادّة، ثمّ انكمش من جديدٍ بأنين. «هل... هل سيظلّ يحاول قتلي؟» سأل سايرَس.
«على الأرجح، فأنت حاولتَ قتله هو أوّلاً،» رجّح آل.
«أجل، أيّ أحدٍ كان سيغضب غضباً شديداً من ذلك،» أضافت ويكووكِت وهي تُعيد عَضّاضة سو إلى غِمدها وتدسّ خِنجرها في حزامها من جديد، إذ بدا لها أنّ الأمر قد انقضى.
فكّر سايرَس مَلِيّاً، ثمّ لمّا بلغ نتيجةً أرضته أعاد خِنجره في بُطءٍ إلى حيث كان تحت قميصه. وتشكّلت تعابيرُ وجهه شيئاً فشيئاً من الحيرة والقلق إلى التأمّل، بل ربّما إلى شيءٍ من الفضول.
«أعتذر،» قال لغرَنتِل الذي كان لا يزال يلهث في ضِيقٍ مُنكمِشاً على المائدة وذراعاه مُطبَقتان حول معدته، «عن سوء تقديري للظروف هاهنا. ماذا يلزمني أن أفعل لأُهدِّئ هذا الموقف؟»
«حسنٌ، ثمّة أمرٌ واحدٌ يُرجَّح أن ينفع،» اقترح آل.
أقنع آل وويكووكِت وبوته غرَنتِل بأن يزحف نازلاً عن المائدة ويعود إلى مكانه، وتناول سايرَس الجَرَس اليدويّ عن المائدة وقرعه. فوصل بعد لحظاتٍ خَدَمٌ أنيقو الثياب يحملون صواني الطعام وقناني النبيذ. وبإلحاحٍ من آل، لمّا انصرف الخَدَم رفع سايرَس شريحةً غليظةً من اللحم وقدّمها إلى غرَنتِل مُتردِّداً. فارتدّ مذعوراً حين مال الغُنول إلى الأمام وأطبق على اللحم بأسنانه، ثمّ ارتخى إذ مُضِغ اللحم وابتُلِع سريعاً.
«شكراً. سايرَس،» نطق غرَنتِل في بُطء، فارتسمت على وجه سايرَس ابتسامةٌ مائلةٌ لا تكاد تُصدِّق. وقدّم إلى الغُنول قطعةً أخرى من اللحم.
«لقد جلب مُريدُكِ إلى القضيّة شيئاً بالغ القيمة. ونتطلّع إلى الترحيب به قريباً،» قال سايرَس لويكووكِت.
«لن نأخذه إلى أحد، إنّه لنا،» أصرّ آل. فأومأ سايرَس.
«بالطبع، بالطبع، لكنّ مُجرَّد العلم بأنّ هذا مُمكِن ذو قيمة. وأرجو أن تُشاطرونا مزيداً من المعلومات قبل أن نختم لقاءنا الليلة، أمّا الآن فأرى أن نتناول جدول أعمالنا الأصليّ،» قال سايرَس ناهضاً ليملأ كؤوس الجميع من القنّينة التي على المائدة. ولمّا صار الطعام في صحون الجميع، شرع سايرَس في شرحه.
«يُعتقَد أنّ لافاتيو،» قال بين لُقَمٍ من شريحة لحمٍ نصف ناضجة، «منشأةٌ شبيهةٌ بمِغطَس الجحيم، من عهد سُكّان المنطقة الإلف السابقين قبل قرون. ولأسبابٍ مجهولةٍ يبدو أنّها هُجِرت، وأخذ المُستنقَع يبتلعها. ثمّ أُعيد اكتشافها قبل خمسةٍ وسبعين عاماً تقريباً في الأيّام الأولى من تأسيس مِغطَس الجحيم، غير أنّها لم تُستكشَف استكشافاً واسعاً لِما في المُقام بالمُستنقَع من كراهةٍ ولِما كانت عليه المباني من خرابٍ ظاهر.»
وارتشف سايرَس من كأسه وتابع. «يبدو أنّ تزايُد رواج مِغطَس الجحيم قد جلب بعض الشكاوى من الزبائن الأثرى والأكثر نُخبويّةً على اضطرارهم إلى مُخالَطة أناسٍ أقلّ وَجاهةً منهم...»
«مهلاً! هؤلاء نحن!» همست ويكووكِت لآل همساً عالياً وعلى وجهها ابتسامةٌ خبيثة.
«...ولذا يودّ القاضي أن يُعاوِد النظر في ترميم لافاتيو ليكون جزءاً أكثر خصوصيّةً من مِغطَس الجحيم،» تابع سايرَس، «وهم لا يرغبون في الإعلان عن ذلك على نطاقٍ واسع، لأنّهم لا يريدون أن يُغضِبوا زبائنهم الحاليّين، ولا أن يصير أمرُ لافاتيو معلوماً للعامّة، فظلّوا منذ حينٍ ينتظرون في صمتٍ زائرين مُناسِبين يعرضون عليهم المهمّة. وقليلٌ جدّاً من المغامرين مَن يشُقّ طريقه إلى هنا، فقد جئتم في وقتٍ مُواتٍ. فإن شئتم، سيتّصلون بكم بالتفاصيل، لكنّ ما يحتاجون إليه في الأساس مهمّةٌ بسيطة: أن تُعايِنوا المكان وتُطهِّروه من كلّ ما قد يكون شديد الخطر على طاقم العمل الذي سيُستأجَر لترميمه.»
«أوه، يبدو ذلك مُثيراً!» قالت ويكووكِت، «وأيُّ أشياءَ شديدة الخطر هناك؟»
«رسميّاً، لا نعلم. ربّما هَوامّ المُستنقَع. وثمّة سجلّاتٌ مُبهَمةٌ من الأيّام الأولى لمِغطَس الجحيم تُشير إلى أنّ نفراً من طُلّاب الفُضول ذهبوا يستكشفون الأطلال فلم يعودوا قطّ. ولا تزال هناك أيضاً شائعاتٌ عن أحدٍ أو شيءٍ يصرخ أو يبكي، يُسمَع صوته في تلك النواحي. وما عدا ذلك، فليس المعلوم كثيراً. أمّا في غير الرسميّ...»
وتوقّف سايرَس، وجال ببصره في الغرفة على نحوٍ لا إراديٍّ يلتمس جواسيسَ مُختبئين مُحتمَلين. ولمّا لم يرَ أحداً، تابع.
«أمّا في غير الرسميّ، فللقضيّة مصلحتُها الخاصّة في لافاتيو. نعتقد أنّ أحداً أو شيئاً ما لعلّه كان يعبث بفنون إحياء الموتى في تلك النواحي زمن تأسيس مِغطَس الجحيم. والعِرافة فنٌّ غير دقيقٍ كما لا يخفى عليكم، لكنّنا نعتقد أنّ شيئاً قد خُلِّف في الأطلال. ولا تفاصيل لدينا، لكنّنا نعتقد أنّه شيءٌ غير بشرانيّ، وأنّه شيءٌ جسمانيّ، وأنّه يُمثِّل خطراً على العالم خارج لافاتيو إن أفلت. وعلى فرض صِدق عِرافتنا، نريد احتواء ذلك الشيء أيّاً كان وهو لا يزال حيّاً مُتحرِّكاً، لنفحصه فنعلم أكثر عمّن صنعه أو عمّا صنعه. أحضِروه إلينا، وتلك تكون خدمتكم. فإن عجزتم عن إخضاعه دون... تحييده، أو إن لم تجدوا دليلاً على وجود شيءٍ كهذا أصلاً، فسنقبل منكم الأجر بدلاً من ذلك، ويظلّ عرضُ الدخول إلى المكتبة السابقة قائماً لتبحثوا فيها عن كتابكم.»
وتوقّف سايرَس ليقطع قطعةً أخرى من شريحة اللحم ويُفسِح للآخرين أن يتكلّموا.
«عظيم،» تنهّد آل رافعاً بصره إلى السقف نظرةً مُتّهِمةً وهو يهزّ رأسه، «أوّلاً الشياطين، ثمّ الجِنّ رُبّما، والآن الموتى الأحياء. سينتهي بي الأمر إلى مُعالَجة كلّ صِنفٍ يُمكِن العثور عليه من الأشياء التي لا تنتمي إلى هذا العالم، أليس كذلك.»
«وهذا أمرٌ حسن!» قالت ويكووكِت مُشجِّعةً، «أليس هذا ما تقرأ عنه؟ ولا شيء يفوق أن تُعايِش الشيء بنفسك لتعلمه!»
«حسنٌ...،» وافق آل على مَضَض، «لا يسعني أن أقول إنّي أخالفُكِ في ذلك.»
«إذاً، أيكون هذا الاتّفاق مُرضِياً للطرفين؟» استحثّ سايرَس، مُرتشِفاً جُرعةً أخرى من النبيذ.
«نعم!» أجابت ويكووكِت قبل أن يتمكّن آل من الكلام.
«يسرّني أنّ في وُسعنا أن يُعِين بعضُنا بعضاً على النهوض بقضيّتنا. والآن وقد فرغنا من ذلك، ما رأيكم أن تُحدِّثوني أكثر عن غُنولكم هذا؟»
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion
Join the discussionانضمّ إلى النقاش
Sign in to comment and upvote.سجّل الدخول للتعليق والتصويت.