Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 78
لم يكن غرَنتِل قد عاد إلى الظهور من تحت السرير. وخمّن آل أنّ خُلُوّ الحديث من ذِكر الطعام، وكونَ احتمال العنف مُجرَّداً إلى هذا الحدّ، لم يبلغا من الإثارة ما يكفي لإيقاظه من جديد.
قال آل: «ينبغي أن أفرغ من أمرٍ ما قبل أن نأخذ في الركض في الأرجاء اليوم.»
سألت ويكووكِت: «ألم تفرغ منه للتوّ؟» فتجاهلها آل ومضى في كلامه.
«إن كان أحدٌ جائعاً، فليذهب يجلب لنا بعض الطعام بينما أعمل.»
وكان ذلك كافياً: تمدّد غرَنتِل خارجاً من تحت السرير، ثمّ غادر هو وبوته وويكووكِت يلتمسون الفطور. وأعاد آل موادّ المهمّة إلى حافظة اللفائف، وجلب أدوات الكتابة التي ابتاعها في اليوم السابق.
إلى المُبجَّلة ميليسا براون وقصر نوتاميمِك،
لم يمضِ على مغادرتنا قصر نوتاميمِك أقلُّ من أسبوعين، غير أنّه يخيَّل إليّ أنّ ما جرى منذ ذلك الحين يفوق ما جرى في أيّ عامٍ كاملٍ من عمري إلى هذه اللحظة. ونحن الآن نتمتّع بضيافة مِغطَس الجحيم، وعلى وشك أن نتولّى لهم عملاً قد يوفّر لنا الوسيلة لِنَرُدّ استثماركم الأوّليّ من الآن. أمّا وجود غرَنتِل هنا فلم يُثِر من المتاعب إلّا القليل على نحوٍ يدعو إلى العجب، إذ يبدو أنّ الجميع يظنّونه نبيلاً صغير الشأن مسختُه إلى هيئة غُنولٍ بقُواي السحريّة الجبّارة. ويبدو أنّ أمراً من هذا القبيل ليس نادراً كثيراً بين زبائن هذا المكان الأثرياء.
ومع أنّ المدّة قصيرةٌ إلى هذا الحدّ، فقد أردتُ أن أفتتح المُراسَلة ما دامت أفكاري وملاحظاتي طريّةً في ذهني إلى حدٍّ معقول، قبل أن ننطلق في مهمّة اليوم.
أعترف أنّني كنتُ شديد التوتّر والانقباض حين انطلقنا وفي صحبتنا غُنول، غير أنّنا جميعاً استقررنا على هذا الترتيب سريعاً، كلٌّ مع الآخر. أمّا مخاوفي بشأن كيف سيتدبّر غرَنتِل أمره بين أهل البلّوط الفضّي فقد تبيّن أنّها لا أساس لها، وفي وُسعي أن أُبلغكم أنّ سلوكه يبدو مُدرَّباً تدريباً حسناً على المُقام بين جماعةٍ تعرفه ولو بعض المعرفة. ويبدو أنّ نِزال الأيدي الذي عُلِّم أن يستخدمه صيغةً من صِيَغ اختبار الهيمنة تكيُّفٌ بالغُ الفاعليّة. وأودّ أن أرفع شكوى: لم تُنبّهوني إلى أنّ البلدة تعرفه سلفاً، ولو فعلتم لوفّرتم عليّ قدراً كبيراً من القلق. وقد استطعنا أن نتزوّد بمعظم ما احتجنا إليه في البلدة قبل أن ننطلق إلى عملٍ في مأوى الدجاج. غير أنّنا عجزنا عن تحصيل دابّة حِمل، فأستطيع بذلك أن أؤكّد ملاحظاتكم عن استجابة معظم البهائم الأليفة لوجود الغُنول.
وفي طريقنا إلى مأوى الدجاج اعترضنا بعضُ قُطّاع الطُّرُق. أرجو أن تنقلوا امتناني إلى غراكثور على تدريبه غرَنتِل، فقد بدّد شكوكي في جاهزيّته في القتال الذي نشب. لم يكن بالغ الفاعليّة في أثناء القتال فحسب، بل أبدى من المكر وضبطِ النفس ما لم أتوقّعه في التحكّم بكيفيّة اندلاع القتال، رغم ما تطلّبه ذلك منه من جهدٍ ظاهرٍ في كبح إرادته. وبلغنا مأوى الدجاج بإصاباتٍ طفيفةٍ نسبيّاً، ونجحنا في ثَني غرَنتِل عن محاولة أكل ما تبقّى من مُهاجِمينا.
وأنا واثقٌ أنّ لديّ المزيد لأُبلغكم به عن عملنا هناك متى وجدتُ وقتاً للراحة والتفكير فيه، غير أنّ مسائل قليلةً تبرز في ذهني بوصفها جديرةً بالذِّكر. أوّلاً، أستطيع أن أؤكّد ملاحظاتكم بشأن ميل غرَنتِل إلى اللغة الشيطانيّة وأن أزيد عليها. فكما وصفتم في كتاباتكم، من الجليّ أنّه لا يفهم اللغة نفسها ولا يستعملها، لكنّه يبدو مُدرِكاً بالفطرة معنى الكلام والكتابة بتلك اللغة على السواء. إنّ...»
توقّف آل، ينظر إلى الصفحة مُتردّداً. ثمّ تنهّد ومضى:
«...يبدو أنّ وحش اللحم الشيطانيّ لمأوى الدجاج كان يوماً قيّماً بشريّاً على حِصن وولفكِن في أثناء غياب البارون، ويبدو أنّه دخل في ترتيبٍ غير رشيدٍ مع شيطان. ولم يقتصر أمر غرَنتِل على فهم كلام بعض الأرواح الشيطانيّة التي تحرس المكان ورموزِ اللغة الشيطانيّة المكتوبة في أحد كتب القيّم الراحل، بل استطاع كذلك أن يميّز على وجه العموم متى كانت الكتابة إشارةً إلى اسم، أو إلى عملٍ سحريّ. والكتاب الذي اختبرتُ به ذلك، بحسب تفسير غرَنتِل، يبدو ضرباً من فهرسٍ لشياطين بأعيانهم مع أسمائهم، وفيه، على ما أظنّ، أوصافُ ما يصلح قرابين لاسترضائهم. وأحسب أنّه ممّا يجدر ذِكره أنّ غرَنتِل بدا وكأنّه يعرف أحد المداخل بعينه، وإن أصرّ حين سألتُه عنه لاحقاً أنّه لم تكن له به أيّ مُعامَلةٍ قطّ ولا أيّ معرفةٍ خاصّةٍ به. ولم يستطع أن يُخبرني ما هو اسم هذا الكيان حقّاً، وإن أشار إلى موضعه المكتوب على الصفحة. وبدا أنّ الرسم لشيءٍ يُشبه الدُّبّ، وأخبرني غرَنتِل أنّ النصّ يدلّ على أنّه يحبّ العنف. أفيكون هذا شيطاناً مرتبطاً بالغُنول على نحوٍ خاصٍّ بوجهٍ ما؟ ومسألتان أخريان لاحظتُهما في هذه الأثناء تبدوان جديرتين بالذِّكر. أوّلاهما أنّني دهشتُ كثيراً من حُسن تعاون ويكووكِت وغرَنتِل معاً. وأظنّ أنّ بعض ذلك مردّه إلى أنّها ترى المغامرة برفقة غُنولٍ أمراً مثيراً طريفاً، لكنّني لا أحسب أنّ ذلك كلّ الأمر. أحسب أنّها قبِلته شخصاً أسرعَ ممّا قبِلتُه أنا، وما فتِئت تصطاد وتقاتل بل وتلعب معه بطرائق تنسجم انسجاماً حسناً مع عادات غرَنتِل الفطريّة. بل إنّها صارت تنخُر وتنفُخ في الحديث العاديّ. ويبدو غرَنتِل شديد الارتياح لهذا، ولعلّ غُنوليّتها، عن قصدٍ أو عن غير قصد، مُطَمْئِنةٌ له وحسب. ولستُ على يقينٍ إن كان لهذا مغزًى، لكنّي ظننتُ أنّكم ستُعنَون بمعرفته. أمّا المسألة الأخرى فهي أنّنا وجدنا فعلاً حماراً لم يبدُ خائفاً من غرَنتِل خوفاً يُذكَر. وبدا أنّ غرَنتِل عدّ ذلك تحدّياً، غير أنّني استطعتُ أن أُقنِعه بمعاملة الأمر مسألةَ هيمنةٍ داخل العشيرة، لا حيوانَ فريسةٍ يُقتَل. وقد نجح الحمار حقّاً في مباغتة غرَنتِل برَفسةٍ متينة، فقبِل غرَنتِل ذلك هزيمةً. ولمّا حان وقت تسمية الحمار لاحقاً، كان غرَنتِل هو مَن سمّاه فعلاً. وما زال «فَخْذة» دابّةَ حِملٍ يُعوَّل عليها منذ ذلك الحين، ويبدو مُنتبِهاً إلى غرَنتِل بعض الانتباه. ولا أزال أجهل لِمَ لم يخَفْ من غرَنتِل، لكنّي مسرورٌ بذلك، لأنّنا كنّا في حاجةٍ ماسّةٍ إلى دابّة حِملٍ تُعيننا على جرّ مُقتنياتنا المتكاثرة. وكان عملنا الثاني عن طريق بذرة اللفت، وقد صرتُ الآن أفهم لماذا لا يريد أحدٌ الذهاب إلى هناك. وكان العمل خارج بذرة اللفت نفسها، فلم يلزمنا أن نقضي فيها إلّا ليلةً واحدة. وفي صباح اليوم التالي وجدنا أنفسنا...»
حدّق آل في الصفحة فوجد أنّه لا يرغب البتّة في وصف تلك الحال المُتلاصِقة المُحرِجة التي وجدوا أنفسهم فيها جميعاً على غير توقّعٍ حين استيقظوا. فشطب الكلمات القليلة الأخيرة وقفز إلى ما بعدها.
«...وجدنا أنفسنا شققنا طريقنا خارجين من بذرة اللفت إلى قبرٍ قريب لنضع قُرباناً على ضريح بطلٍ إلفيٍّ قديمٍ نيابةً عن القرية. وانتهى الأمر إلى أن كان عملاً حافلاً بالأحداث أكثر بكثيرٍ ممّا رجوت، غير أنّه انتهى نهايةً حسنة. وأنا واثقٌ أنّ في مناقشةٍ مفصّلةٍ للوقائع ملاحظاتٍ نافعةً كثيرة، غير أنّ واحدةً منها فقط أشعر أنّه ينبغي لي ذِكرها في هذه الرسالة. ففي أثناء هجومٍ شنّه وحشٌ حشريٌّ عملاقٌ من نوعٍ ما، كان غرَنتِل...»
عادت لحظاتُ إصابة غرَنتِل التي كادت تكون قاتلة، ومساعيهم لإنهاء القتال وإنقاذه، تتكرّر في ذهن آل. وبعد حينٍ أدرك أنّه جالسٌ هناك مُطبِقاً على أسنانه، وشفتاه مزمومتان في كَشْرة، يقبض على أداة الكتابة كأنّه يحاول سحقها. فأخذ نفَساً بطيئاً عميقاً، وأرغم ذلك الغضب الغريب على النزول من جديد.
«...قد أصابه ما كان ليكون جُرحاً قاتلاً. وأودّ أن أطمئنكم أنّه بخيرٍ الآن، بل إنّي لا ألمس أيّ تغيّرٍ جوهريٍّ في شخصيّته ولا علاماتِ كربٍ نفسيّ. غير أنّه لولا قُدرةُ بوته على استدعاء سِحر الشفاء الإلهيّ بتلك السرعة، لكنّا على الأرجح في طريق عودةٍ بائسةٍ جدّاً إلى قصر نوتاميمِك منذ الآن. آه، نعم، وفي حال لم يكن بوب قد اكتشف شيئاً مماثلاً من قبل: يبدو أنّ بوته مأذونٌ له فعلاً باستدعاء الشفاء الإلهيّ المُعجِز لأجل غرَنتِل، رغم كونه غُنولاً. وقد أردتُ ذِكر هذا على وجه الخصوص لا بوصفه ملاحظةً عن غرَنتِل مباشرةً، بل ملاحظةً عن نفسي.»
تساءل آل: أهذا غباءٌ أم غرابة؟ أهي ملاحظةٌ نافعة؟ ثمّ أرغم نفسه على مواصلة تأمّل ذاته. فمُحرِجاً كان أو غير مُحرِج، افترض آل أنّ العوامل المؤثّرة في كيفيّة نجاح غُنولٍ في مُخالَطة غير الغُنول من أهمّ المسائل التي تُختبَر هنا.
«بينما بدا لي أنّ بوته كان قلِقاً، وأنّ ويكووكِت كانت مُنهارة (وكلتاهما ردّةُ فعلٍ عاطفيّةٌ أتوقّعها)، شعرتُ أنا بالغضب. كان الأمر أشبه بأنّ أحداً سرق منّي بوقاحةٍ شيئاً ثميناً، وفي تلك اللحظة لم أشعر إلّا بنَزعةٍ إلى تحطيم ما سلبه منّي واستردادِه. وأظنّ أنّ هذا على الأرجح ليس إلّا مسألةَ كون مواجهة الشدائد مع أحدهم تنزع إلى تمتين الروابط الاجتماعيّة بين الاثنين، وهذا الأسبوع الأخير أو نحوه كان أشدّ الشدائد تركيزاً ممّا اضطررتُ إلى احتماله في حياتي حتى الآن. ولعلّ ذلك يكون نافعاً إن وُجِد يوماً سببٌ لمحاولة إدماج غُنولٍ آخَر في جماعةٍ بشرانيّة. ولا يزال يبدو غريباً جدّاً أنّني بلغتُ هذا القدر من الارتياح في السفر مع غُنولٍ بهذه السرعة، لكنّي أحسب أنّ كتابة الأمر على هذا النحو تُعينني على الفهم، بعض الشيء.»
...والآن صرتُ أهذي كالأبله، قال في نفسه، ومدّ يده ليشطب ما كتبه للتوّ.
نادت ويكووكِت من المدخل: «يا آل! لقد جلبنا طعاماً! إن أسرعتَ فقد يبقى منه شيءٌ لم نأكله أنا وغرَنتِل بعد!»
فاحت في الهواء رائحةُ اللحم المُقدَّد والنقانق.
أجاب آل: «حسناً، كِدتُ أنتهي.» وأسرع ليُتِمّ الرسالة.
«بعد عملنا هنا في مِغطَس الجحيم، أتوقّع أن نتوجّه إلى السور الجنوبي، حيث قيل لي إنّ هناك مكتبةً مهجورةً من نوعٍ ما قد تحوي مرجعاً بعينه أبحث عنه. ولستُ على يقينٍ كيف سنُدخِل غرَنتِل معنا إلى هناك، إذ أتوقّع ألّا يكونوا على هذا القدر من الترحاب. وسنحرص على المغادرة إن بدا أنّ مشكلة الغوغاء الغاضبين ستستفحل أكثر ممّا ينبغي. وإن كان العمل هنا مُربِحاً بقدر ما يبدو أنّه قد يكون، فقد نسلك الطريق عائدين إلى البلّوط الفضّي من هناك، ونزور قصر نوتاميمِك لنردّ استثماركم الأوّليّ وما يزيد عليه من نسبة الـ15% التي ندين لكم بها حتى الآن. وسيكون في وُسعنا حينئذٍ أن نُناقِش الملاحظات أكثر.»
المُخلِص في خدمتكم،
آل. أركانيسن
قال آل وهو يضع القلم: «ها قد تمّ.» ثمّ: «آه، مهلاً.» فالتقط القلم من جديد وخربش.
«حاشية: يبدو أنّني اقتنيتُ سيفاً. أيقبل غراكثور أن يُلقِّنني بعض الإرشادات في استعماله على وجهه الصحيح؟»
ألم يكن ثمّة شيءٌ آخر أردتُ السؤال عنه؟ آه. صحيح.
«وأيضاً، إنّه لا يفتأ ينام تحت سريري. أهذا أمرٌ طبيعيّ؟»
وضع آل القلم من جديد ونهض ليُحرِّر بعض الفطور من الغنوم والغُنول.
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion
Join the discussionانضمّ إلى النقاش
Sign in to comment and upvote.سجّل الدخول للتعليق والتصويت.