Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 79
نال آلُ نصيباً كافياً من النقانق الملفوفة باللحم المُقدَّد ليُطعِم نفسه كما ينبغي دون أن ينتهي به الأمر مُتخَماً. أخرج خِرقةَ التنظيف من حقيبته ومسح بها الشحمَ عن يديه. ثمّ سَحَرَ الشحمَ بعيداً عن الخِرقة وأعادها إلى مكانها.
«يبدو كلُّ شيءٍ هنا أغلى من المعتاد،» قال وهو يطوي الرسالة التي خطّها على عَجَل، «لكنّي أعلم أنّ ثمّة شيئاً أو شيئين على الأقلّ أودّ أن أحاول اقتناءهما قبل أن نمضي. أحتاج إلى بضع دقائق أُراجع فيها ملاحظاتي، لكن ما إن أفرغ حتى أقترح أن نُفرِغ الأشياء التي كنّا سنُبادلها بالمال، ثمّ نتسوّق سريعاً قبل الرحيل.»
«أظنّ أنّ ذلك قد يكون حسناً، وسيمنحنا كذلك فرصةً لنُخرِج فَخْذة إلى الهواء الطلق معنا بعض الوقت قبل أن نذهب،» اقترح بوته. «ثمّ إنّي واثقٌ أنّ العربة أفضلُ من محاولة حمل ذلك البرميل المملوء بالخَلّ. وأودّ أيضاً أن أقضي بضع دقائق في مُناجاة إنديسينا لأتيقّن أنّ أفعالنا اليوم ستبقى مُتوافقةً مع الخُطَط التي لا تُوصَف، فلعلّ خبيرَنا في التكتّم يودّ أن يفحص الوثائق بينما نستعدّ؟»
تذمّر غرَنتِل قليلاً وهو يهبط في قُرفُصاءَ كسولةٍ ينتظر، وناول آلُ ويكووكِت عُلبةَ اللفائف لتفحصها بينما تولّى هو وبوته تحضيراتهما الخارقة للطبيعة. قضى آل بعض الوقت يُراجع تمارينَ مِيميّةً ليُهيّئ ذهنه لِما خمّن أنّه أنفعُ ما يمكن انتقاؤه من صناعة السحر، بينما تشاور بوته مع روح الألوهة. ولم يَطُل الأمر كثيراً حتى أغلق آل أخيراً دفترَ ملاحظاته.
«هل انتهيتَ من قيلولتك السحريّة الآن؟» سألته ويكووكِت.
«ليست قيلولةً، إنّها تأمُّل! كانت عيناي مفتوحتين أنظر بهما إلى ملاحظاتي وكلّ شيء!» احتجّ آل.
«قد يكون ذلك وهماً سحريّاً يجعلني أظنّ أنّك مستيقظ! على أيّة حال، ما دمتَ مستيقظاً الآن، فنحن عائدون إلى أرض الحشرات مصّاصة الدماء من جديد، صحيح؟ هل بقي لدينا شيءٌ من معجون البراغيث النَّتِن ذاك؟»
«ليس ما يكفي، لكنّي كنتُ أنوي أن آخذ ما تبقّى لدينا منه إلى الصيدليّة لأرى إن كان عندها شيءٌ مثله. أظنّ أنّ الإلهة المحلّيّة تحمي مِغطَس الجحيم من الحشرات، لكنّ كثيراً من الناس عليهم أن يغادروا ويعودوا إلى ديارهم في نهاية المطاف. وأتصوّر أنّ ثمّة طلباً على شيءٍ يحمي الناس متى عبروا البوّابات ووجدوا أنفسهم على الطريق إلى مكانٍ آخر.»
«إذن، ما تقوله هو أنّنا لو اشترينا كلّ ما عندها، فسيمتصّ البعوضُ دماءَ حَفنةٍ من النبلاء الأثرياء حتى الجفاف؟» سألت ويكووكِت راجيةً.
فرك آل جبهته وتنهّد.
«لا، لستُ أقول ذلك إطلاقاً. بالأسعار التي يفرضونها هنا، أشكّ أن نستطيع أصلاً شراء ما يكفي ليُحدِث فرقاً بهذا الحجم.»
«ظُلم!» تشكّت ويكووكِت. «لا تقلق، سأفكّر في شيء.»
«أتعلمين، قولُكِ هذا يزيدني قلقاً فحسب،» ردّ آل.
صدّ آلُ مزيداً من الأسئلة عن إمكان العبث بمُنتَجات الصيدليّة لتجعلها تجتذب الحشرات اللاسعة، وعمّا إذا كان ثمّة شيءٌ اسمه «شياطين البعوض» قد يستطيع آل استحضاره. وأفلح أخيراً في وأد الموضوع حين وصفه بأنّه «استنزافُ دماء الأفراد الأرستقراطيّين ذوي الثروة الصافية العالية بوساطة مَفصِليّات الأرجُل». وأخذ بوته مجموعةَ اللفائف الدينيّة الإلفيّة ليحملها معه، ووعد بأن يجد ساعياً يحمل رسالة آل إلى قصر نوتاميمِك. وقرّر آل أن يطلب من غرَنتِل معونته في حمل برميل الخَلّ بدل استخدام السحر. أمّا نظرةُ ويكووكِت المُشمئزّة من كلام آل المُفرِط في التفاصُح فقد دامت طوالَ الطريق إلى الإسطبل.
ولمّا وصلت الرفقة، كان الحمارُ واقفاً هادئاً ساكناً بينما يُنظّفه غُلامُ الإسطبل بالفُرشاة. كانت عينا فَخْذة نصفَ مُغمَضتين، وأطلق أنيناً خافتاً من الرِّضا.
«يبدو أنّك تلقى عنايةً حسنةً هنا،» نادى بوته، فتلقّى نَهيقاً مَرِحاً جواباً.
رمق آلُ بوته بنظرةٍ مُستفهِمة. «أتستطيع أن تُكلّمه؟»
«بالطبع،» أجاب القزم، «كلُّنا نستطيع، إن شئنا ذلك.»
«ألدينا سِحرُ مُكالمةِ الحيوانات؟ ماذا قال؟» سألت ويكووكِت مُتحمِّسة.
«يقول لنا إنّه سعيدٌ قانع، لكن لا سِحر في الأمر، فليس على المرء إلّا أن يعرف كيف يبدو الحمارُ السعيد.»
«آه، كنتُ أريد سِحراً،» زمّت ويكووكِت شفتيها.
«وكيف تعرف أنت كيف يبدو الحمارُ السعيد؟» سأل آل، وقد استبدّ به فضولٌ صادق.
«ليست الحميرُ مختلفةً عن البِغال كثيراً. ثمّة سُلالةٌ بعينها من البِغال يُنتجها بعضُ مزارعي الشعير عندنا من خيول العمل لديهم. لها مِزاجٌ طيّبٌ يصلح للمناجم. ويبدو أنّ صديقنا النافع فَخْذة له أطوارٌ شبيهة.»
واستدار الحمارُ موضوعُ الحديث ليشمّ الغُنولَ الذي لا تزال رائحةُ الزهر تفوح منه قليلاً، بينما وضع غرَنتِل وآل برميلَ الخَلّ على العربة.
«ظننّا أنّك قد تودّ أن تخرج وتتمشّى قليلاً،» قال بوته لفَخْذة بينما كان آل يعمل على إعادة تسخيره إلى العربة. «وأفترض أنّنا لا ننوي أخذه معنا إلى المُستنقَع من جديد، إذ لا ينبغي أن نعود بأكثر ممّا نحمله معنا، وقد لا يسهل حمايتُه من الأخطار الطبيعيّة هناك بينما نُباشر مَهامّنا داخل لافاتيو.»
«هممم، لا، معك حقّ. آسفٌ يا حمار، سيلزمنا أن نتركك خلفنا. وأنا واثقٌ أنّ ذلك يُفطِر قلبك تماماً، أن تتخلّى عن مستنقعٍ لطيفٍ ماصٍّ للدماء في سبيل هذا الإسطبل القاسي،» قال آل ساخراً، وقدّم لغُلام الإسطبل قطعةً فضّيّةً جزاءَ جهده. وأخيراً، إذ شدّ آخرَ إبزيمٍ، قاد آلُ فَخْذة خارج الإسطبل إلى الشارع مُتّجهاً إلى الصيدليّة. لم تكن الشمسُ قد ارتفعت فوق الأفق إلّا بالكاد لتُشرِق على الضباب المُتلاشي في الهواء، لكنّ بضعةً من الزبائن الآخرين بدَوا مستيقظين يتحرّكون بالفعل. وعلى مبعدةٍ ما، بدا أنّ ثلاثةً من الناس حَسَني الملبس عابسي الوجوه قد لاحظوا غرَنتِل، فاستداروا ومضَوا يتهامسون فيما بينهم. ومرّت بهم امرأةٌ ترتدي أفخمَ ثياب خَدَمٍ رآها آل في حياته، تقود كلبةَ ماستيف ضخمةً بمِقوَدٍ رفيعٍ على نحوٍ مُدهِش. فوقفت الكلبةُ على قائمتيها الخلفيّتين ونبحت فَرِحةً لتجذب انتباههم، ورفعت المرأةُ المُمسِكة بالمِقوَد بصرَها فلوّحت مُبتهِجةً هي الأخرى. فردّت ويكووكِت التحيّة بابتسامةٍ عريضة.
«هاتان أعجبتهما لُعبتُنا الصغيرة في عدم تعذيب بعض النبلاء إطلاقاً،» شرحت.
بدا أنّ صاحبةَ الدكّان في وَرّاق وصيدليّ كانت في خِضَمّ افتتاح عملها لليوم. رأى آل أنّها فتحت قُفلَ الباب ثمّ توقّفت أمام نافذة الدكّان حين لاحظت اقتراب آل ورفاقه. حدّقت لحظةً طويلةً قبل أن تبتعد عن النافذة نحو المِنضَدة. وظلّت تُراقب في عدم تصديقٍ بينما ساعد غرَنتِل آلَ على رفع البرميل وحمله عبر الباب إلى داخل الدكّان.
«لقد سمعتُ أنّ أحداً...،» قالت بصوتٍ خافت. ثمّ التفتت إلى آل وأشارت نحو غرَنتِل. «مَن هذا... لا، دَعْك، ليس هذا من شأني. لكن أيمكنني على الأقلّ أن أسأل إن كان هذا من صُنعك؟»
«أظنّ أنّ بوسعكِ أن تقولي ذلك بصدق،» راوغ آل.
«مهلاً، نحن ساعدنا!» أصرّت ويكووكِت.
«على أيّة حال،» تابع آل، «هذا هو الخَلُّ الذي ذكرتُه أمس، إن أردتِ فحصه.»
خرجت صاحبةُ الدكّان من وراء المِنضَدة، تقترب بحذرٍ لكن مفتونةً بغرَنتِل. تفحّصت الغُنولَ من أعلاه إلى أسفله، وبدا أنّ عليها أن تكبح نفسها عن مدّ يدها لتلمس النُّدوب في جَنبه.
«انتباهٌ مُبهِرٌ للتفاصيل،» قالت لآل بما بدا صِدقاً، ثمّ صرفت انتباهها عَنوةً إلى البرميل. ارتدت زوجاً من القُفّازات الجلديّة الرقيقة، وأخرجت نظّارةً واقيةً من جَيبها ووضعتها على وجهها، ثمّ انتزعت الفِلّينةَ بأصابعها. خرجت مع طَقّ! وتناثرت قطراتٌ قليلةٌ من المحتوى المُتوهِّج المائل إلى الزُّرقة والخُضرة على أعلى البرميل. فقطّبت أنفها ومالت إلى الوراء.
«ووه! هذا خَلٌّ بلا شكّ!» جزمت، ثمّ مالت ببطءٍ من جديد لتفحص البُقَع المُتوهِّجة. مدّت يدها إلى جَيبٍ آخر وأخرجت حَلْقةً معدنيّةً من النوع الذي يتوقّع المرء أن تتدلّى منه المفاتيح. غير أنّ هذه كان فيها بدل ذلك مجموعةٌ من قِطَعٍ زجاجيّةٍ صغيرةٍ مُستديرةٍ مُلوَّنةٍ في أُطُرٍ من سِلكٍ معدنيّ، كلٌّ منها بلونٍ مختلف. اختارت بضعة ألوانٍ مختلفةٍ وتأمّلت وَهَجَ الخَلّ من خلال عدّةٍ منها. ثمّ أومأت.
«نعم، أظنّ أنّ في وُسعي أن أجد لهذا فائدةً ما. مستعدّةٌ أن أدفع لك أربعين... خمسين قطعةً ذهبيّةً ثمناً له. أهذا مقبول؟»
«نعم، مقبول، ويسرّني فقط أنّ أحداً يستطيع الإفادة منه إفادةً حسنة. نحن لا نحتاجه حقّاً، وهو ضخمٌ ثقيل. وقد تستردّين بعضه قبل أن نخرج من هنا، فنحن متّجهون إلى المُستنقَع من جديد ونتساءل إن كان في وُسعكِ تركيبُ شيءٍ كهذا،» أجاب آل، مُخرِجاً الجَرّة الصغيرة التي تحوي ما تبقّى من مرهم البراغيث. وناولها إيّاها لتفحصها.
«يا لها من تركيبةٍ غريبة!» هتفت صاحبةُ الدكّان وهي تشمّ رائحة المرهم. «أيُقصَد به طردُ الحشرات؟»
«حسناً، نعم، كان مقصوداً به أن يكون مرهمَ البراغيث. غير أنّه بدا يعمل بكفاءةٍ معقولةٍ في إبعاد الذُّباب والبعوض عنّا.»
نظرت صاحبةُ الدكّان إلى غرَنتِل مرّةً أخرى، وضحكت. «أنت حقّاً مُلتزمٌ بهذا الأمر، أليس كذلك. أؤكّد لك أنّ تركيبتي أنا أفضلُ ضبطاً لآفاتنا الخاصّة.»
انتهى بهم الأمر إلى إعادة عشرٍ من القِطَع الذهبيّة، لكن في رأي آل كانت أربعون قطعةً ذهبيّةً وعدّةُ جرارٍ كبيرةٍ من زيتٍ لَزِجٍ يُزعَم أنّه يطرد لا الحشرات وحدها بل أيّاً من المخلوقات المعتادة المُتعطِّشة للدم في المُستنقَع، صفقةً حسنةً رغم ذلك. ثمّ إنّ رائحة الزيت الزهريّة الغريبة كانت أقلّ إزعاجاً من رائحة النعناع والخِراف التي لمرهم البراغيث.
ساعدوا صاحبةَ الدكّان على نقل البرميل إلى مَشغَلها، ثمّ ودّعوها.
«قد يوفّر علينا بعض الوقت أن أذهب لأقضي أمري في المعبد بينما تُعيدون فَخْذة إلى مسكنه المُريح. ولنا أن نلتقي من جديد في غرفتنا لنتجهّز للانطلاق حينئذٍ، فلعلّنا نبلغ لافاتيو عند منتصف النهار،» اقترح بوته. وربّت على عُنق الحمار برِفق. «لا تقلق، ينبغي أن نعود في غضون اليوم إن لم تقتضِ الخُطَطُ التي لا تُوصَف غير ذلك،» طمأن الحمارَ.
«نعم، إن لم يعترض أحدٌ آخر، فهذا يبدو حسناً لي. كلّما بدأنا أبكر، قلّ احتمالُ أن نعلق هناك بعد حلول الظلام.»
خُيِّل إلى آل أنّه رأى فَخْذة يحاول أن يخطو خطوةً ليتبع غرَنتِل بعدما أعادوه إلى مَربِطه وفكّوه عن العربة. غير أنّ كيساً من الشوفان قدّمه غُلامُ الإسطبل هدّأه، وعادت الرفقة إلى غرفتها. ولحق بهم بوته بُعيد ذلك بينما كانوا يُعبّئون حقائبهم. وضع بوته كيساً قماشيّاً من العملات في الصندوق المُبطَّن بالرَّصاص، ووضع ثلاث لفائف صغيرةٍ على سريره.
«تناقشنا في المسائل الدينيّة وقرّرنا أنّ البركات المُتجسِّدة تخصّنا نحن، إذ لا شكّ أنّنا هُدينا إلى العثور عليها لسبب،» أعلن. ثمّ حمّلها بوته في حقيبته باحترام.
ثمّ طَلَوا أنفسهم بزيت طَرد الهوامّ وانطلقوا نحو البوّابة الجنوبيّة.
ورفض لاري الحارس أن ينظر إليهم وهو يفتح البوّابة ويُخرجهم، فلم يرَ ويكووكِت وهي تمنحه ابتسامةً كاشِرةً جدّاً.
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion
Join the discussionانضمّ إلى النقاش
Sign in to comment and upvote.سجّل الدخول للتعليق والتصويت.