Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 80
جعلت الزيوتُ الزهريّة آل يشعر بالدُّهن والبَلَل في آنٍ واحد، غير أنّها بدَت تُبلي بلاءً حسناً في إبعاد البعوض والذُّباب عنهم جميعاً. فكان جُلُّ الحشرات يمرُّ طائراً كأنّه لا يلحظ وجودهم أصلاً، وما ندَر أن تحطّ حشرةٌ على أحدهم حتّى تُقلِع من فورها وتدَعه وشأنه. وكانت الرطوبةُ التي تفوح منها رائحةُ كبريتٍ خفيفة تجعل الأمور غير مريحةٍ بعضَ الشيء، واضطُرّ آل أن يتحرّى مواضع قدميه كي لا يتعثّر ببقايا أحجار الرصف القديمة المتفاوتة، لكنّ المسير إلى مُنعطَف لافاتيو كان هادئاً فيما عدا ذلك. انعطفوا يساراً وشقّوا طريقهم بين أشجار الصنوبر، يتتبّعون آثار الطريق الصغير القديم الباهتة. وبعد أقلَّ من ساعة، اكتشف آل أنّهم بلغوا الموقع حين تعثّر ببقايا أساسِ مبنًى حجريٍّ قديم واراه العُشب. ولم تكن الرقعة التي وجدوا أنفسهم فيها خاليةً من الشجر، لكنّ صنوبرها كان أفتى وأصغر وأشدَّ تباعداً ممّا عبروه في طريقهم إليها.
أخرج آل نُسَخ رسوم الخرائط التي بحوزتهم، ومسحوا السطح مسحاً عَجِلاً. لم يبقَ من أكثر المباني السطحيّة سوى آثارِ أساساتٍ قديمة، غير أنّ مواضعها بدَت متوافقةً على نحوٍ معقولٍ مع العلامات المرسومة على خرائطهم. وفي وسط الموقع تقريباً عثروا على لافاتيو نفسه. كان القسم الذي فوق الأرض من المبنى قد انهار منذ أمدٍ بعيد، وتناثرت بقايا الأعمدة الحجريّة والجدران الحجريّة وقِرميد الطين المتآكلة فوق بلاط الغرانيت الذي نال منه البِلى نيلاً شديداً. أمّا الدَّرَج الهابط إلى ما تحت الأرض في الجانب الشرقيّ من لافاتيو فكان قائماً، وقد ملّسه الزمنُ بعضَ التمليس، لكنّه ظلّ بيّناً صالحاً للاستعمال. وكان يُفضي إلى قوسٍ معقودٍ يُشكّل مدخل الفضاء الجوفيّ، وقد كُتب بالخطّ الإلفيّ على أعلاه: موندابيريس.
بدا وراء القوس المعقود فضاءٌ واسعٌ مفتوح، لكنّ الضوء الآتي من الخارج لم يُظهِر بوضوحٍ إلّا الأقدام القليلة الأولى من أرضيّةٍ حجريّةٍ مُتّسِخة. وخلع آل حقيبته لحظةً ليُخرج منها مشعلاً، محدِّقاً في رفاقه بشيءٍ من الحِدّة ليردَعهم عن التعليق على ضَعف رؤيته الليليّة البشريّة.
«إن كان أحدٌ يُدبّر تعليقاً ذكيّاً على عجزي عن الرؤية في الظلام، فلعلّ بعضَ من يستطيعون الرؤية في الظلام يودّون التسلّل أمامنا وإلقاء نظرةٍ قبل أن أنزل بمشعلي الذي يجذب الأنظار.»
«ما كنتُ سأقول شيئاً!» أصرّت ويكووكِت، «على الأقلّ ليس قبل أن تتعثّر بشيء.»
«شكراً،» قال آل ساخراً. تبادلت ويكووكِت وغرَنتِل النظرات، ثمّ هبطا الدَّرَج في صمت، ويكووكِت في المقدّمة وغرَنتِل يتبعها على بُعد عشر خطواتٍ أو نحوها.
«أهو وَهْمٌ منّي،» سأل آل بوته وهما يراقبان، «أم أنّ في حُسن تعاونهما معاً شيئاً غريباً؟»
«لستُ واثقاً أنّي كنتُ لأسمّيه غريباً، وإن كان غير متوقَّع،» قال بوته، «يبدو أنّ ويكووكِت آلَت على نفسها التنسيق مع غُنولنا منذ البداية، وإن كنتُ أظنّ أنّ ذلك لم يكن في أوّل الأمر إلّا طلباً للإثارة والطرافة. فقد دأبت على التعامل معه مِراراً، ويبدو أنّها تستمتع بذلك. وأرى أنّ بينهما قواسمَ مشتركةً تجعل تعاونهما أطوَعَ وأقربَ إلى الطبع. كلاهما يستطيب التجارب البسيطة الغريزيّة: ويكووكِت باختيارها، وغرَنتِل بطبيعته. وكلاهما بطبيعة الحال ذو خبرةٍ وافرةٍ في التسلّل، وإن كان ذلك راجعاً إلى ممارساتٍ مختلفةٍ كلَّ الاختلاف قبل أن يلتقيا. وبالنظر إلى ما بذلَته من جهد، لَكان عَجَبي عظيماً لو لم يُحسِنا التعاون عند هذا الحدّ.»
وعادت ويكووكِت صاعدةً الدَّرَج.
«يبدو المكان خالياً،» أعلنت، «إنّه قذِرٌ جدّاً في الداخل، لكن ليس فيه ما يبدو خَطِراً. ثمّة تمثالٌ كبيرٌ لإلفيٍّ نصفِ عارٍ هناك. أو على الأقلّ أفترض أنّه ذَكَر. ونرى بابَين خشبيّين قديمَين مُلتويَين على الأقلّ في الجدارَين الأيسر والأيمن، والذي على اليسار فيه ثُقبٌ كبيرٌ في أسفله. انزلا وألقيا نظرة!»
أمر آل مشعله أن يُشعل نفسه، وقد صارت الحيلةُ السحريّة الناريّة البسيطة تأتيه بيُسرٍ أعظمَ الآن. وتبع بوته هابطاً الدَّرَج.
وكما وصفَت ويكووكِت تماماً، كانت الغرفةُ المربّعة الكبيرة وراء القوس المفتوح مُغطّاةً بالتراب والأوراق الميّتة التي حملتها الريحُ من الخارج. وكانت أعمدةٌ من الرخام على جانبَي المدخل تكتنف تمثالاً رخاميّاً ضخماً لإلفيٍّ في وسط الغرفة. وتدلّت ثَنيّاتُ توغاه الحجريّة المنحوتة مُرتخيةً عن أحد كتفَيه، وهو يَحُتُّ ذراعه بأداةٍ منحنيةٍ على هيئة مِنجل.
«مونديتيو،» شرح بوته، «إله النظافة.»
وبدا أنّ بقايا جِداريّةٍ جصّيّةٍ عاليةٍ متداعيةٍ خلف التمثال تُصوّر مشهدَ استحمامٍ وادع، بقَدْر ما يُستبان من الأجزاء التي لم تتقشّر بعدُ ولم تكسُها الأُشْنة. ولمح آل غرَنتِل إلى اليسار يترصّد في صمتٍ البابَ الذي في الجدار والذي في أسفله ثُقب. وهرعت ويكووكِت إليه تستشيره.
«ما الأمر؟» همست.
«طعام،» زَمجر غرَنتِل بصوتٍ خفيض، وهو يخطف مِخبَطه ويقبض على تُرسه.
«آه، ليس مرّةً أخرى،» تذمّر آل، بينما ركضت ويكووكِت خفيفةً صامتةً إلى الجانب ثمّ إلى الباب، قابضةً على المِزلاج بيدها اليسرى وعلى مقبض عَضّاضة سو بيمناها. تبادلت النظرات مع غرَنتِل الذي بدأ يلهث من وراء ابتسامةٍ متحمّسة. ضغطت المِزلاج ودفعت الباب في اللحظة التي اندفع فيها غرَنتِل.
عَلِق البابُ الملتوي قليلاً، لكنّ ضخامة غرَنتِل فتحته بقيّة الطريق بعُنفٍ وهو يعبر. وجاء من الداخل صَريرٌ مذعور مع أصوات المِخبَط الثقيل يهوي على شيءٍ مُقَرمِش. واندفعت ويكووكِت في إثره من فورها لتشارك في العنف. وكابد آل ليسُلَّ بورغاتيو دون أن يُسقط مشعله، وهو يتّجه الوجهةَ نفسها مع بوته.
«أستُجرّب السيف؟» سأل بوته وهو يُهيّئ مطرقته.
«إن لم تكن إلّا مزيداً من الجرذان الكبيرة، فالأرجح أنّه من الآمن أن أُجرّب التعوّد على استعمال السيف عليها،» أجاب آل، وقد نجح أخيراً في تخليص السيف الخافت التوهّج وهما يبلغان المدخل ويُطِلّان إلى الداخل.
كانت عدّةُ جرذانٍ غاضبةٍ في حجم بعض الكلاب تتكالب على غرَنتِل، أو هكذا كان شأنُ الناجيات منها على الأقلّ. فقد كان أحدها مهشَّماً على الأرض في فوضى، وتدلّى آخر مُتراخياً من أسنان غرَنتِل البارزة، يكتم ضحك الغُنول النابح. وانسلّت ويكووكِت من خلف غرَنتِل وشكَّت ثالثاً على مرأًى منهما. ودفعت حركةٌ مفاجئة من الغُنول أحدَ الجرذان التي تنهشه بعيداً، فطعن آل نحوه بطرَف سيفه طعنةً خرقاء. وتخيّل أنّ صَرير الجُرَذ يسخر منه وهو يَروغ جانباً ثمّ ينقلب عليه. وابتسم بوته ابتسامةً رفيقةً وسدّد إلى الجُرَذ نفسه ضربةً عابرةً بمطرقته، فأخطأه بمسافةٍ بعيدة، لكنّه أرغم الجُرَذ على أن يقسم انتباهه بينهما. ووثب الجُرَذ إلى حَلق آل، لكنّ آل تراجع خطوةً كافيةً حتّى انغرست أسنانُ الجُرَذ في الرداء والدِّرع الزَّرَديّة بدلاً من لحمه. ونفَض الجُرَذ عنه وشكَّه وهو يحاول الابتعاد عن بوته المُقبِل عليه.
وتباعد الجُرَذان العملاقان الباقيان لمّا صفَع مِخبَطُ غرَنتِل الأرضَ بينهما، ثمّ اندفعا ينهشان كاحلَيه. وسدّدت ويكووكِت طعنةً من بين قدمَي غرَنتِل فغرزَت السيف عميقاً في عُنق أحدهما. وحاول آل أن ينال من الآخر، لكنّه اضطُرّ أن يميل مبتعداً تفادياً لدورة مِخبَط غرَنتِل الواسعة وهي تُطوّح بالجُرَذ الأخير عَبْر الغرفة إلى الجدار. فارتطم بالأرض يتشنّج، ثمّ سكَن. وغيرَ عابئٍ بدمه هو يقطر من عَضّاتٍ في ساقَيه، جال الغُنولُ ببصره في الغرفة راجياً المزيد. فلمّا لم يرَ شيئاً، أخذ نَفَساً عميقاً واسترخى، إلّا من إطباق فَكّه وهو يُغمض عينَيه ويَقضِم ما تبقّى من الجُرَذ الميّت المُتدلّي من فكّيه حتّى النهاية. وسال الدمُ على خَطْمه، وسقطت بقيّةُ الأشلاء إلى الأرض.
ورفع آل مشعله أعلى. لم يبقَ خطرٌ ظاهر، وإن كان انتباهه المفاجئ إلى الإلفيّ الواقف في وسط الغرفة قد أفزعه، حتّى أدرك أنّه تمثالٌ آخر من الغرانيت، وهذا أقربُ إلى الحجم الطبيعيّ.
«وأيُّ إلهٍ هذا؟» سأل بوته.
«ليس هذا بإله، بل مجرّد إلفيّ.»
«وكيف تعلم؟»
«أعلمُ فحسب. فمَن عَمِل رسولاً للآلهة لزِمه أن يعرف مِمَّن يحمل الرسائل وإلى مَن. وأنا لا أعرف هذا، فليس بإله إذن.»
وأجال آل بصره في بقيّة الغرفة. كانت بقايا المقاعد الخشبيّة ملتويةً متعفّنة، وكانت ستائرُ نال منها العَفَن تُغطّي فيما مضى فتحاتِ ثلاثِ حُنايا مرفوعةٍ قليلاً على امتداد الجدار البعيد. وقد قُضِمت أسافلُ الستائر شرائطَ وكُوّمت في الحُنيّة الوسطى. وكانت الأرض رَطبةً بسبب حوضٍ حجريٍّ مُترَعٍ بماءٍ قذِرٍ يفيض قطرةً قطرة، إذ كان يُغذّيه رَشْحٌ من أنبوبٍ في الجدار. وإلى اليمين، امتدّ رواقٌ يمضي إلى عُمق المجمّع.
وشغَله عن ذلك صوتُ فَرقعةٍ وتمزيقٍ لَحميٍّ مُقزّز.
«أفلا تطهوه على الأقلّ؟» اشتكى.
«بالتأكيد!» أجابت ويكووكِت، وخطفت مشعل آل من يده. وركضت عَبْر الغرفة إلى الحُنيّة التي كانت الجرذان تُعشّش فيها، وأخذت تحاول إشعال كَومة القماش.
«حسناً، حسناً، أظنّني جلبتُ هذا على نفسي،» قال آل مُستسلِماً. «على الأقلّ اسلَخوا الجلود كي لا نضطرّ إلى شمّ الشَّعر المحروق، ولا تُطيلوا من فضلكم.»
وفي الضوء المُرتعِش المتنامي لنار الطهو قصيرة العُمر، مضى آل قليلاً في الرِّواق. وبدَت بقايا الرسوم على الجدران مزيداً من مشاهد الاستحمام، التي ظنّ آل أنّها كانت جميلةً قبل أن يُتلِفها الزمنُ والإهمالُ والرطوبة. وعاد إلى الغرفة وأخرج شيئاً من الورق والحبر ليرسم خريطةً تقريبيّةً لما رأوه حتّى الآن، ريثما ينتظر.
وكان عليه أن يعترف بأنّ رائحة الجُرَذ العملاق وهو يُطهى لم تكن سيّئةً إلى هذا الحدّ في الحقيقة، طوال الدقائق القليلة التي دامتها نارُ الطهو قبل أن تخبو. غير أنّ تمزيق اللحم وطَقطقة العظام لم يَغدُوَا أقلَّ إلهاءً بحال.
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion
Join the discussionانضمّ إلى النقاش
Sign in to comment and upvote.سجّل الدخول للتعليق والتصويت.