Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 81
لم يكن آل واثقاً البتّة أنّ الجرذان قد نالت من الطهو نصيباً يُذكَر، لِما رأى من سرعة احتراق عُشّ الجرذان الذي اتّخذوه وَقوداً للطهو. وفكّر آل لحظةً في أن يُسيء استعمال فهمه الجديد لتوليد النار السحريّ ليُعالج المسألة، لكنّه عدَل عن ذلك. فلم يكن الأمر يبدو ضرباً من نفاد الصبر والكسل فحسب، بل إنّه لم يكن واثقاً البتّة أنّه يستطيع ضبطها ضبطاً يكفي كيلا ينتهي به الحال إلى أكوامٍ من الرماد بحجم الجُرَذ العملاق.
أتمّ رسمه التقريبيّ للغرفتَين اللتَين استكشفوهما حتّى تلك اللحظة، ورفع بصره قبل أن يحزم أدوات الكتابة. وكان غرَنتِل لا يزال ينهش بضجيجٍ جُرَذاً نصفُه نيءٌ ونصفُه محترق. ولم يكن هَوله بالقَدْر الذي ظنّ أنّه سيبلغه حين رأى بوته يأكل قطعةً من لحم الجُرَذ المطهوّ. أمّا ويكووكِت فكانت تطهو قطعةً أخرى من اللحم مشكوكةً في خِنجرها فوق لهب مشعل آل الذي ما زال مُتّقِداً. ورأته ينظر إليها.
«أتريد قطعة؟ طعامٌ مجّانيّ! إنّه طيّبٌ حقّاً حين يُطهى طازجاً.» قالت وهي تمدّ الخِنجر نحوه. واستسلم آل لفضوله فتناول الشريحة الصغيرة من اللحم المطهوّ بأصابعه، بحَذَرٍ، إذ كانت لا تزال ساخنة. وظلّ يُقلّبها بين يديه على نحوٍ أخرق ثوانيَ قليلةً حتّى بردَت بما يكفي ليُمسكها في راحةٍ أكبر، ثمّ شمّها. ذكّرته الرائحةُ قليلاً بلحم الأرنب المطهوّ. وحين قضَم قضمةً حَذِرة، وجد المذاق شبيهاً كذلك، وإن خالطته نكهاتٌ غريبةٌ كلحم الدجاج الداكن ولحم الأيّل الرديء المعالجة.
«ينقصه المِلح،» حكَم بصوتٍ مسموع. ومع ذلك أكل بقيّة عيّنته.
أفضلُ كثيراً مطهوّاً منه نيّئاً، على الأقلّ، فكّر في نفسه. ومسح أصابعه في ردائه ساهياً، ثمّ إذ أدرك ما فعل سَحَرَ بقعة الشحم بعيداً. وكان قد شرَع لتوّه في إعادة حقيبته إلى ظهره حين تردّد صدى صوتٍ خافتٍ في الرِّواق قادماً إلى الغرفة. فدارت أذُنا غرَنتِل. وأسقط ما تبقّى من قَضمة جُرَذه، وهو قليل، وتسلّل في اتّجاه الرِّواق. واسترجع آل مشعله من ويكووكِت، وسَلّ بورغاتيو من غِمده سَلّةَ غير خبير.
«ما كان ذلك؟» همس آل بينما انسلّت ويكووكِت في صمتٍ لتنضمّ إلى غرَنتِل عند الرِّواق.
«زجاجٌ يتكسّر،» أجاب غرَنتِل بهديرٍ خفيض. «ربّما صوت. الصمتَ الآن.»
واختفت ويكووكِت في الرِّواق المظلم. وهرول آل وبوته ليلحقا بها فيما تبعها غرَنتِل.
«يبدو أنّ غَداء المغامر أمرٌ لا يُوثَق به،» علّق بوته.
وسرعان ما أدرك ضوءُ مشعل آل ويكووكِت وغرَنتِل. لم يكن الرِّواق أطولَ من عشر خطوات قبل أن ينشعب يميناً ويساراً. وكان غرَنتِل يشُمّ الهواء عند المُلتقى. ثمّ نظر أخيراً إلى اليسار مع نَخرة، فقادته ويكووكِت في تلك الوجهة. وأسرع آل وبوته ليلحقا بهما، فوجدوا أنفسهم جميعاً على بُعد خطواتٍ قليلةٍ في المَمَرّ، واقفين أمام بابٍ خشبيٍّ ملتوٍ آخر. غير أنّ هذا كان مُرَكَّباً فيه قُفلٌ برونزيٌّ وثُقبُ مفتاح. فأومأت ويكووكِت إلى غرَنتِل وجثَت على ركبتيها تحاول أن تسترق النظر من الفُرجة أسفله، بينما مال غرَنتِل إلى الأمام ليُلصِق أذنيه بالباب. وبعد ثوانٍ قليلة نفَخ غرَنتِل.
«لا شيء. رائحته كطعامٍ فاسد،» أعلن.
«أظنّني أرى بعض البراميل. لا تبدو الغرفة التي هناك كبيرةً جدّاً،» قالت ويكووكِت وهي تنهض. ودفعت الباب فأبى أن يتزحزح. «مُقفَل. لا بدّ أنّ في الداخل شيئاً طيّباً!»
وأخرجت حَلْقةً معدنيّةً من الأدوات وشرَعت تحاول فتح القُفل عَنوةً. ومضت دقائق قليلة.
«حسناً... كِدتُ... لا، مهلاً... هيّا، تحرّك!... فقط... أرررغ!»
وانثنَت قِطَعُ المعدن الغريبة الشكل التي أدخلتها في ثُقب المفتاح وهي تحاول قَسْر القُفل العتيق على الانفتاح. وكاد الفولاذُ المَرِن أن يعود تقريباً إلى شكله الأصليّ حين أخرجَتها.
«أظنّنا لن ندخل إلى هناك،» تحسّرت. فنظر إليها غرَنتِل من عَلٍ ورمَش، ثمّ قذَف بجسده على الباب بكلّ ما أوتي من قوّة. فتشقّق الخشبُ العتيق الرَّطِب وتشظّى، وانخلع عن آليّة القُفل. وحطّمت صَدمةٌ ثانيةٌ ما تبقّى من الباب حتّى انفتح تماماً، وبقي القُفل ناتئاً من قائمة الباب. وتقلّصت ويكووكِت وجَلاً بينما دلَف غرَنتِل إلى غرفة المُؤَن التي انكشفت غيرَ عابئٍ بما قد يكون فيها من فِخاخ. ولحُسن الحظّ لم يَنَله من ذلك أذًى ظاهر.
كان في غرفة المُؤَن مجموعةٌ من الرفوف والبراميل والصناديق. وكانت تفوح منها رائحةُ العفن والعَطَن. وشمّ غرَنتِل هنا وهناك فلم يجد فيها ما يعنيه.
«أثمّة شيءٌ هناك ينبغي أن نقلق منه؟» سأل آل وهو يُقرّب المشعل ليُضيء الغرفة.
«لا شيء،» أجابت ويكووكِت وهي تسحب عَضّاضة سو وتُصوّب طرَفها إلى الأمام مباشرةً، «ما عدا هذا المُحاكي!»
وطعنَت أقربَ برميلٍ إليها، فلم يصرخ ولم تنبُت له عيونٌ وأسنان. «هذا المُحاكي؟» جرّبت مرّةً أخرى، طاعنةً برميلاً آخر. فثقَبت عَضّاضة سو الخشبَ العتيق وانسكب منه شيءٌ من الحَبّ وقِطَعٌ صغيرةٌ ظنّ آل أنّها مِلحٌ على الأرجح. ولم يُسفِر طعنُ كلّ شيءٍ آخر في الغرفة إلّا عن خيبة، ولا سيّما حين سقط صندوقٌ صغيرٌ عن أحد الرفوف إلى الأرض فانكسر منفتحاً بدل أن يُقاوم. فانسكبت منه حَفنةٌ صغيرةٌ من القِطَع الذهبيّة على الأرض، تحمل كلٌّ منها شيئاً من الكتابة الإلفيّة ووجهَ إلفٍ مجهول.
«الذهبُ بيّنٌ تماماً أنّه ذو قيمة، فعلينا أن نتركه هنا،» نبّه آل.
ولم يُظهِر مسحٌ سريعٌ للغرفة سوى مُؤَنٍ فسَدت منذ أمدٍ بعيد: طحينٌ عَفِنٌ مُتكتّل، ومِلحٌ خَشِن، وحَمْأةٌ غليظةٌ تفوح منها رائحةُ الخَلّ في برميلٍ كاد يكون فارغاً، ولحومٌ مُجفّفةٌ مُتحلّلة، وشحمُ طهوٍ تصلّب كالشمع القديم. وبدَت بعضُ السكاكين وغيرها من أدوات المائدة على الطراز الإلفيّ الأملس في حالٍ معقولة، لكنّ ذلك كان يعني بطبيعة الحال أنّها هي الأخرى ذات قيمة. ولم يجدوا شيئاً آخر سوى جمهرةٍ من الخنافس النبّاشة الصغيرة تجري هنا وهناك. ولم تكن على الأرجح ثمينةً بوجهٍ خاصّ، فكّر آل.
«أظنّ أنّ علينا أن نمضي،» حثّهم آل، «لا يبدو أنّ هنا شيئاً خَطِراً، لكنّ هذا أيضاً لا يبدو المكان الذي جاءنا منه ذلك الصوت، ولذا...»
وكأنّما بتوقيتٍ مقصود، تردّد صدى صوتٍ آخر لزجاجٍ يتكسّر في الرِّواق خارجاً. وبدا أنّه جاء من بعيد. وتَبِعه ما يُشبه أثَراً من قهقهةٍ ساخرةٍ نائية، فانحنى غرَنتِل واطئاً ليُخرِج رأسه إلى الرِّواق مرّةً أخرى ويُصغي.
«أصواتُ غوبلن،» زَمجر. فعبَس آل وشدّ قبضته على بورغاتيو، بينما غادرت ويكووكِت الغرفة في هدوءٍ ثمّ قادت غرَنتِل بعيداً.
«أتظنّهم يتعقّبوننا؟» سأل آل بوته بصوتٍ خافتٍ وهما يُسرعان للّحاق بهما دون إحداث ضجيجٍ كبير.
«ليس في هذه الحال على الأرجح، إذ كانوا سيكونون هنا حتماً حين وصلنا،» رأى بوته.
«ومن ضروب جنون الارتياب على الأغلب أن نظنّهم يتعمّدون البقاء أمامنا نحن بالذات، أليس كذلك.»
«بلى، هذا ما أراه، وإن كان ذلك لا يعني أنّ ثمّة يقيناً بأنّه لا يحدث على أيّ حال.»
وهرولوا عائدين في الرِّواق وتجاوزوا المُلتقى الذي جاؤوا منه. ثمّ انعطف المَمَرّ، ثمّ انعطف ثانيةً، ثمّ هبط أعمقَ عَبْر مجموعةٍ من الدَّرَجات إلى بَسْطة. وبينما كانوا ينزلون الدَّرَج، أظهر ضوءُ مشعل آل ويكووكِت عائدةً نحوهم من دَرَجٍ يصعد في الجهة المقابلة.
«غوبلن سُكارى!» همست إليهم حين التقوا. «سبعةٌ أو ثمانيةٌ منهم على الأرجح. يبدو أنّ الغرفة التي أعلى الدَّرَج كانت مِشرَباً قديماً من نوعٍ ما، وقد وقعوا على ما بقي هنا من خمرٍ عتيق.»
واقترب آل من الدَّرَج الصاعد متردّداً، غيرَ راغبٍ في أن يفضحهم ضوءُ مشعله. وكان للبَسْطة مسالكُ تتفرّع عنها يميناً ويساراً، وأمامها مباشرةً، ومن حيث أتَوا. فإلى اليسار رِواق، لاحظ فيه آل صوتاً خافتاً لماءٍ جارٍ آتٍ من بعيد. وإلى اليمين مزيدٌ من الدَّرَج يصعد. وحاول آل أن يُبقي مشعله جانباً، خلف المُنعطَف عن الدَّرَج، ليُقلّل ما قد يتسرّب من الضوء صاعداً إلى الغرفة التي كانوا يترصّدونها، وهو يحاول أن ينظر إلى أعلى الدَّرَج أمامهم. وقد ترك له ذلك ضوءاً يكفي بالكاد ليرى غرَنتِل مُنبطِحاً على الدَّرَج، ورأسه مرفوعٌ بالقَدْر الذي يسمح له وحدَه بمراقبة الغرفة من فوق أعلى دَرَجة. وتردّد صدى صوتٍ آخر لزجاجٍ يتحطّم نازلاً إليهم، تَبِعه مزيدٌ من ضحك الغوبلن الحادّ الصاخب. وأطال آل التفكير.
«ماذا يلبسون؟» همس إلى ويكووكِت.
«أثواباً حريريّةً أنيقةً مُزيّنةً بحُلِيٍّ فاخرة، مشقوقةً بلا حياءٍ حتّى تُرى كواحلُهم،» همست إليه. وكابدت في بسالةٍ لتكتم ضحكها حين رأت وجه آل مرتبكاً ومذعوراً بعض الشيء.
«الفوضى نفسها التي كانت على الجماعة التي أمام قبر ذلك البطل الميّت،» اعترفت، «جلودٌ وفِراءٌ قذِرة. بعضهم يحمل رِماحاً وبعضهم سيوفاً صغيرة، لكنّهم بدَوا أشغلَ بالشراب من أن يُعيروا الأمر انتباهاً كبيراً. لماذا، أتحتاج إلى ثيابٍ جديدة؟»
«لا! فقط... دَعْكِ من هذا. غرَنتِل؟» همس صاعداً بالدَّرَج، «أتسمعنا؟»
وظهور بُقعتَين متوهّجتَين من عينَين كَهرمانيَّتَي اللون قرب أعلى الدَّرَج عكَس ضوء المشعل الخافت، فأوحى إلى آل بأنّه يسمعهما.
«سنُحدِث أنا وبوته ضجيجاً على الأرجح حين نصعد هذا الدَّرَج. أتظنّ أنّكما تستطيعان مواجهتهم بأمانٍ ثوانيَ قليلةً حتّى نبلغكما ونُعين؟»
ورأى آل عينَي الغُنول اللامعتَين تهتزّان إيماءً. وابتسمت ويكووكِت في تلهّفٍ وأومأت هي الأخرى.
«حسنٌ إذن،» قال آل بصوتٍ خافتٍ وهو يقبض على بورغاتيو بشدّة. «متى شئتما...»
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion
Join the discussionانضمّ إلى النقاش
Sign in to comment and upvote.سجّل الدخول للتعليق والتصويت.