Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 82
تسلّلت ويكووكِت صاعدةً الدَّرَج في صمت. وتراجع غرَنتِل بحذرٍ بضع درجاتٍ نزولاً نحوها، وأنزل تُرسه ببطءٍ عن كتفه إلى يده اليسرى. وجثَت ويكووكِت إلى جانبه بينما رفع هو يده إلى طوقه. وسرعان ما طغى على رنين الإبزيم الخافت وهو يصطدم بالدرجة الحجريّة حين انفكّ الطوق، ضحكُ الغُنول النابح المتعطّش للدماء وصيحاتُ الغوبلن المذعورة، إذ اندفع غرَنتِل صاعداً إلى الغرفة المظلمة، وتبعته ويكووكِت عن كثب. وعدا آل صاعداً الدَّرَج بأقصى ما استطاع، والمشعلُ في يده اليسرى وبورغاتيو في يمناه. وسمع وقعَ خطوات بوته الثقيلة على الدَّرَج خلفه وهو يبلغ القمّة.
أضاء مشعلُ آل المُرتعش المشهد. كانت الغرفة، وضِلعها عشر خطوات، تضمّ سطحَ منضدةٍ خشبيّاً إلى اليسار، وبضع طاولاتٍ خشبيّةٍ مستديرةٍ وكراسيَ بسيطةً أمام آل وإلى يمينه، وعُنفاً في كلّ مكان. كان غوبلنٌ مُتَّشِحٌ بالجلود مُلقًى مهشَّماً على الأرض عند أقرب طاولةٍ إلى غرَنتِل، الذي انطبقت أسنانُه البارزة على مسافة إصبعٍ واحدةٍ من عُنق غوبلنٍ آخر وكتفه، بينما تعثّر ذلك الغوبلن وسقط على ظهره تحت الطاولة، منزلِقاً على دمٍ تدفّق من ثُقبٍ في صدر غوبلنٍ ثالث حين سحبت ويكووكِت عَضّاضة سو إلى الخلف. وكان غوبلنان آخران مذعوران يمدّان أيديهما إلى رماحٍ مُسنَدةٍ إلى طاولةٍ قريبة.
ولاحظ آل ثلاثةً غيرهم خلف منضدة السقاية، يرفعون بأذرعهم قواريرَ زجاجيّةً ليقذفوا بها الشيطانَ المُرعب الذي ظهر من العدم ليقتلهم جميعاً. وقد أخذته حُمَّى المجزرة، فدَسّ آل سريعاً بَطنَ نصل بورغاتيو بين ذراعه اليسرى وجسده ليُحرّر يده اليمنى، فيستحضر العنف السحريّ الناريّ الذي علّم نفسه إيّاه. وابتسم آل ابتسامةً منتقمة إذ أطاعت النُّشّاباتُ الثلاث من اللهب الأحمر إرادته وانقضّت على الغوبلن خلف المشرب. ونجح أحدهم في أن يرتمي إلى الخلف مُفلِتاً، غير أنّه أسقط القارورة على الأرض، فانتثر المُسكِر الذي كان فيها واشتعل هو نفسه حين مرّ اللهبُ الأحمر القاني المُوجَّه إليه عبر الأبخرة. أمّا الغوبلنان الآخران فلم يكونا بهذا الحظّ. سقطا على الأرض يصرخان ويتشيّطان، ثمّ سكتا، وقد انكشفت عظامُهما خلف رُقَعٍ من لحمٍ متفحّمٍ متبخّر. وتنحّى آل جانباً ليُخلي الطريق لبوته وهو يصعد الدَّرَج إلى الغرفة. وألقى القزمُ نظرةً عَجلى على الغرفة وثبّت قدميه إلى جانب آل ومِطرقتُه مُتأهّبة، يتحدّى الغوبلن الأخير خلف منضدة السقاية أن يقترب. فكشَّر عن أسنانه الصغيرة المُدبَّبة المُصفَرّة وسَلّ سيفه الخشِن، وقد أضاءت ظهرَه إضاءةً مُنذِرةً ألسنةُ اللهب الزرقاء الآخذة في الخُفوت من المُسكِر المُراق وهو يغلي حتّى التبخّر. وصاح فيهم بشيءٍ مِلؤه البغضاء. ثمّ... استدار وركض حتّى غاب عن العَين خلف الزاوية البعيدة من المنضدة. وحاول آل أن يتتبّع إلى أين يقود صوتُ خطواته. بدا أنّه فرّ في رِواقٍ عند أقصى الجدار الأيسر.
وكان الغوبلنان عند الطاولة البعيدة قد أمسكا برُمحيهما، فاندفعا في يأسٍ نحو الغُنول الضاحك ضحكَ المجانين. وجثَم غرَنتِل مُنخفضاً ليقترب من مستواهما، فتلقّى إحدى طعنتَي الرمح وأزاحها بتُرسه. وتلقّى الأخرى في جانب بطنه. وانتهت صيحةُ الغوبلن الظافرة بصوتٍ رَطبٍ: سْبْلاتْش! إذ تجاهل الغُنولُ جُرحَ الطعنة وخطا نحو الغوبلن المذهول، وأنزل مِخبَطه على رأسه. وواصل غرَنتِل الحركة، ولم يكن للغوبلن الثاني هذه المرّة نجاةٌ محظوظة. تهشّمت عظامُ العُنق والكتف الصغيرة بين الأسنان الكبيرة اللامعة، وارتخى العدوُّ الصغير أخضرُ البشرة.
وسرعان ما تدحرج الغوبلنُ الذي واجه ويكووكِت من تحت الطاولة ونهض على قدميه، وسَلّ سيفه الخشِن. ثمّ اندفع. فحوّلت ويكووكِت سيفها الرفيع وخِنجرها لتصدّ الضربة القادمة، غير أنّ الغوبلن لم يكن، فيما يبدو، في مِزاج القتال. فما كان منه إلّا أن ضرَب طرَفَي سلاحَيها بعيداً عنه وانطلق راكضاً بمحاذاتها بسرعةٍ زادها الخوف، ليتبع الغوبلن الآخر في الرِّواق، حيث سُمع كلامُ غوبلنٍ مذعورٌ وتأفّفُ جُهد، تلاه صريرُ باب. فقبض آل على مقبض بورغاتيو وحرّر السيف من بين ذراعه اليسرى وجسده، وجرى في إثر الغوبلن الفارَّين.
وتبع صوتَ انفتاح الباب في آخر الرِّواق وقعُ أقدام الغوبلن وهما يفرّان إلى الغرفة المظلمة وراءه، في اللحظة التي بلغ فيها آل مَدخل الرِّواق. وأوحى كلامُ الغوبلن المُفزَع أنّهما لم يُعجبهما ما وجداه هناك. وصرخا كلاهما. وسُمعت أصواتُ عِراك، ثمّ انقطعت إحدى الصرختين فجأةً. أمّا الأخرى فعلَت وارتفعت مع عودة وقعِ أقدامٍ صغيرةٍ سريعة. واندفع نحو آل غوبلنٌ مذعورٌ تُدَثّره خيوطُ العنكبوت، وكأنّه يرجو أن يمرّ بجانبه ليس إلّا. فسحَب آل بورغاتيو إلى الوراء بعنايةٍ ثمّ ضرَب. فصارت صرخةُ الغوبلن زفرةً أخيرةً وهو ينهار، وارتدّ الرأسُ يتقافز على الأرض عائداً إلى الغرفة. ونظر غرَنتِل في الرِّواق، وعيناه سوداوان من اتّساع الحدقتين اتّساعاً تامّاً. وبدأ الغُنولُ يعدو في إثر الغوبلن الأخير المفقود.
«غرَنتِل، قِف!» صاح آل مُحذِّراً، لكنّ الغُنول لم يكد يتردّد. «قِف! إنّه فَخٌّ من نوعٍ ما!» حاول آل بصوتٍ أعلى.
نفَخ غرَنتِل، وأبطأ ثمّ توقّف قبل أن يدهس آل. ونظر الغُنولُ في هَلَعٍ باحثاً عن مزيدٍ من الغوبلن. فلمّا لم يرَ أحداً، استرخى بشيءٍ من التمنّع الظاهر. وخرج من حَلقه أنينُ ارتياحٍ طويل، وعادت عيناه إلى كهرمانهما المعتاد. ولهَث غرَنتِل، ثمّ علّق مِخبَطه ببطءٍ في حِزامه من جديد، وعاد فنزل بضع درجاتٍ من الدَّرَج الذي دخلوا منه. ثمّ عاد بعد لحظاتٍ وهو يُحكم إبزيم طوقه حول عنقه.
وجثا آل ليفحص جُثّة الذي قطَع رأسه. كانت خيوطٌ سميكةٌ لَزِجةٌ تعلَق بجسده وأطرافه، وبيدَي آل وهو يُقلّب الجُثّة. وكان ثقبان ضحلان صغيران في جَنب الغوبلن يقطران دماً عبر الجلود التي كان يرتديها. وذابت الخيوطُ قرب لهب المشعل حين قرّبه آل ليُمعن النظر.
«رائع، مزيدٌ من الحشرات العملاقة،» قالت ويكووكِت ساخرةً وهي تُطِلّ في الرِّواق وإلى الغرفة التالية. وبنور مشعله استطاع آل أن يرى أنّ المَدخل كلّه كان مملوءاً بالنسيج العنكبوتيّ قبل أن يجذب الغوبلن الباب ويندفعا إلى الداخل. أمّا الآن فقد تدلّت شرائطُ النسيج من الوجه الداخليّ للباب، وكان فيه ثقبٌ كبيرٌ نافذٌ إلى الغرفة.
وارتعش آل إذ خُيِّل إليه أنّه يستطيع أن يتبيّن حركةَ أرجلٍ سوداءَ طويلةٍ تُقلّب كتلةً رماديّةً مرّةً بعد مرّةٍ في عُمق الشِّباك.
«سيتعيّن علينا أن نتدبّر أمره في نهاية المطاف،» قال آل، «لكن ليس بالضرورة أن نفعل ذلك على الفور. ما دامت هناك شِباك، فهذا يعني أنّه سيبقى في الداخل ينتظر أن يأتيه الطعام بدل أن يخرج في إثرنا، أليس كذلك؟»
وراقبوا جميعاً بُرهةً ليتيقّنوا أن لا شيء سيندفع نحوهم. وكانت أصواتُ الحركة التي تُسمع بين الحين والآخر هادئةً هدوءاً يبعث القُشَعريرة. وأخيراً خُيِّل إلى آل أنّه يرى النسيج يتموّج، وأنّ شيئاً في داخله يدبّ في صمتٍ مُبتعِداً إلى عُمق الظلام.
«هل يرغب أحدٌ في النزول إلى هناك ودفع الباب حتّى ينغلق؟» سأل آل مُتفائلاً.
«كلّا!» أجابت ويكووكِت.
«ولا يسعني أن أقول بصدقٍ إنّني أرغب في استفزاز ما ينتظر في الداخل، أنا الآخر،» وافق بوته.
ومضى غرَنتِل مُجتازاً إيّاهم جميعاً ونزل إلى الباب، وقطراتٌ قليلةٌ من الدم من الطعنة في جانب بطنه تتساقط على الأرض في طريقه. وبلغ الباب فدفعه حتّى انغلق. وأبطأ انغلاقَ الباب لحظةً شيءٌ ارتطم به من الجهة الأخرى، غير أنّ ذلك لم يمنع غرَنتِل من دفع الباب بقيّة الطريق حتّى أُغلِق على مِزلاجه من جديد.
«شكراً لك،» قال آل، «هذا ينبغي أن يمنحنا بعض الوقت لنُقرّر ما نفعله تالياً.»
«الغوبلن ليسوا جزءاً من الحمّامات، صحيح؟ فإن كان لدى هؤلاء شيءٌ ذو قيمةٍ جاز لنا أخذه؟» اقترحت ويكووكِت وهي تسدّ أنفها بيدها اليسرى وتشرَع بحذرٍ في إزاحة الثياب الخشِنة عن الجُثّة المقطوعة الرأس لترى إن كان فيها ما يستحقّ العثور عليه.
«أكاد أجزم أنّ هذا صحيح، أجل. استمتعي بذلك،» أجاب آل.
«لقد استمتعتُ من قبل، وأكاد أجزم أنّ هذا ليس ذاك.»
ولم تجد ويكووكِت، جزاءَ عنائها، شيئاً نافعاً بوجهٍ خاصٍّ على أيٍّ من الغوبلن، ما خلا الرماح القصيرة رُبّما، إذ بدَت متوازنةً بما يكفي للقذف. وكشف تفتيشُ بقيّة الغرفة عن زجاجٍ مكسورٍ متناثرٍ حول بابٍ في الجهة المقابلة للرِّواق من الغرفة، وهو الباب الذي كان الغوبلن يتّخذونه فيما يبدو هدفاً للقوارير التي يُفرغونها، وعن بضع قواريرَ زجاجيّةٍ أخرى مُغبَرّةٍ مملوءةٍ بسائلٍ كهرمانيٍّ فاتحٍ تحت المنضدة. ووجدوا كذلك فوق المنضدة جَرّةً من الطين خشِنةَ الصنع. وكانت رداءةُ صنعتها، وخُلوّها من الغبار، ورداءةُ ما بدا أنّه جمجمةٌ مرسومةٌ على جانبها بصِبغٍ أسود، تجعل من البديهيّ أنّها ليست من أصلٍ إلفيّ. وكانت مسدودةً بقطعة خشبٍ مطليّةٍ بغِلَظٍ بشحمٍ حيوانيٍّ من نوعٍ ما.
«يُخبرني حدسي الغنوميّ أنّ هذه الجَرّة تحوي شيئاً لا نريد شُربه،» لاحظت بحكمة.
«قُدرتك على الاستنباط تُذهلني،» قال آل بنبرةٍ خاليةٍ من التعبير.
«أليس كذلك؟ أقول إمّا أن يكون فيها سُمّ، وإمّا جماجمُ مسحوقة. وفي الحالتَين: مَقرَفة.»
«يمكننا أن نحملها إلى صيدليّة ونرى إن كنّا نستطيع معرفة ما هي حين ننتهي. وإن افترضنا أنّ أولئك الغوبلن هم من جاؤوا بها إلى هنا، فلا يمكن أن تكون شيئاً طيّباً. أمّا حتّى ذلك الحين، فينبغي أن نواصل الاستكشاف. أنريد أن نحاول فعل شيءٍ حيال ذلك الشيء العنكبوتيّ المُريع في آخر الرِّواق، أم...؟» سأل آل. فقاطعته صرخةُ إحباطٍ مُعذَّبةٌ ترامى صداها من مكانٍ ما وراء الدَّرَج الذي صعدوا منه. ودامت ثوانيَ عدّةً قبل أن تخبو.
«أحدهم غيرُ سعيد،» لاحظت ويكووكِت.
«أو في ورطة،» قال آل مُتّجهاً نحو الدَّرَج. «أظنّ أنّ علينا أن نستطلع الأمر.»
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion
Join the discussionانضمّ إلى النقاش
Sign in to comment and upvote.سجّل الدخول للتعليق والتصويت.