Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 83
لم يبدُ أنّ أحداً اعترض، إذ تحرّك رفاقُ آل ليتبعوه هابطين الدَّرَج من جديد.
«لعلّها فرصتُك لتقوم بأوّل عمليّة إنقاذٍ لك بصفتك بطل السيف!» قالت ويكووكِت بحماسة.
«لستُ بطلَ أيّ شيء في الحقيقة، وما السعيُ إلى إغاثة الناس إلّا مروءةٌ مألوفة،» قال آل ساخراً.
«قد يُحاجّ مُحاجٌّ بأنّ عَدَّ الاندفاعِ إلى نجدة أحدهم مروءةً مألوفة هو في ذاته دلالةٌ بيّنةٌ على البطولة،» حاجّ بوته وهم يبلغون البَسْطة عند أسفل الدَّرَج.
«إن كنتَ تقول ذلك،» أجاب آل مُرتاباً. ومال داخلاً إلى الرِّواق عن يمينه يتسمّع أيّ أصواتٍ أخرى. وبينما هو مُصغٍ، أطلّ فوقه رأسٌ وحشيٌّ كثيفُ الوَبَر على عُنقٍ طويلٍ وَبِر، وأُذناه ترتعشان.
«أتسمع شيئاً؟» سأل آل. «أحسبني أسمع ماءً.»
هَمْهَم غرَنتِل. «ماءٌ يجري.» وأصغى الغُنول ثوانيَ أخرى. «تفريش. ولعلّه صوتٌ خفيض.»
«تفريش؟» سأل آل، مُتخيّلاً شخصاً غامضاً يُعالج شَعره. وليُبيّن ما يعني، مسح غرَنتِل بيده على الجدار كأنّه يَنفُض عنه الغبار، فتقلّص وجهُ آل ألماً وهو يَحُتّ قُشور الأصبغة القديمة الرهيفة عن الجِداريّة.
«أيقول الصوتُ شيئاً؟»
«أخفضُ من أن يُسمَع.»
«أيودّ البطل الشجاع أن يقود الهجوم؟» مازحت ويكووكِت.
«لا أدري، أتودّين أنتِ؟» ردّ آل.
ابتسمت ويكووكِت ابتسامةً عريضة. «حسنٌ جدّاً، سأفعل!» قالت، مُستلّةً خِنجرها وعَضّاضة سو، ومُتّخِذةً وقفةً مسرحيّة. وفتحت فمها كأنّها تهمّ بالصياح في الجميع ليتبعوها إلى الخطر، لكنّها ابتسمت ابتسامةً ماكرةً ثمّ انطلقت في هدوءٍ في الرِّواق تستطلع. وتبعها غرَنتِل. وتبع آلُ وبوته غرَنتِل. انعطف الرِّواق يساراً بعد خمس خطواتٍ تقريباً، ثمّ امتدّ نحو عشرٍ أخرى. ولاحظ آل أنّ مقدار الثياب على ما تبقّى من الأشكال الإلفيّة المرسومة في جِداريّات الجدران بدا يتناقص باطّرادٍ كلّما اقتربوا من آخر الرِّواق. أمّا الباب العريض عن يمينهم فكان أحسنَ حفظاً من سائر الأبواب التي رأوها حتى الآن، إذ عُولج بضربٍ من الزيت يقيه أذى الرطوبة. وبدا أنّ مشهداً منقوشاً نقشاً دقيقاً على الباب يُصوّر غرفةً طويلة، فيها أحواضُ استحمامٍ مستطيلةٌ طويلة على طول الجدارين الأيمن والأيسر، وبِركةٌ دائريّةٌ واسعة في أقصاها. وبدا أنّ ضرباً من نافذةٍ مفتوحةٍ في الجدار الأيمن فوق تلك البِركة يجلس خلفها إلفٌ مُكتَسون يُراقبون المُستحِمّين. وفي كلّ بِركةٍ من البِرَك المُصوَّرة استلقت أشكالٌ منقوشةٌ لبِضعة أشخاصٍ عُراةٍ طوالِ الآذان، أو أخذوا يَحُتّون جلودهم تنظيفاً بأداةٍ منحنيةٍ كتلك التي كان يحملها التمثال في الرَّدهة.
كانت أصوات الماء الجاري بيّنةً هنا، وأخيراً استطاع آل أن يسمع الغَمغمة وأصوات الحفيف اللطيفة الآتية من وراء الباب. رفع بصره إلى غرَنتِل، الذي بدا مأخوذاً بالنقش البارز على الجدار في آخر الرِّواق أكثرَ من انشغاله بالباب. وبدا أنّه يُصوّر نافورةً تفيض. وبدت علاماتٌ محفورةٌ فيه تُصوّر ضرباً من الكتابة حول حافّة النافورة. كانت أصغرَ وأشدَّ اندراساً من أن يُعرَف ما تعنيه، غير أنّ في ترتيبها شيئاً بدا مُثيراً لاهتمام آل. ولم يستطع أن يُدرك السبب.
«أتُعجبك المنحوتة؟» سأل آل الغُنولَ، إذ لم يرَ قطُّ ما يدلّ على أنّ له أدنى اهتمامٍ بالفنّ أو تذوّقٍ له.
«ماء،» قال غرَنتِل بصوتٍ خفيض، مُشيراً إلى الجدار.
«هممم... نعم. نعم هو كذلك.»
هزّ آل رأسه وأعاد انتباهه إلى الباب. أشار إليه بطرف بورغاتيو، ورمق ويكووكِت بنظرةٍ مُستفهِمة. أومأت وأعادت سيفها الرفيع إلى غِمده، ثمّ فحصت الباب فحصاً متأنّياً. أدارت خِنجرها حول الحوافّ وتحتها. وأخيراً رفعت رأسها وهزّت كتفيها. وكانت إلى جانب الباب مِشكاةٌ خاليةٌ لمشعل، فوضع مشعله فيها، ومدّ يده اليسرى إلى مِزلاج الباب. وبأهدأ ما استطاع، رفع المِزلاج ودفع الباب مُنفتِحاً في بطء.
بدت المفاصل في مثل جودة خشب الباب، فدار الباب في صمت. تردّد آل حين لمح شيئاً إلى يمين الباب من الداخل مباشرةً: كُومةً صغيرةً من التراب، وغوبلن ميّتاً. كان الغوبلن ذابلاً كشيءٍ قديمٍ مُحنَّط، ووجهُه جامدٌ على تعبير رُعبٍ مفتوحِ العينين والفم.
أصبح بوسع آل الآن أن يسمع كلمات الصوت الأنثويّ في الداخل، وإن لم يفهمها. وكان صوت التفريش الخفيض هناك أيضاً.
«إيغو سوم كليودورا. ديبيو إيموندارِه. ريفيكيو. إيغو سوم كليودورا.»
دفع آل الباب مزيداً من الانفتاح في بطء. وكشف ضوءُ المشعل المُرتعِش أنّ القسم الذي يراه آل من الغرفة يُطابق فعلاً ما صُوِّر على الباب. وظنّ أنّه يكاد يلمح الحافّة الأقرب من البِركة المُستديرة في الطرف البعيد. وعلى خلاف كلّ ما رأوه حتى الآن، بدت هذه الغرفة نظيفةً وفاحت منها رائحة النظافة، وإن كان آل يرى بعض الشقوق في جدرانها الحجريّة.
أمّا الإلفيّة التي زحفت على الأرض مُبتعِدةً عنهم فلم يبدُ أنّها لحظت انفتاح الباب ولا ضوء المشعل. كانت تُغمغِم لنفسها وهي تُفرِّش الأرض أمامها، كأنّها تحاول أن تكنُس الغبار عن الأرضيّة بيدها. ومضت في صبرٍ إلى ما وراء مدى بصر آل.
وفي الظلمة في آخر الغرفة، صرخ الصوتُ من جديد، مُحبَطاً غاضباً.
«ديبيو إيموندارِه! إيغو سوم كليودورا! ديبيو إيموندارِه!»
...ثمّ خيّم الصمت على كلّ شيء.
«ما قصّة ذلك؟» سأل آل بصوتٍ خفيض.
«تبدو مُصابةً بمَسٍّ شديد. صرخت غاضبةً في وجه البِركة في آخر الغرفة، ثمّ غاصت فيها،» فسّر بوته.
«لكنّي لم أسمع صوت ارتطامٍ بالماء.»
«ولا نحن رأينا ارتطاماً. آه، لقد عادت.»
دوّت صرخةُ كربٍ بلا كلماتٍ من الظلمة، شبيهةٌ بتلك التي سمعوها من أعلى الدَّرَج. وشعر آل بالقلق إذ خطَت المرأة الإلفيّة عائدةً إلى مَرأى العين عند حافّة ضوء المشعل. كانت شاحبةً حزينة. ولم تُصدِر خطواتها صوتاً البتّة، وأزعج آلَ أن يجدها تبدو شفّافة. وبدأ وجهها يتغيّر وهي تُحدّق شَزراً في المغامرين عند الباب.
«آه، عذراً لإزعاجكِ، جئنا لنساعد،» نادى آل. ولم يكن لهذا الأثر المرجوّ. فتشوّه وجه المرأة الإلفيّة إلى قناعٍ مُرعِبٍ من الكرب والسَّخط والكراهية والموت، وهي تنزلق نحوهم سريعاً تصرخ صراخاً مجنوناً بالإلفيّة.
«ترانسغريسوريس أبييرونت! إيغو سوم كليودورا! ديبيو إيموندارِه! آآآيييييييييه!!!!!»
حتى بوته الرابطُ الجأشِ عادةً أفلتت منه صرخةٌ لا إراديّةٌ من هول المنظر. وصرخ آل أيضاً، مُتراجعاً مُتعثِّراً بعيداً عن الباب، مُمسِكاً بورغاتيو أمامه دفاعاً. وصرخت ويكووكِت، ورأى آل بطرف عينه خِنجرها الطاعن للأشباح مُمتدّاً أمامها وهي تتراجع هي الأخرى.
وغرقت أصواتُهم جميعاً في ضحك النُّباح الصارخ الحادّ النَّبرة لغُنولٍ بلغ به الذعرُ مبلغه. «أنت! أفلِتني! أفلِتني!» صاحت ويكووكِت. وخاطر آل بنظرةٍ خاطفةٍ جدّاً إلى الوراء فرأى غرَنتِل مُتقرفِصاً بإحكامٍ في الركن البعيد من الرِّواق مُلتصِقاً بالجدار الذي عليه نقش النافورة، مُتّسِعَ العينين، يضمّ إليه ويكووكِت المُتخبِّطة. وكانت قدماه تركلان إلى الأمام وهو يحاول التراجع أكثر رغم الجدار الذي يسدّ عليه. ولم يُتَح لآل أن يرى أكثر من هذا، إذ خمشته الروحُ الصارخة المُنتقِمة من عند الباب. فلوّح آل بسيفه نحوها في هَلَع، وسُرّ أن يلحظ أنّها تحرّكت فعلاً لتتفاداه.
«لا أريد أن أُؤذيها، فقد تكون لديها معلوماتٌ مفيدة!» نادى آل فوق هذيان الروح وذعر غرَنتِل الصاخب، وهو يَطعن في اتّجاه المرأة المجنونة الطافية بـبورغاتيو ليُبعِدها. وكانت يداها طويلتا الأظافر كمخالبَ شاحبةٍ شفّافة، وقد كادت تخمش يده. وكان قُربُ اللمسة بارداً مُثيراً للحكّة.
«قد تكون بعيدةً عن العقل، وقد نُضطرّ إلى قتالها إن لم تفهم،» ردّ بوته صائحاً، رافعاً عُلبة اللفائف البُرونزيّة المُكرَّسة التي تقوم رمزاً لطريقة إنديسينا المقدّسة.
«هلّا أخبرها أحدُكم على الأقلّ بأنّنا لم نأتِ لنقاتلها ولا لننهب المكان، إنّما جئنا لنُهيّئ المكان للترميم! كُفّي عن خَمْشي!» صاح آل، مُتفادياً ضربةً أخرى من اليد الشبحيّة.
«آه،» قال بوته، بصوتٍ يكاد لا يُسمَع وسط الضجيج الآخر. «نعم.»
انتصب واقفاً بكامل قامته، على مقاييس القَزَم، ورفع عُلبة اللفائف بكلتا يديه، وتكلّم. كان الصوت صوت بوته، لكنّه تردّد وتجاوب صداه على نحوٍ بدا أنّه يُخفِت سائر الأصوات.
«نوس بوغنارِه نون فينيموس. فوراري نون فينيموس. فينيموس أد لوكُم إيستوم ريستيتويندوم. أُنغويبوس أوبّوغنارِه نون ديبيس!» نطق صوتُ بوته.
لان وجه الإلفيّة الشبحيّة، وحلّ محلّ السَّخط الكاربِ غيرِ الإنسانيّ حُزنٌ تشوبه شائبةُ رجاء. وطفَت متراجعةً خطوةً بينما ترنّح بوته وتمايل لحظة. وأبقى آل بورغاتيو مُصوَّباً نحو الروح لكنّه خفض طرفه. وحتى ضحكُ النُّباح اليائس لدى غرَنتِل صار أقلّ هَلَعاً قليلاً، وإن كانت ويكووكِت لم تستطع بعدُ أن تنفلت من الغُنول المُتشبِّث بها.
«ماذا قلتَ لها، ظننتُك لا تتكلّم الإلفيّة؟» سأل آل لاهثاً.
«لا أتكلّم الإلفيّة، لكنّ المشيئة الإلهيّة تتكلّمها،» أجاب بوته. «يبدو أنّي نِلتُ دوراً أكثر مباشرةً في الخُطَط التي لا تُوصَف، فتمكّنتُ بعون الألوهة من إبلاغ رسالتك.»
«أيّ رسالة؟»
«أنّنا لم نأتِ لنقاتلها ولا لننهب المكان، وأنّنا جئنا لنُهيّئ المكان للترميم، وأنّ عليها أن تكفّ عن خَمْشك. تماماً كما قلت.»
«إيغو سوم كليودورا. لافاتيو ريستيتويتور؟ ديبيو إيموندارِه.» توسّلت الإلفيّة الشبحيّة. ورفع بوته يديه إليها يستمهلها.
«ماذا تقول؟» سأل آل.
«لا أدري، لا أتكلّم الإلفيّة. لكن، انتظر لحظة، إنّي واثقٌ أنّ المشيئة الإلهيّة تتكلّمها. فلعلّها تُشرِكني في ذلك،» أجاب بوته، وطأطأ رأسه ليُتمتِم دعاءً قصيراً يطلب فيه الفهم. ثمّ رفع رأسه وأدّى إشارة العين والأنف والأذن والفم الخاصّة بعقيدته، وأومأ إلى الشبح أن يُواصل.
نطق الشبحُ سيلاً مُتعجِّلاً من الكلمات الراجية. «إيغو سوم كليودورا. تينيور أد هُنك لوكُم. ديبيو إيموندارِه. لافاتيو ريستيتويتور؟ إيغو سوم كليودورا.»
أومأ بوته إليها، فضمّ الشبحُ يديه معاً، مُتوسِّلاً راجياً. «فوس أومنيس نوفاي سبيكييس هومينوم. إنتيلّيكسيستيس سيرمونيم ميوم؟ إيغو سوم كليودورا.»
أومأ بوته إليها من جديد. «تقول إنّ اسمها كليودورا، وإنّها مُقيَّدةٌ بهذا المكان، لكنّ عليها أن تُنظّف. ثمّ تلاحظ أنّنا أصنافٌ جديدةٌ من الناس، وأحسبها تعني بذلك أنّنا لسنا إلفاً، ثمّ تسأل إن كنّا نفهم ما تقول. وأحسب أنّ الإيماء للموافقة وهزّ الرأس للنفي يرجع إلى الإلف، فأنا أرجو أن أستطيع إبلاغ هذا القدر على الأقلّ. وإن صحّ ذلك، فقد قلتُ لها نعم.»
«إيغو سوم كليودورا. ديك كويد أكّيديريت إت كويد فوتوروم سيت!»
هزّ بوته رأسه نافياً، وغطّى فمه بيده.
«إنتيلِّغيس سيد لوكوي نون بوتيست؟ إيغو سوم كليودورا.»
أومأ بوته. «تسأل عمّا حدث، وعمّا سيحدث الآن. وأحسبني قد وُفِّقتُ في أن أُفهِمها أنّي أستطيع فهم معنى كلامها، لكنّي لا أقدر على النطق به.»
«لكنّك نطقتَ به قبل لحظات!»
«لم أنطق أنا. ذاك كان صوت الألوهة يتكلّم من خلالي.»
«أفلا يستطيع صوت الألوهة أن يُكلّمها إذاً؟»
«واثقٌ أنّه يستطيع، لكنّ ذلك ليس من اختياري. لا أستطيع ببساطةٍ أن آمُر الصوتَ الإلهيّ أن يتكلّم من خلالي، فهو ليس خادماً يُؤمَر. بل إنّ مجرّد التفكير في ذلك تجديف.»
«هذا... ممّا لا يُوصَف،» تذمّر آل.
«نعم، هو كذلك.»
بدا شبحُ كليودورا كأنّه يُفكّر.
«إنديكا ميهي هايك لافاتيو ريستيتويندا. ديبيو إيموندارِه. إيغو سوم كليودورا. أوت تِه كريدام؟»
«تبدو راجيةً فيما ادّعيناه من أنّ لافاتيو سيُرمَّم، لكنّها تشعر بأنّ عليها واجبَ التنظيف. وتسأل إن كان بوسعها أن تثق بنا.»
وضع بوته يده اليمنى على صدره وأومأ إيماءةً عميقةً مع انحناءةٍ صغيرة.
«أد هوك تينيور. فوس فينيتِه إت فيديتِه.»
استدار شبحُ كليودورا عائداً إلى داخل الغرفة وطفا نحو البِركة في آخرها، وقدماها تتحرّكان كأنّها تمشي لكن على نحوٍ لا يُطابق إيقاع سيرها تماماً.
«تُعيد أنّها مُقيَّدةٌ بشيءٍ هنا. وتدعونا أن نأتي فنرى شيئاً،» ترجم بوته، وتقدّم ليتبعها. وأخذ آل المشعل من مِشكاته من جديد ورفعه عالياً وهو يتبعها هو الآخر.
«هيّا يا غرَنتِل، أفلِتني! لنذهب لنرى ما تحاول الإلفيّة الميّتة أن تُرينا إيّاه!» طالبت ويكووكِت، وهي تتخلّص من قبضته أخيراً إذ هدأ غرَنتِل في الغالب. «لا تقلق، معي سكّيني الطاعنة للأشباح لأحميك إن حاولت شيئاً!» واندفعت إلى الغرفة لتلحق بهم. وبأنينٍ صغير، هرع غرَنتِل داخلاً على أربع، تاركاً ويكووكِت في المقدّمة.
توقّفت روحُ كليودورا عند حافّة البِركة المُستديرة، وأشارت إلى أعلى، دالّةً على موضعٍ بدت فيه كتلةٌ من الحجر ناقصةً من السقف. ثمّ أشارت إلى داخل البِركة. كان الماء ليبلغ الصدر تقريباً من إلفٍ أو بشريٍّ عاديٍّ واقفٍ فيه. وتموّج سطحُ الماء، الصافي صفاءً يكاد يُخفيه، تموّجاً لطيفاً بفعل تيّار. وفي قاع البِركة بعضُ الحُطام: بضعةُ صخورٍ كبيرة، ولاحظ آل وهو يركع ليُدقّق النظر، بعضَ العظام.
«إيبي سوم. كابتوس سوم. ديبيو إيموندارِه. نون بوسّوم نون إسّي أُبي أوسّا مِيا. إيغو سوم كليودورا. سي سينكيروس إس، أديوفا.»
«تقول إنّ تلك هي. إنّها مُقيَّدةٌ حيث عظامها. ويبدو أنّها تختبرنا، فهي تريدنا أن نساعدها لنُثبت صِدقنا.»
وصلت ويكووكِت، مُبقيةً خِنجرها مشهوراً تحسّباً لطارئ، ومالت لتنظر إلى داخل البِركة هي الأخرى.
«إذاً، تلك أنتِ؟» سألت ويكووكِت، مُشيرةً إلى أسفل نحو البِركة ثمّ إلى روح كليودورا. أومأ الشبح.
«إيغو نوفيسّيموس. إيغو سوم كليودورا. لاسّوس سوم إت سولوس. إن أكوا كوييفيت. دورميفي،» قالت. وتجهّم وجهها. «مورتووس بولّوتور ريكوييم ميام فينيفيت. ديبيو إيموندارِه. ميوم إست أوفّيكيوم. إيغو سوم كليودورا.»
«ليس هذا بمُطَمئِن،» قال بوته، «أحسبها تقول إنّها كانت آخر من بقي هنا، ولعلّها كانت آخر قيّمٍ على المكان حين هُجِر. تقول إنّها استراحت في الماء فغلبها النوم. ثمّ تقول إنّ مُدنِّساً ميّتاً جاء فقطع عليها راحتها. وتبدو عازمةً على أن تظلّ قيّمةً على هذه الحمّامات حتى في موتها.»
تجهّمت روحُ كليودورا إذ تسلّل غرَنتِل زاحفاً خلف ويكووكِت. ورغم تردّدٍ باديٍ عليه، انتصب واقفاً لينظر حوله ثمّ إلى داخل البِركة. وبدا أنّ هذا أفزع كليودورا.
«كواي إست هايك بيستيا؟» سألت مُدقّقةً النظر عن كثب. فانكمش غرَنتِل. «هوك إست أليكوو مودو هومينوم؟ فورتيس فيديتور.»
أومأ بوته. «لا يبدو أنّها تعرف ما الغُنول. تسأل إن كان صنفاً من الناس، ضخماً قويّاً.»
«سي أديوفابيس، بيستيام إلّام ميهي دابيس.»
«لستُ واثقاً تماماً ممّا تعنيه هنا، يبدو أنّها تعتقد أنّ بوسعنا مساعدتها بأن نُعطيَها غرَنتِل،» شرح بوته.
«ماذا؟ لا!» هتفت ويكووكِت، مُهدِّدةً الروح بخِنجرها. «أُحذّرك، لقد كنتُ أتحرّق شوقاً لأعرف إن كنتُ أستطيع فعلاً طعن الأشباح بهذا!»
تقرفص غرَنتِل خلف ويكووكِت الأصغر منه بكثير، مُبقياً إيّاها بينه وبين روح كليودورا بأفضل ما استطاع. واقتربت كليودورا مُنجرِفةً، على مبعدةٍ من مدى الطعن بقليل.
«كونكيدِه هوك. نون لايديتور،» قالت الروح بتوكيد. ثمّ انقضّت إلى الأمام.
أصابت طعنةُ ويكووكِت هواءً فارغاً إذ تلاشت روحُ كليودورا، وانهار غرَنتِل مُتشنِّجاً على الأرض.
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion
Join the discussionانضمّ إلى النقاش
Sign in to comment and upvote.سجّل الدخول للتعليق والتصويت.