Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 85
«ليتنا نستطيع حقّاً أن نطرح عليها الأسئلة. أودُّ أن أعرف كم بقي من هذا المكان، وما عسانا نتوقّع أن نجد،» تذمّر آل وهو يراقب شبح كليودورا يطفو نحو أكبر تكدُّسٍ من التراب وأوراق الشجر الميّتة على الأرض.
«قُدرتي على فهم ما تقوله ليست إلّا هِبةً مؤقّتةً على أيّ حال، فلن يبقى لنا وقتٌ طويلٌ لانتزاع الأجوبة،» قال بوته.
«على الأقلّ، إن كانت ستُرتِّب المكان بهذا الهَوَس، فالأرجح أنّ ذلك سيُسعِد مُشغِّلنا،» تنهّد آل، ومضى يجمع العظام المُبعثَرة. «مهلاً يا غرَنتِل، استَدِر كي أضع هذه في حقيبتك.»
رمق غرَنتِل آل بنظرةٍ مُتَّسِعة العينين، ثمّ بدأ يتراجع ببطء.
«حسناً، حسناً، أظنّ ذلك مفهوماً. أنا سأحملها.»
خلع آل حقيبته وحمّلها ما تبقّى من العظام بأتقن ما استطاع، ثمّ ارتداها من جديد. أمّا روح كليودورا فمضت في تنظيفها مسرورةً، لا تُعير الأمر انتباهاً.
«ما رأيكم أن نتفقّد ذلك الباب هناك الذي لم ننظر فيه بعد، ونرى إن كان خلفه شيءٌ يحتاج إلى القتل؟» اقترح آل. انتعش غرَنتِل وأطلق هَمهمة. وكأنّ شيئاً ذا بالٍ لم يحدث مؤخّراً، نهض وتسلّل نحو الباب المقصود، تتبعه ويكووكِت عن كثبٍ بابتسامةٍ عريضةٍ مُرتاحة. أصغى غرَنتِل إلى الباب، وانحنت ويكووكِت تحاول النظر من تحته.
أخذ مشعل آل يُفرقِع ويخبو.
«مهلاً، مشعلي على وشك أن ينطفئ، دعوني أُخرِج آخر...»
هيّأ غرَنتِل تُرسه وفكّ مِخبطه، ووضعت ويكووكِت يدها على مِزلاج الباب.
«لا، حقّاً، لن أقدر على الرؤية...»
فرقع المشعل ومات. سمع آل ويكووكِت ترفع المِزلاج، ثمّ وَقْعَ ما افترض أنّه غرَنتِل يُزيح الباب باندفاعه ليقتحم الغرفة. ثمّ كانت هناك طَقّةٌ! واحدة، كقطعة خشبٍ ثقيلةٍ تصطدم بالحجر، ثمّ دويُّ حجرٍ على حجرٍ إذ سقط شيءٌ على الأرض. وبلغت أُذُنَي آل نَفخةٌ غُنوليّة عبر الظلام. وفرغ آل من خلع حقيبته مرّةً أخرى بأسرع ما استطاع، وأخذ يُنقِّب فيها على غير هُدىً عن مشعلٍ آخر.
«حسناً، ذاك لن يُهدِّدنا في وقتٍ قريب!» أعلنت ويكووكِت من الظلام بشيءٍ من التسلية.
«ما أراه من الغرفة من هنا يُشبه إلى حدٍّ بعيدٍ تلك التي في الجهة المقابلة، حيث قاتلنا الجرذان ثمّ أكلناها،» شرح بوته لآل. «أُرجِّح أنّهما كمَنا للتمثال الزخرفيّ الذي فيها.»
عثر آل أخيراً على مشعل. أخرجه وأمره أن يُشعل نفسه. ولم يسمع أصوات استغاثةٍ أو عنفٍ تأتي من الغرفة التي اجتاحتها ويكووكِت وغرَنتِل، فأخذ وقته في ارتداء حقيبته قبل أن يذهب لينظر.
وكما تنبّأ بوته، كانت الغرفة صورةً مرآويّةً للأخرى، غير أنّ ستائرها المُتعفِّنة فوق الحُنايا لم تكن مُمزَّقةً بفعل الجرذان، وكان لتمثال الرخام المقطوع الرأس الآن وِركان وصدرٌ أبرزُ قليلاً، ما يوحي بأنّ هذا يُمثِّل امرأةً إلفيّة. أمّا رأس التمثال فكان مُلقىً على الأرض، مكسوراً عند العنق. وأنفُه مُلقىً على الأرض على بُعد أقدامٍ قليلة.
كان غرَنتِل وويكووكِت يتسلّلان نحو الحُنايا المستورة بالستائر ويجذبان الستائر جانباً بحثاً عن أيّ شيءٍ خَطِر. فلم يجدا سوى بُقَع العفن.
«على الأقلّ الكَسْر نظيف،» لاحظ بوته، مُتقدِّماً ليقف إلى جانب آل ويفحص التمثال. تنهّد آل والتقط الأنف. ثبّته في وجه الرأس الملقى على الأرض، واستعان بحيلةٍ سحريّةٍ أخرى ليجعله ينسى أنّه كُسِر. رفع الرأس الحجريّ الثقيل، ثمّ قرّر أنّه لن يملك القوّة ليُعيده إلى موضعه بإتقانٍ ويُمسكه وحده ريثما يُصلحه.
«مهلاً يا غرَنتِل، ساعدني في إعادة هذا قبل أن تلحظ كليودورا أنّك كسرته،» نادى. وتجاهل وخزة الذنب التي شعر بها حين رأى تعبير القلق على وجه غرَنتِل بينما هُرِع الغُنول إليه.
لم يمضِ سوى أسبوعين، وهذا ليس وجهاً بشريّاً البتّة. أمِن الغريب أنّني صرتُ أعرف كيف يبدو «القلق» على غُنولٍ بهذه السرعة؟ تساءل في نفسه. لكنّه بعد ذلك، كما فعلا مع تمثال فورتونا في حِصن وولفكِن، جعل غرَنتِل يُثبِّت الرأس فوق عنق التمثال كي يُزيل الكَسْر بالسحر.
«ها هو ذا، كأنّه جديد. حسناً، كأنّه كان يوم وصلنا، على أيّ حال،» أعلن آل، فجاءته همهمةٌ موافِقةٌ من غرَنتِل. رفع آل مشعله ونظر حوله. وعلى نحوٍ يُماثل الغرفة الأخرى، رأى آل رِواقاً يمتدّ بعيداً إلى عُمق لافاتيو. وبدا أنّ شيئاً من ضوء الشمس يتسلّل إلى هذا الرِّواق.
«هل وجدتِ شيئاً؟» نادى ويكووكِت، التي كانت تنحني لتنظر في حوض الماء الفائض ببطءٍ عند الجدار.
«كلّا، لا شيء يستحقّ البتّة. التمثال لم يُقاوِم حتّى،» أجابت. فكّر آل أين يضع عظمة، وتنهّد تنهيدةً ثقيلةً حين أدرك أنّه سيضطرّ إلى خلع حقيبته مرّةً أخرى، إذ هناك وضعها. أوثق مشعله في ذراع تمثال المرأة الإلفيّة المثنيّة وخلع حقيبته. مدّ يده فيها وانتقى واحدةً من الفِقرات السائبة من هيكل كليودورا، ووضعها عند قدمَي التمثال. ثمّ أخرج نُخبةً من الفِقرات وعظام الأصابع ليضعها في جيب ردائه، قبل أن يمرّ بالعمليّة كاملةً في ارتداء حقيبته مرّةً أخرى واستعادة مشعله. وكانت ويكووكِت وبوته واقفَين قريباً، ينتظران بصبر، بينما كان غرَنتِل يحكّ بفضولٍ عابرٍ عنق التمثال المُصلَّح سحريّاً حيث أُعيد وصله.
«حسناً، إن كنتم قد فرغتم من النَّخس هنا وهناك،» قال آل، «فأظنّنا نستطيع أن نرى من أين يأتي الضوء في ذلك الرِّواق.»
«لا، انتظر لحظة،» اعترضت ويكووكِت. أخرجت عَضّاضة سو من غِمدها ونخَست بها مؤخّرة التمثال المكسوّة بتوغا الرخام نَخَساتٍ قليلة. «حسناً، الآن فرغتُ من النَّخس.»
وبعد تنهيدةٍ ثقيلةٍ واستجداءٍ صامتٍ مسرحيٍّ للسقف طلباً للرحمة، هزّ آل رأسه وخطا إلى الرِّواق.
بدا أنّ جزءاً كبيراً من الجدران والسقف هناك قد انهار، ولعلّ تآكلاً طويلاً بفعل خيط الماء الرفيع المتقاطر من الفتحة المكشوفة التي تنفذ منها الشمس هو السبب. وشكّل الماء بِركةً ضحلةً تمتدّ في أنحاء الأنقاض الحجريّة المُسنَّنة من السقف والجدران المنهارة، ونَمَت فوق كلّ شيءٍ حَزازيّاتٌ تكسوها لُزوجةٌ خضراء.
«تُرى هل تستطيع كليودورا أن تُنظِّف ذلك؟» تساءل آل بصوتٍ مسموع. مدّ يده إلى جيبه ليأخذ عظمةً صغيرة، واختار حجراً مُطحلِباً مستوياً نسبيّاً في وسط الأنقاض، وخطا خطوةً نحوه.
طارت قطعة العظم إذ انزلقت قدمه من تحته لتوّها على الأرض المُشرَّبة باللُّزوجة، فسقط إلى الأمام سقطةً عنيفة. وآلمه ارتطامه بالأنقاض الحجريّة، وسمع آل مشعله يَهسسسس إذ غاص لحظةً في سطح البِركة. لم يكن انسحابه مُشرِّفاً، لكنّه تمكّن من الانزلاق عائداً خارج النَّبْت اللَّزِج إلى الرِّواق الجافّ، حيث جلس يلتقط أنفاسه لحظةً والآخرون ينظرون.
«هل أُصِبتَ بسوء؟» سأل بوته.
فرك آل صدره حيث ارتطم بالصخور، مُتقلِّصاً من الألم. «لا أظنّ شيئاً قد انكسر، لكنّ ذلك سيترك كَدمةً قبيحة.»
«لستُ متأكّدةً،» علّقت ويكووكِت بتأمُّلٍ مُبالَغٍ فيه، «لكن قد يكون أنّ هذه المنطقة شديدة الزَّلَق وخطيرةُ السير فيها.»
هَمهم غرَنتِل موافِقاً.
«أتعلمين، كان صوت روح ميليسا المُجرَّدة من الجسد مُحقّاً، أنتِ فعلاً وقِحةٌ سليطةُ اللسان،» ردّ آل.
«شكراً لملاحظتك، إنّني أجتهد كثيراً!» ردّت ويكووكِت بابتسامةٍ راضية.
«إن لم أكن مُخطئاً،» قال بوته، «فذلك الباب في الطرف الآخر من الرِّواق، على بضع خطواتٍ إلى الأمام هناك، هو على الأرجح الباب الآخر لغرفة الشراب. ولعلّ الأيسر أن نعود ببساطةٍ من حيث دخلنا أوّل مرّة، عند الدَّرَج.»
عادوا أدراجهم. وكان شبح كليودورا لا يزال يُذكِّر نفسه بهدوءٍ بمن هي وبما تفعل، وقد بدا هادئاً. وكان قد كنس بيديه الشبحيّتين كثيراً من الحطام أمام الدَّرَج إلى كُومةٍ صغيرة. ولم يرفع بصره حتّى إلى الرِّفقة وهم يُعيدون خطو الطريق الذي سلكوه حين وصلوا أوّل مرّة، فوضعوا عظمةً عند قدم تمثال الرجل الإلفيّ، ثمّ أخرى في رُكنٍ من غرفة الخزن التي اقتحموها، وثالثةً في مِشكاة مشعلٍ خاليةٍ في الرِّواق.
لم تكن رائحة غرفة المُرطِّبات العالقة، رائحةُ البراندي العتيق المُراق والغوبلن الموتى، مُرطِّبةً في شيءٍ في الحقيقة، لكنّ آل خلع حقيبته مرّةً أخرى وجلس إلى أبعد طاولةٍ عن بقايا الغوبلن. أخرج أدوات الكتابة والرسم الذي كان يُعِدّه لمُخطَّط لافاتيو. وبناءً على طلبه، جذب غرَنتِل الباب المُغلَق غير المُستكشَف ففتحه، وأكّد أنّه فعلاً على الجانب الآخر من الرِّواق المُحطَّم اللَّزِج.
«هل من بأسٍ أن نستريح قليلاً؟ أريد أن أرسم ما رأيناه حتّى الآن، والأرجح أنّه من الطيّب أن نلتقط أنفاسنا قبل أن نتعامل مع أيِّ شيءٍ عنكبوتيٍّ فظيعٍ يكون في تلك الغرفة.»
نفخ غرَنتِل بنفاد صبر، لكنّه بعد ذلك هَمهم وجثم إلى الطاولة مع آل، مواجهاً الرِّواق ليراقب الباب المُغلَق الذي يُخفي المخلوق الذي يعتزمون قتله. ونقّب في حقيبته عن كُرةٍ أخرى من الشحم واللحم يتسلّى بها ريثما ينتظر.
«أظنّنا سنُضطرّ إلى شرب قليلٍ ممّا كان الغوبلن منهمكين فيه،» اقترحت ويكووكِت بمرح.
«إن كان جيّداً، فالأرجح أنّه ذو قيمة، فلا ينبغي أن نأخذ منه شيئاً،» أجاب آل دون أن يرفع عينيه عن رسمه.
«حسناً، ربّما، لكنّنا لن نعرف إن كان جيّداً ما لم نتذوّقه!» عارضت ويكووكِت، «أعني، الغوبلن كانوا يشربونه، فلعلّه فظيع.»
«إنّها تطرح وجهةَ نظرٍ وجيهةً حقّاً،» وافق بوته.
«مع ذلك، لا يُفترَض بنا أن نأخذ شيئاً.»
«إن انتظرنا قليلاً، أمكننا أن نتركه وراءنا حين نفرغ منه!» اقترحت ويكووكِت بابتهاج. «لا بدّ أنّ لديهم بيوت خلاءٍ هنا في مكانٍ ما.»
«هذا...»
استسلم آل.
«حسناً، لا بأس، لكنّني سأثق بألّا تُفرطي. وسننتظر فعلاً حتّى... تُعيديه، كي نكون على الأقلّ مُلتزمين بـنصّ العقد.»
ذهبت ويكووكِت إلى خلف المِشرَب والتقطت واحدةً من القوارير التي كان الغوبلن على وشك أن يقذفوها بها. فقد وقى جسدُ الغوبلنيّ التعِس المُتفحِّم القارورةَ من الارتطام بالأرض. كانت قارورةً شِبه كرويّةٍ بسِدادةٍ زجاجيّة. ودلّت خرزاتُ شمعٍ قليلةٌ حولها على أنّها كانت مختومةً في الأصل، غير أنّ حرارة النار السحريّة أذابت الخَتْم، فسقطت السِّدادة. وكان نحو نصف ما في القارورة لم يُرَق بعد على الأرض. شمّت ويكووكِت بحذر، ورفعت حاجباً، وأمالت القارورة لتأخذ رشفة.
«براندي جيّد!» أعلنت. أخذت رشفةً أخرى، ثمّ التقطت السِّدادة عن الأرض وأغلقت بها القارورة.
تململ غرَنتِل بنفاد صبر، وأذناه ترتعشان وهو يواصل مراقبة الباب في آخر الرِّواق. «يتحرّك شيءٌ هناك،» زمجر.
«لحظة، كِدتُ أنتهي... ها هو. أظنّ هذا كافياً في الوقت الحاضر،» أجاب آل. نظر إلى رسمه للخريطة. لم يكن عملَ رسمِ خرائطٍ محترفاً بأيّ مقياس، لكنّ آل ظنّ أنّه سيكفي لإرشاد عُمّال الترميم. أعاد حزم أدوات الكتابة بعناية، ثمّ ذهب ليضع عظمةً أخرى من عظام كليودورا تحت المِشرَب.
«والآن،» قال، «كيف تريدون التعامل مع الشيء العنكبوتيّ لا تَركض إلى هناك وتفتح الباب بعد!»
نفخ غرَنتِل مرّةً أخرى، لكنّه عاد فجثم بينما ناقشوا ما يفعلون. ولمرّةٍ واحدة، وجد آل نفسه مضطرّاً إلى موافقة ويكووكِت على أنّ اللجوء إلى السحر من البداية مُبرَّرٌ على الأرجح في هذه الحالة، إذ كانت الغرفة مملوءةً بالنسيج العنكبوتيّ وقد لا يقدرون على تحديد موضع الشيء بالضبط. وبدا استحضار رقعةٍ واسعةٍ من النار تملأ الغرفة، على أملِ إزالة النسيج ورُبّما الشيء العنكبوتيّ معه، نهجاً تكتيكيّاً ذكيّاً. سيجذب غرَنتِل الباب فاتحاً إيّاه في اللحظة التي يفرغ فيها آل من تعويذة استحضار النار، ثمّ يتراجع آل مسافةً كافيةً ليُفسِح لغرَنتِل مجالاً ليضرب الشيء العنكبوتيّ حتّى الموت إن نجا، وتُساعده ويكووكِت بإصرارٍ منها هي.
مضت الخطّة بسلاسة. أخذ غرَنتِل مكانه إلى جانب الباب وأمسك المِزلاج. أنشد آل وأدّى الإشارات المناسبة، وضبط غرَنتِل توقيت فتح الباب ضبطاً مُتقَناً. وملأت دَفقةُ لهبٍ ساطعةٌ لافحةٌ الغرفةَ كلَّها خلف الباب، فأذابت النسيج في لحظة، وأبرزت عنكبوتاً بحجم كلبٍ كبيرٍ يذوي ويتفحّم في الحرّ مباشرةً في الجهة المقابلة من الغرفة. تراجع آل بضع خطواتٍ إلى الوراء، مُستلّاً بورغاتيو وهو يمضي.
والعيب الوحيد في الخطّة، كما أدرك آل بعد فوات الأوان، كان في افتراض أنّ الشيء العنكبوتيّ واحدٌ لا غير. فقد قذفت عناكبُ مسفوعةٌ ضخمةٌ على نحوٍ غير طبيعيٍّ أنفسَها في الهواء نحو آل وغرَنتِل من أقصى أركان الغرفة البعيدة.
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion
Join the discussionانضمّ إلى النقاش
Sign in to comment and upvote.سجّل الدخول للتعليق والتصويت.