Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 86
كان العنكبوتُ المُريع في حجم جِذع آل. ارتطم بأعلى بدنه كأنّه كيسٌ جلديٌّ ثقيلٌ مُترَعٌ بالطين. تشبّثت به أرجُلُه الكثيرة، وقد أفقدته الصدمةُ توازنَه فسقط. غرَس المخلوقُ نابَيه الشبيهَين بالخنجر في كتف آل. فصرخ من الألم الحارق وهو يتخبّط على الأرض ليدفع الشيءَ عنه ويُهيّئ بورغاتيو للطعن. ولم يكن ليفضُل له من الانتباه ما يمنحه لغرَنتِل حين علا نُباحُه الضاحكُ المتلهّف، غير أنّ طرَفَ عين آل التقط الغُنولَ أسودَ العينين وهو يُبعِد عنه واحداً آخرَ من المخلوقات العنكبوتيّة. كانت أرجُلُه تخربش بحثاً عن مَوطئٍ في غرَنتِل، وهو ينقضّ ليَهوي بأسنانه الكبيرة اللامعة على ما خلف رأسه.
أسقط غرَنتِل العنكبوتَ المُصاب يرتعش على الأرض، واندفع إلى داخل الغرفة، بينما انقضّ وميضٌ ساطعٌ من النور الإلهيّ من السقف على مُهاجِم آل. وتبِعه لمعانُ معدنٍ نفَذ في جانب رأسه فأرسله يتشنّج ويتدحرج عن آل. هرَع بوته ليُعين آل على النهوض، فيما انضمّ إلى ضحك النُّباح الآتي من الغرفة الأبعد عدّةُ أصواتٍ عالية: كلونك! من خشبٍ يرتطم بحجر.
اقترب صوتُ خربشةٍ خافتةٍ سريعاً من الرِّواق، فخرج عنكبوتٌ آخرُ مُسرِعاً من أعلى المدخل وفرّ فوق رؤوسهم على امتداد السقف عبر الرِّواق.
ورغم أنّ أرجُله الأماميّة كانت محروقةً متيبّسة، تحرّك المخلوقُ بسرعةٍ فتفادى طعنةَ آل المتعجّلة نحوه بـبورغاتيو وهو يمرّ. سمع آل وقعَ خُطى غرَنتِل يجري خلفه، لكنّه لم يظنّ أنّ الغُنول قادرٌ على اللَّحاق به، لِما رأى من سرعة العنكبوت. أعاد بورغاتيو إلى موضعه مرّةً أخرى، واستدعى النُّشّابات من العنف المُجرَّد التي علّمته إيّاها ميليسا. أصابته وقد بلغ منتصفَ سقف غرفة المُرطِّبات. ارتعش وتلوّى برهةً ثمّ سكن، مُتدلّياً من السقف بساقٍ واحدة. انطلق غرَنتِل راكضاً في الرِّواق خلفه وضرَب العنكبوتَ المُتدلّي ضربةً عنيفة. فتناثر الصديدُ والأشلاء على الجدار المقابل في فوضى، إذ كاد الشيءُ الميّتُ ينفجر من هَول الضربة. تلفّت غرَنتِل باحثاً عن أشياءَ أخرى يقتلها فلم يجد. أطلق نَفخةً طويلةً من الضِّيق، ثمّ عاد يهرول في الرِّواق إلى حيث وقف الآخرون يرقبون البابَ بحذرٍ تحسُّباً لخروج شيءٍ آخرَ يهاجمهم.
أطلق آل فحيحاً من الألم اللاذع وهو يرفع يده بلا وعيٍ ليدلك الموضع الذي عضّه فيه العنكبوت. ولم يكن يصدر عن الغرفة صوتٌ سوى خريرِ ماءٍ خافتٍ في مكانٍ ما بداخلها. رفع آل مشعله ليُمعِن النظر، فتأوّه حين زادت الحركةُ ألمَ العضّة. وفي ضوء المشعل، من خلال ضبابِ دخانِ النسيج العنكبوتيّ المحترق، رأى آل الكُتلةَ المُسوَدّةَ التي بقيت من أحد الأشياء العنكبوتيّة، ملقاةً على الأرض مُلتصِقةً ببابٍ في الجدار المقابل. وكان بابٌ آخرُ في الجدار الأيسر، بين طَستَي غسيل. وإلى اليمين، اصطفّت مقصوراتٌ على طول الجدار، تُحيط كلٌّ منها بجزءٍ من مقعدٍ حجريٍّ يمتدّ بامتداد الجدار، وفي كلِّ جزءٍ منه فتحة. وبدا أنّ صوت الماء الجاري آتٍ من هناك. أمّا الأبوابُ النصفيّةُ الخشبيّةُ المتفحّمةُ قليلاً، التي تستر المقصورات من نحو قدمين فوق الأرض إلى نحو ثلاث أقدامٍ دون السقف، فكانت مفتوحةً مُعلَّقةً على مفاصلَ برونزيّةٍ في طرَف كلِّ جدارِ مقصورة. وتناثرت على الأرض عظامٌ كثيرة، أكثرُها لحيواناتٍ صغيرةٍ من نوعٍ ما. وكان هناك أيضاً غوبلنٌ محترقٌ ميّتٌ تماماً، وقد علِقت به كُتَلٌ متفحّمةٌ من النسيج العنكبوتيّ.
«وجدتُ بيوت الخلاء،» قال آل، وهو يُنزِل المشعل ثانيةً مع تكشيرةِ ألم. عاد غرَنتِل إلى الداخل وتلفّت آمِلاً في تهديداتٍ أخرى. فلمّا لم يجد شيئاً، ذهب ينظر في الفتحات.
«اسمح لي أن أفحص تلك الإصابة،» ألحّ بوته على آل بينما كان غرَنتِل منشغلاً بتحرّياته، «فإن كانت مسمومةً، فمن الخطر أن تُترك بلا علاج.»
«حسناً، لكن لنبتعد عن هناك تحسُّباً لوجود شيءٍ آخرَ مختبئ،» وافق، «آه، وشكراً لكما على نجدتي هناك. لم أتوقّع أن يكون منها المزيد، ولم أكن أعلم أنّها تستطيع الوثب هكذا.»
«لا عليك، لا يمكننا أن ندع مكروهاً يصيب بطلَ سيفنا الجبّار!» ردّت ويكووكِت، «ثمّ إنّك كنتَ ستفعل مثلها من أجلنا.»
تعثّر آل في العثور على ردٍّ ظريف. «نعم، على الأرجح،» قال أخيراً، «إن كنتُ أستطيع فعلاً أن أُصيب ما أضربه به. وأنتما، أسالمان؟»
«حتّى الآن!» أجابت ويكووكِت. وأومأ بوته.
«حسنٌ إذن، هل تُمانعين في مرافقة غُنولنا تحسُّباً لأن يُغيظ شيئاً خطراً هناك؟» سأل آل ويكووكِت.
«لن أفوّتها، ينبغي أن تُتاح لي فرصُ إغاظةِ أشياءَ خطرةٍ أنا أيضاً!» أجابت مبتسمةً، ودخلت الغرفة لترى ما ينظر إليه غرَنتِل. أمّا بوته فقاد آل عائداً إلى طاولةٍ في غرفة المُرطِّبات وأعانه على خلع ردائه وقميص الزَّرَد. عبَس آل أمام الثقبين الصغيرين النافذين عبر حَلَقاتٍ مكسورة، فيما راح بوته يجُسّ ما حول الثقبين في كتفه. لم يكن النابان قد نفَذا عميقاً، ولعلّ اضطرارهما إلى اختراق الدِّرع الزَّرَديّة قد أبطأهما. لم ينزف الثقبان الصغيران إلّا قليلاً، لكنّ الجلد حولهما كان أحمرَ داكناً غاضباً. صاح آل صيحةً قصيرةً حين ضغط بوته برفقٍ على الإصابة وفحص ما نتج عن ذلك من دمٍ وتغيّرٍ في لون الجلد. وضع القزمُ يدَه بلُطفٍ بين الثقبين وتلا دعاءً وجيزاً ليُصحّح ما أحدثه الجُرح من خللٍ في الخُطَط التي لا تُوصَف، فنبض وميضٌ من النور الإلهيّ من تحت يد بوته. وأحسّ آل بالراحة إذ خفّ الألم على الفور إلى وجعٍ خفيف.
«إذن، يُسمَح للساحر بأن يُشفى شفاءً مُعجِزاً بين الحين والآخر،» قال آل.
«نعم، بين الحين والآخر،» وافق بوته.
التقط آل قميص الزَّرَد وثنى الحَلَقات بعنايةٍ إلى مواضعها، وسَحَرَ المكسورةَ منها فعادت سليمةً واحدةً تلو الأخرى. ثمّ شدّها ليطمئنّ إلى متانتها. ثمّ سَحَرَ الثقوبَ في قميصه القُماشيّ الداخليّ فزالت، وتبِعتها بقعُ الدم.
وبينما هو منشغلٌ بذلك، أصغى إلى غرَنتِل وويكووكِت في آخر الرِّواق.
«مرحبااااا!» تردّد صوتُ ويكووكِت وارتجّ وهي تصيح في فتحات بيوت الخلاء. وسمعها آل تضحك حين وجّه غرَنتِل عُواءً منخفضاً ينتهي بـزَعقةٍ صاعدةٍ سريعة في إحدى الفتحات هو أيضاً.
كان آل يُعيد ارتداء قميص الزَّرَد حين سمع ويكووكِت تهتف: «واو! لا يزال ساخناً!»
«ما الأمر؟» نادى آل في الرِّواق.
«ذلك الباب خلف العنكبوت الذي شويتَه لا يزال ساخناً عند اللمس!» صاحت مُجيبةً. «أمّا الآخر فلا.»
«لا تفتحاهما بعد، انتظرانا!» صاح آل، وهو يُعيد ارتداء ردائه ويشدّ بورغاتيو حول خصره من جديد. وراقبه بوته وهو يفعل ذلك.
«يبدو أنّك لم تعد تتألّم،» لاحظ القزمُ مومئاً برضًا، «أفنذهب لنرى أيّ خطرٍ آخرَ وجده لنا مُثيرا المتاعب؟»
«أُفضّل ألّا نذهب، لكنّي لا أظنّنا نستطيع تجنّب ذلك.»
وجد آل ويكووكِت مُستلقيةً على الأرض قرب الباب المقابل، تحاول أن ترى ما تحته من حول البقايا المُتقرمِشة للعنكبوت الذي كان ينتظر هناك حين استدعى آل النار.
«الحرارةُ آتيةٌ من الداخل،» لاحظت، «لا أرى الكثير، لكنّ الغرفة تبدو خاليةً في مُعظمها، إلّا من كُتلةِ شيءٍ ما في الوسط. لم أرَ شيئاً يتحرّك.»
تثاءب غرَنتِل وألصق أذنه بالباب. وأصغى مليّاً.
«ماء. بعضُ فحيح،» أعلن الغُنول.
«فحيح... كأفعى؟» سأل آل، مُتذكّراً آخر ما قاتلوه من الموتى الأحياء ذوي الأجساد غيرِ بشريّةِ الهيئة: الأفعى الهيكليّة العملاقة في قبر أيميليا وداريوس. هزّ غرَنتِل كتفيه.
«إذن، لعلّ الشيء الذي تريد قضيّتُك الغامضة أن نأسِره موجودٌ هناك. لا تفتحوا الباب بعد!» سارع آل إلى إضافة ذلك، «أرى أن نترك هذا للنهاية، بعد أن تُتاح لنا فرصةُ الاستعداد كما ينبغي. سيكون من الخطورة بمكانٍ أن نُقاتل شيئاً ميّتاً مجهولاً، فكيف بأن نفعل ذلك دون أن نُدمّره. أيّاً كان.»
«أمُتأكّدٌ أنت؟» سألت ويكووكِت، «سيكون الأمر أشدَّ إثارةً لو اقتحمناه فحسب!»
«لا أدري أجادّةٌ أنتِ الآن أم لا، لكنّي أُفضّل أن أبسُط إثارةَ حياتي على مدًى طويلٍ، بدل أن ينتهي بي الأمر مقتولاً قبل الأوان بأحداثٍ مُفرِطةِ الإثارة. كنتُ أحسبكِ توافقينني، فمن الصعب أن تتباهى بمغامراتك وأنت ميّت.»
«أوه! ولكن ماذا لو صرتُ شبحاً! أستطيع أن أسكن هذا المكان وأحكي قصّتنا للزائرين إلى الأبد!»
«لكنّكِ عندئذٍ ستعلَقين هنا، ولن تكون لديكِ قصصٌ جديدة أبداً.»
«أتدري، أنت متشائمٌ حقيقيّ،» اتّهمت ويكووكِت آل.
«واقعيّ. ثمّ إنّني، وأنا أعرف حظّي، أُرجّح أنّ الشيء المُريع الذي يُفترض أن نصادفه مختبئٌ في غرفةٍ عاديّةٍ تماماً، وأنّ هذه الغرفة الحارّة على غير طبيعةٍ ليست إلّا نوعاً من الخدعة. وقد ينتهي بنا الأمر جميعاً إلى أن نسكن هذا المكان أرواحاً على أيّة حال.»
«هذه هي الرُّوحُ المطلوبة! ها! لقد تلاعبتُ بالألفاظ،» قالت ويكووكِت مبتسمةً. «حسنٌ، سنُلقي نظرةً على الباب الآخر أوّلاً.»
ذهبت لتختلس النظر تحت المدخل الآخر، وانضمّ إليها غرَنتِل مُتكاسلاً ليُصغي.
«ماءٌ أيضاً،» أعلن غرَنتِل.
«أظنّني أرى بضعةَ كراسيَّ كبيرة، لكن ليس أكثرَ من ذلك. يبدو أنّها ليست واسعةً جدّاً، فالجدار يبدو على بُعد خطواتٍ قليلةٍ فقط من هنا،» قالت ويكووكِت من على الأرض.
بدا بوته مُتفكّراً. «إن لم أكن قد أضعتُ إحساسي بالاتّجاه، فأحسبنا قريبين من الحمّامات. لعلّ هذا هو الفضاء الذي رأيناه مُطِلّاً عليها.»
«ثمّة طريقةٌ واحدةٌ لنعرف!» أعلنت ويكووكِت، فنهضت واضعةً يدها على المِزلاج. هيّأ غرَنتِل تُرسَه ومِخبَطه في هدوء. رفعت ويكووكِت المِزلاج وجذبت الباب فانفتح، فمال غرَنتِل إلى الفضاء الذي وراءه يتلفّت.
أشبِع من العنف ما يكفيه في الوقت الراهن؟ أحسبنا قاتلنا أشياءَ تحاول قتلنا بعنفٍ ثلاثَ مرّاتٍ على الأقلّ في الساعة أو الساعتين الأخيرتين فحسب. أسيكون هذا مشكلةً حين نجد الشيء الذي يُفترض أن نُخضِعه؟ تساءل آل في نفسه. ثمّ إنّ ذلك قد يُسهّل منعَه من تدميره إن نشِب قتال. وتبِعه وغرَنتِل يتمشّى عبر المدخل المفتوح.
وصِدقاً لتنبّؤ بوته، رأى آل أنّهم في ما يُشبه شُرفةً ضيّقةً مُطِلّة. فعلى بُعد أربع خطواتٍ من الباب تقريباً كان ثمّة جدارٌ جزئيٌّ يرتفع من الأرض إلى نحو مستوى الخصر. وما فوقه مفتوحٌ يُطِلّ على الحمّامات في الأسفل. وقد صُفّت كراسيُّ من الغرانيت المنحوت نحتاً بديعاً قرب الفُتحة، حيث يستطيع الجالسون أن يراقبوا بيُسرٍ كلَّ من في الحمّامات. ومع أنّ عرضها لم يتجاوز بضع خطوات، فقد امتدّت خمس عشرة إلى عشرين خطوةً فوق الحمّامات. وكان في الجدار عند الطرف الآخر بابٌ آخر، ذهبت ويكووكِت وغرَنتِل ليتفحّصاه.
«يا هذا! وهذا ساخنٌ أيضاً!» نادت ويكووكِت وهي تنبطح على الأرض لتنظر تحت الباب. «إنّها الغرفة نفسها، أرى تلك الكُتلة ناتئةً في وسط الغرفة، ولعلّها في حُفرةٍ من نوعٍ ما. وأسمع ماءً جارياً وذلك الفحيح الذي ذكره غرَنتِل.»
«أحسب أنّ هذا يحسم الأمر. تبدو هذه الغرفة المكانَ الوحيد المتبقّي، فلا بدّ أنّ ما نبحث عنه، أيّاً كان، بداخلها،» استنتج آل بصوتٍ مسموع.
«أنت على وشك أن تُخبِرنا ألّا نفتح الباب بعد كي نُمضي وقتاً مُمِلّاً في الاستعداد، أليس كذلك،» تنبّأت ويكووكِت.
«نعم.»
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion
Join the discussionانضمّ إلى النقاش
Sign in to comment and upvote.سجّل الدخول للتعليق والتصويت.