Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 88
تصاعد البخارُ من المدخل المفتوح، وارتفع فحيحٌ غاضبٌ من وسط الغرفة التي وراءه. وتأهّب المغامرون للقاء الهجوم بينما انقشع البخارُ ليكشف عن الشيء الذي كان يتهدّدهم.
كان صخرةً.
وعلى وجه الدقّة، كان عموداً سُداسيَّ الأضلاع من الحجر البركانيّ الأسود، قُطره أوسعُ قليلاً من رأس آل. وكان يرتفع من وسط حفرةٍ أوسعَ منه في الأرض إلى ما يقارب الرُّكبة. ومع فحيحٍ آخر، تجشّأت الحفرةُ نفثةَ بخارٍ حول العمود. وجاء من مكانٍ ما تحت مستوى الأرض صوتُ ماءٍ جارٍ يتفقّع.
كانت الغرفة عشرَ خطواتٍ طولاً على وجه التقريب، وستَّ خطواتٍ عرضاً. ودار مقعدٌ من الغرانيت حول الغرفة المُبخِرة كلِّها، لم يقطعه إلّا ثلاثةُ أبواب: أحدها البابُ الذي فتحوه للتوّ، والثاني عن اليسار وهو المُفضي إلى الرِّواق، والثالث في مواجهة الرِّفقة تماماً على الجدار المقابل. وكان السقف معقوداً، وقدّر آل أنّه قد يكاد يبلغ أعلى نقطةٍ فيه لو وقف على كتفَي غرَنتِل.
انتظروا لحظاتٍ متوتّرةً عدّة، ثمّ تبادلت ويكووكِت وغرَنتِل النظر. أصدر غرَنتِل من حلقه صوتاً بهيميّاً خافتاً فيه شِبهُ سؤال، فأومأت ويكووكِت. ورفع غرَنتِل مِخبَطه وخطا إلى الغرفة، مشدوداً استعداداً للضرب مع ارتفاع فحيحٍ آخر من الحجر في وسطها. ولمّا لم يظهر تهديدٌ آخر، لحقت به ويكووكِت، وتبعهما آل وبوته بحذر.
«يبدو هذا كأنّه كالداريوم، مثل الذي التقينا فيه سايرَس في ذلك الاجتماع الأوّل،» لاحظ آل. وإذ كان لا يزال مُرهَف الحسّ للتأثيرات السحريّة، أمعن النظر في العمود الحجريّ.
«آه،» قال، «بعد كلّ ذلك الوقت الذي قضيتُه في التفكير في النار، صار يسيراً عليّ أن أرى من أين تأتي الحرارة. ثمّة تعزيمةٌ ما على ذلك العمود الحجريّ تُبقيه ساخناً.»
«تلك قطعةٌ من البازلت العموديّ،» أضاف بوته، «ولا أحسبها من حجارة هذه الأرض. دَعْ للإلف أن يُضيّعوا كلَّ هذا الوقت في فصل عمودٍ واحدٍ عن التكوين الذي جاء منه، ثمّ في نقله كلَّ هذه المسافة إلى هنا ليصنعوا منه سخّان ماءٍ سحريّاً.»
تسلّل غرَنتِل إلى حافّة الحفرة التي فيها العمود ونظر إلى أسفل. ثمّ وثب إلى الوراء تفادياً لنفثةِ بخارٍ فاحّةٍ أخرى.
«هل أنت ترى شيئاً لا ينبغي أن يكون هنا؟» سأل آل بوته.
«نعم. ذلك الباب،» أجاب مشيراً إلى الباب في الجدار البعيد. «فيه خَطْبٌ ما لا أستطيع تحديده بدقّة. ليس مُدنَّساً حقّاً، لكنّه يبدو غيرَ طبيعيٍّ على نحوٍ مشابه.»
ركّز آل حواسّه هو على الباب. كانت أنماط التأثير السحريّ المتلوّية من تعقيدٍ لم يفحص مثله بنفسه قطُّ من قبل. ولم تكن التفاصيل واضحةً من عَبْر الغرفة، لكنّ آل استطاع أن يجزم بأنّ ثمّة طبقاتٍ متعدّدةً من المفاهيم المتفاعلة مغروسةً في هذا السحر المُتقَن الصنعة. ودفعه افتتانُه إلى الاقتراب، حتّى صار واقفاً عند المدخل. وحين قرّب خادمُه الروحيُّ الخفيُّ المشعلَ منه، انكشف لولبٌ من الطلاسم السحريّة مرصوصٌ رصّاً مُحكَماً يغطّي الباب ويمتدّ إلى ما وراءه وفوق إطاره وفوق جزءٍ من الجدار المجاور. بعضُها كان مألوفاً لآل، وكثيرٌ منها لم يكن.
«هذه فوق مستواي في الوقت الحاضر بلا شكّ،» اعترف آل وهو يتفحّص بعناية الرموز التي حُفرت حفراً سطحيّاً ثمّ طُليت على المدخل وحوله. «أظنّ أنّ هذا الجزء يعني أنّ هذه رُقيةُ حمايةٍ من نوعٍ ما. وهذه تبدو رموزاً يُفترض أن تعني الحيويّة، لكنّ اتّجاهها لا يتّسق مع بقيّة النمط. إنّها مقلوبةٌ ومعكوسةٌ نوعاً ما.»
«واو، كم فيها من الخربشات غير المفهومة. إذن ماذا تعني، الموت؟ لأنّها رموزٌ مضادّةٌ للحيويّة؟» دفع فضولُ ويكووكِت إلى السؤال. «مثل فخٍّ سحريٍّ يقتل من يحاول فتح الباب؟»
«لا أظنّ ذلك، فمفهوم الموت أو الاحتضار له رموزه الخاصّة، في التقليد الذي تعلّمتُ منه على الأقلّ.»
أمعن آل النظر في نمط الطلاسم اللولبيّ. وكان قد استغرق في اللغز حتّى إنّه لم يلحظ أنّه يميل رويداً ويُميل رأسه إلى الجانب متتبّعاً اللولب، إلى أن ضحكت ويكووكِت ضحكةً مكتومةً ساخرةً منه. فاعتدل قائماً.
«أظنّ أنّ فتح الباب سيُعطّل ما يفعله هذا، أيّاً كان. فمن هذه الرموز هنا في الأسفل، وممّا أراه من طريقة تجلّي السحر، أظنّه مُوجَّهاً إلى الداخل، لا نحونا، فأظنّ أنّ فتحه قد يكون آمناً... أمم... حسناً، هذه الرُّقية على الأقلّ ليست خَطِرةً على الأرجح. ولا ضمانَ بالطبع أنّ ما في الداخل ليس خَطِراً،» شرح، ثمّ أخذ نفَساً عميقاً ومسح العرق المتقاطر عن وجهه بكُمّه. وكانت ويكووكِت وبوته يتصبّبان عرقاً غزيراً كذلك في هواء الكالداريوم الحارّ الرَّطب، بينما لهث غرَنتِل.
«ربّما لو فتحنا البابَين الآخرَين كليهما بُرهةً لبرَدَ الجوُّ هنا،» اقترحت ويكووكِت. «وذلك سيمنحنا أيضاً طريقَي هربٍ إن كان ما خلف باب السحر الشرّير من تهديدٍ فظيعٍ من عالمٍ آخر أخطرَ من أن نحتمله.»
«لا أظنّه شرّيراً،» اعترض آل.
«لا بدّ أن يكون كذلك!» ردّت ويكووكِت، «فمن الواضح أنّه لا ينتمي إلى هنا!»
«ومتى صرتِ خبيرةً في رُقى الحماية؟»
«لا حاجة بك إلى معرفة أيّ شيءٍ عن السحر، انظر إليه فحسب! من الواضح أنّه لا يتّسق مع الطابع الجماليّ لبقيّة هذا المكان!»
«هذا لا...،» قال آل، لكنّه إذ نظر إليه شعر أنّ عليه أن يُسلّم بهذا القدر. «حسناً، نعم، أوافقكِ على أنّه يبدو كأنّ أحداً جاء فأضافه بعد بناء هذا المكان بزمنٍ طويل، وأنّه لا يبدو منسجماً مع طريقة زخرفة بقيّة المكان، لكنّ ذلك لا يجعله شرّيراً.»
«لعلّ الشرَّ افتراضٌ مُفرِطٌ في البساطة،» اقترح بوته، «لكنّي مُضطَرٌّ إلى الموافقة على أنّ فيه خَطْباً ما لا أجدني مرتاحاً إليه.»
التفت آل عند هبوب نسيمٍ خفيفٍ مفاجئ، فرأى غرَنتِل يفتح الباب المُفضي إلى الرِّواق ويخرج ليجثم لاهثاً بشدّةٍ في الهواء الأبرد في الخارج. وقد بدا أنّ فتح البابَين معاً يجعل الهواء أكثر احتمالاً بقليل.
«هل تشعر بشيءٍ آخر خلف الباب؟» سأل آل. «أعلم أنّي لن أستطيع التركيز على التأثيرات السحريّة إلّا لوقتٍ قصيرٍ آخر قبل أن يصير كلُّ شيءٍ من الضبابيّة بحيث لا أقوى على الاستمرار، لكنّي لا أشعر بشيءٍ سحريٍّ فاعلٍ على الجانب الآخر من هذا الباب، سوى الرُّقية التي عليه.»
«في الوقت الحاضر، لا تكشف لي بصيرتي الموهوبة إلهيّاً شيئاً خلف الباب، وإن كان إحساس الباب نفسه شديدَ التشويش،» أجاب بوته.
«كنتُ مستعدّةً تماماً لقتال الموتى السائرين قبل أن ندخل، فهل نُعاود الكَرّة؟» سألت ويكووكِت. «لا نُضيّعنّ هذا الترقّب! يا غرَنتِل، أتودّ أن ترى إن كان خلف هذا الباب شيءٌ نستطيع أن نُنزل به العنف؟»
«تذكّروا، لا نريد أن ندمّره إن كان هنا، بل أن نُعطّله فحسب!» ذكّرهم آل على عجل، بينما تهادى غرَنتِل عائداً ليأخذ موضعه أمام الباب. «وتحسُّباً فحسب، ربّما من الأفضل ألّا تضعي يدكِ على الباب حين تفتحينه.»
رفعت ويكووكِت مِزلاج الباب بطرف عَضّاضة سو، ثمّ دفعته برفقٍ إلى الأمام. قاوم الباب لحظةً ثمّ سُمع صوتُ طَقطقةٍ وتمزُّق، ورقصت ومضاتٌ من ضوءٍ بنفسجيٍّ خافتٍ بين حافّة الباب المنفتح وإطاره قبل أن تنطفئ. وبينما حمله اندفاعُه إلى مزيدٍ من الانفتاح، سمع آل صوتَ ارتطامٍ ثقيلٍ كتيمٍ في الداخل، وأخيراً انفتح الباب بما يكفي ليكشف عن شخصٍ جاثمٍ على الأرض.
وكاد آل يسأل ذلك الشخص، أيّاً كان، إن كان بخير، قبل أن ينادي بوته بإلحاح: «أشعر بها الآن! على السقف في الداخل!»
نهض الشخصُ الذي على الأرض متعثّراً على قدمَيه مع أنّةِ ألم، ثمّ اندفع نحوهم راكضاً. توهّجت عيناه بضوءٍ بنفسجيّ، وزأر في غضبٍ غير مفهومٍ وهو يهجم.
وقبل أن يبلغهم، رفع بوته عُلبة اللفائف المقدّسة التي ترمز إلى طائفته، وأطلق لعنةً على كلّ من يجعل من الحياة في الموت أُضحوكة. فأضاء نورٌ إلهيٌّ فضّيٌّ الغرفةَ كلَّها خلف الباب، وحجب الشخصُ الذي كان حيّاً فيما مضى عينَيه الذابلتَين بذراعه وتوقّف. وخرجت من حلق الشيء صرخةُ كربٍ جوفاءُ بلا كلمات. وتشوّه وجهه في خوفٍ فظيع. فاستدار وفرّ نحو أبعد رُكنٍ من الغرفة يستطيع بلوغه.
«لن يُبقيه ذلك بعيداً طويلاً، فكونوا على أهبة! لا تزال هناك أشياءُ على السقف!» نادى بوته.
«أكان ذلك رجلاً ميّتاً يمشي؟ أوّلُ لقاءٍ لي بزومبي!» هتفت ويكووكِت مبتهجةً. وصوّبت خِنجرها وعَضّاضة سو إلى أعلى وخطت إلى الداخل لتنظر فوقها قائلةً: «ممّا أخبرنا به سايرَس كنتُ أتوقّع شيئاً أكثر ممْممف!»
وكُتم ما كانت تقوله إذ طُرحت أرضاً وأُلصقت بالأرض بصفيحةٍ لزجةٍ من الحرير.
وهبط من السقف عنكبوتٌ بحجم الحصان، يتراقص في عيونه المُطوَّقة بالعفن ذلك الوهجُ البنفسجيُّ نفسُه الذي في الزومبي، وهو يبسط نابَيه الطويلَين ترقُّباً.
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion
Join the discussionانضمّ إلى النقاش
Sign in to comment and upvote.سجّل الدخول للتعليق والتصويت.